العقيدة

الإيمان بالملائكة

الملائكة المسمّون ووظائفهم وخصائصهم

هذه الوحدة تفصيل لما أُجمل في ركن «الإيمان بالملائكة» من أركان الإيمان الستة. ففيها بيان لمن سُمّي من الملائكة في القرآن والسنة الصحيحة، ووصف وظائفهم وأعمالهم وخصائصهم، مع الأدلة من الكتاب والسنة. والإيمان بالملائكة على وجه الإجمال واجب كركن من أركان الإيمان، والإيمان بهم على وجه التفصيل فيما صح فيهم زيادة في العلم والمعرفة، ينبغي للمسلم أن يحرص عليه ليكون إيمانه أتم وأكمل.

1
خلق الملائكة وطبيعتهم
أصل خلقهم ومادتهم وصفاتهم العامة

الملائكة خلق نوراني عظيم، خلقهم الله من نور قبل أن يخلق آدم عليه السلام، وأعطاهم خصائص تختلف عن سائر المخلوقات: لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون ولا يتعبون ولا يعصون الله ما أمرهم.

الملائكة عالم غيبي عظيم، أصل خلقهم من نور كما قال النبي ﷺ: «خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وُصف لكم». ويُستفاد من هذا الحديث أن مادة خلق الملائكة تختلف عن مادة خلق الجن وعن مادة خلق الإنس، ولكل واحد منهم طبيعة تليق بمادته. صفاتهم العامة: أولاً: العصمة من المعصية. قال تعالى عنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وهذه عصمة جبلية لا يُتصور خلافها، فالملك لا يعصي الله ولا يستطيع أن يعصيه، وذلك أن الله لم يخلق فيهم شهوة ولا غضباً يدعوهم إلى المعصية. ثانياً: العبادة المستمرة. لا يفترون عن عبادة الله طرفة عين، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾. وفي حديث المعراج أن النبي ﷺ رأى البيت المعمور وكل يوم يصلي فيه سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه أبداً، فيُستفاد من هذا عددهم العظيم الذي لا يحصيه إلا الله. ثالثاً: عدم الأكل والشرب والتناسل. فهم ليسوا ذكوراً ولا إناثاً، ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتعبون. وقد ذم الله الكفار الذين زعموا أنهم إناث، قال تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾. رابعاً: القوة العظيمة والقدرة الخارقة. فقد قال الله عن جبريل عليه السلام: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ﴾. وفي حديث قلب قرى لوط: أن جبريل قلبها بطرف جناح واحد. وفي حديث آخر: أن للملك الواحد منهم ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام. خامساً: الأجنحة. قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾. وقد رأى النبي ﷺ جبريلَ مرتين على صورته الحقيقية، له ستمائة جناح، كل جناح قد سدّ الأفق. سادساً: القدرة على التشكّل في صور أخرى. فإذا أراد الله أن يبعثهم إلى البشر تشكّلوا في صور بشرية، كما جاء جبريل عليه السلام إلى مريم في صورة بشر سوي، وكما جاء إلى النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي وفي صورة الأعرابي يسأل عن الإسلام. سابعاً: عددهم الكثير الذي لا يحصيه إلا الله. ودلّ على ذلك حديث البيت المعمور المذكور. ثامناً: تخصيص بعضهم بأعمال محددة. فبعضهم لا يفارقون مكاناً (كحراس مكة والمدينة)، وبعضهم لا ينقطعون عن سجود (كما في الحديث: «أطّت السماء وحُقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك ساجد أو راكع»)، وبعضهم موكلون بأعمال محددة كقبض الأرواح والنفخ في الصور وحراسة الجنة والنار.
أقوال أهل العلم
أنكر بعض المتأخرين كون الملائكة خلقاً حقيقياً، وزعموا أنهم قوى مجردة أو رموز. وهذا قول مخترع لا أصل له، ومخالف لإجماع الأمة. والأدلة على كونهم خلقاً حقيقياً متضافرة من القرآن والسنة: - قول الله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ — فالأجنحة لا تكون لقوة مجردة. - قول الله: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ — والشدة والغلظة صفات أجسام. - رؤية الصحابة لجبريل عليه السلام في حديث جبريل في صورة الأعرابي، فلو كان قوة مجردة لما رأوه. قال ابن تيمية: «الملائكة من الجواهر، لها صور خاصة تختلف عن صور البشر، لكنها أجسام حقيقية وإن لطفت». فمن أنكر جسميتهم اللطيفة فقد خالف ما عليه أهل السنة من السلف والخلف.
الأدلة
«خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وُصف لكم»
نص في أصل خلقهم
«﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾»
إثبات استمرار عبادتهم
«﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾»
إثبات أجنحتهم
«أطّت السماء وحُقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك ساجد أو راكع»
حسّنه الترمذي، يدل على عظيم عددهم
2
جبريل عليه السلام
أمين الوحي وسيد الملائكة

جبريل عليه السلام أعظم الملائكة منزلة، الموكل بالوحي إلى الأنبياء، وصفه الله في القرآن بأنه روح القدس وأنه ذو قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين.

جبريل عليه السلام أفضل الملائكة وأعظمهم منزلة عند الله، وهو الموكل بالوحي إلى الأنبياء والمرسلين، نزل بالقرآن على قلب النبي ﷺ، ونزل قبل ذلك بالتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، وغيرها من الكتب السماوية. أسماؤه في القرآن: جبريل (وهو الاسم الأعلم به)، الروح، روح القدس، الروح الأمين، رسول كريم. قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. صفته كما وصفها الله في القرآن: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. فجمعت الآية فيه خمس صفات: كريم، ذو قوة، مكين عند ذي العرش، مطاع في الملائكة، أمين على الوحي. رآه النبي ﷺ مرتين على صورته الحقيقية: مرة في غار حراء حين أتاه بالوحي أول مرة، فسد الأفق، ومرة في السماء عند سدرة المنتهى في ليلة الإسراء والمعراج. وله ستمائة جناح، كما جاء في الصحيحين: «رأى محمد جبريل في صورته الحقيقية وله ستمائة جناح، قد سدّ الأفق». أعماله العظيمة: - نزوله بالوحي على الأنبياء، وآخرهم وأعظمهم محمد ﷺ. - نزوله بأمر الله في تنزيل العذاب على الأمم المكذبة، كقومه لوط حيث قلب قراهم. - نزوله في ليلة القدر مع الملائكة، قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. - نفخه في عيسى عليه السلام في بطن أمه مريم، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾. - تعليمه النبي ﷺ بعض شرائع الدين، كحديث جبريل المشهور حين جاء في صورة الأعرابي يسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان. - تثبيته النبي ﷺ في المواقف الصعبة، كقوله للنبي ﷺ في غزوة بدر: «والذي نفسي بيده لقد رأيت جبريل آخذاً برأس فرسه عليه ثناياه النقع».
أقوال أهل العلم
جبريل عليه السلام أفضل الملائكة باتفاق أهل السنة، ودلّ على ذلك تكليفه بأشرف الأعمال (الوحي إلى الأنبياء)، ووصف الله له بصفات الكمال الخمس في سورة التكوير: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. ومن خصائصه عند بعض أهل العلم أنه كان قرين النبي ﷺ، يلازمه في كثير من الأحوال، فيُذكره وينصره ويبيّن له ما أُشكل، حتى قال النبي ﷺ في مرض موته: «اللهم في الرفيق الأعلى»، وقد كان جبريل عليه السلام أحد رفقائه.
الأدلة
«﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾»
إثبات نزوله بالقرآن على النبي ﷺ
«﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾»
وصف صفاته الخمس
«رأى محمد جبريل في صورته التي خُلق عليها له ستمائة جناح، قد سدّ الأفق»
وصفه الحقيقي
«حديث جبريل في تعليم الناس دينهم»
بيان لقدرته على التمثل في صورة بشر
3
ميكائيل عليه السلام
الموكل بالقطر والنبات

ميكائيل عليه السلام من أعظم الملائكة منزلة، الموكل بإنزال المطر وإنبات النبات، ذكره الله مع جبريل في القرآن في سياق إثبات الإيمان بالملائكة.

ميكائيل عليه السلام من كبار الملائكة، ذكره الله في القرآن مقروناً بجبريل عليه السلام، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. وذكره مع جبريل في موضع واحد يدل على عظيم منزلته، لأنه لم يخص الله من الملائكة في القرآن باسم إلا جبريل وميكائيل وهاروت وماروت. عمله: قد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة وآثار الصحابة أنه الموكل بالقطر (المطر) والنبات. وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول حين قيامه إلى صلاة الليل: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض...» فقدّم جبريل لأنه الموكل بالوحي الذي به حياة القلوب، ثم ميكائيل الموكل بالمطر الذي به حياة الأبدان، ثم إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور الذي به البعث. وقد ورد في بعض الآثار أنه يأتي إلى النبي ﷺ، كما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فُتح اليوم لم يُفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يُؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيته». وقد قال بعض العلماء: إن هذا الملك هو ميكائيل عليه السلام.
أقوال أهل العلم
أكثر ما يُنقل عن ميكائيل عليه السلام من تفصيلات في كتب التفسير من الإسرائيليات التي لا يصح الجزم بها، فينبغي الاكتفاء بما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة من ذكره مقروناً بجبريل، ومن كونه موكلاً بالقطر والنبات على ما جاء في بعض الآثار. أما تسميته «ميخائيل» كما يُنطقه أهل الكتاب، فهي تسمية في الأصل واحدة، اختلفت بحسب لغة كل قوم. وفي القرآن الأصل «ميكال» بدون ألف بين الكاف والياء، كما قال تعالى: ﴿جِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾.
الأدلة
«﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾»
ذكره مع جبريل بالاسم
«اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة»
من دعاء استفتاح صلاة الليل، يجمع بين الملائكة الثلاثة الكبار
«أبشر بنورين أوتيتهما لم يُؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة»
ذُكر أن النازل من السماء كان ميكائيل عليه السلام
4
إسرافيل عليه السلام
صاحب الصور الموكل بالنفخ فيه

إسرافيل عليه السلام من أعظم الملائكة، الموكل بالنفخ في الصور يوم القيامة. وقد جعل النبي ﷺ يستفتح صلاة الليل بذكره مع جبريل وميكائيل، تنبيهاً على عظيم منزلته.

إسرافيل عليه السلام من كبار الملائكة الثلاثة، الموكل بالنفخ في الصور. والصور قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل بأمر الله، نفختان: الأولى يصعق بها من في السماوات والأرض، والثانية يقوم بها الناس من قبورهم. لم يُذكر اسمه في القرآن، ولكن ثبت ذكره في السنة الصحيحة، وكذلك ثبت كونه الموكل بالنفخ في الصور. قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يُؤمر فينفخ؟»، فقال الصحابة: ما نقول يا رسول الله؟ قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل». فصاحب القرن في هذا الحديث هو إسرافيل عليه السلام، يقف منذ خلق الله السماوات والأرض ملتقماً الصور، حانياً جبهته، مصغياً سمعه، ينتظر متى يأمره الله أن ينفخ. وفي هذا تنبيه على عظيم استعداده وحرصه على امتثال أمر الله، فينبغي للعبد أن يستعد لذلك اليوم كذلك. وفي دعاء استفتاح صلاة الليل الذي علّمه النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». فجمع بين هؤلاء الثلاثة لأنهم كبار الملائكة الموكلين بأعظم الأعمال: الوحي (وبه حياة القلوب)، والمطر (وبه حياة الأبدان)، والنفخ في الصور (وبه إعادة الحياة بعد الموت).
أقوال أهل العلم
وُكِل إسرافيل عليه السلام بالنفخ في الصور، وهذا متفق عليه عند أهل السنة. أما تفاصيل وصفه الجسدية، فأكثر ما يروى فيها من الإسرائيليات التي لا تثبت، والصواب الاقتصار على ما ثبت من القرآن والسنة دون تفصيلات لم تأتِ في النصوص الصحيحة. وحديث «صاحب القرن قد التقم القرن» يدل على أنه إسرافيل عليه السلام يظل في حالة استعداد دائم منذ خلق العالم إلى أن يأمره الله بالنفخ. وفي هذا تنبيه عظيم على قرب الساعة وضرورة الاستعداد لها.
الأدلة
«كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يُؤمر فينفخ»
صححه الألباني
«اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض»
ذكره مع كبار الملائكة
«﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾»
إثبات النفخ في الصور الذي هو وظيفة إسرافيل
5
ملك الموت
الموكل بقبض الأرواح

ملك الموت أحد الملائكة الكبار، الموكل بقبض أرواح العباد عند انقضاء آجالهم. وقد ذكره الله في القرآن وأخبر عن وظيفته، ولم يُسمَّ في الكتاب ولا في السنة الصحيحة بـ «عزرائيل».

ملك الموت هو الموكل بقبض أرواح العباد، أثبته الله في كتابه، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. وقال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾، فدلّ ذلك على أن معه أعواناً من الملائكة يقبضون الأرواح ابتداءً، ثم يدفعونها إليه. صفته في قبض الأرواح: يأتي للعبد فينظر إلى رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج روح المؤمن كما تسيل القطرة من فم السقاء. وأما الكافر فيأتيه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتُنزع روحه كما يُنزع السفود من الصوف المبلول، حتى تنقطع منه العروق والأعصاب. وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي موسى عليه السلام لطم ملك الموت ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فردّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إليه فقل له: يضع يده على متن ثور، فما توارت يده من شعر فله بكل شعرة سنة. ثم خيّره الله بين الموت ومدة من السنين، فاختار الموت. وفي ذلك بيان لجزء من قدر الله في الموت وأن ملك الموت يأتي العباد على صورة قابلة للرؤية في بعض الأحوال. تنبيه على اسم «عزرائيل»: لم يصح ذكر هذا الاسم لملك الموت في القرآن ولا في حديث صحيح عن النبي ﷺ، إنما هو اسم اشتُهر عند الناس مأخوذ من بعض الأخبار الإسرائيلية. والأَولى أن يُسمى بما سُمّي به في القرآن: «ملك الموت»، أو «الموكل بقبض الأرواح». وكثير من الناس يدعو بأن يحفظه الله من «عزرائيل»، وهذا غلط، فإن ملك الموت ملك مُكرم يطيع أمر ربه، ولا يُستعاذ منه، إنما يُستعاذ بالله من سوء حال الميت عند الموت ومن سكرات الموت.
أقوال أهل العلم
اختلف العلماء: هل ملك الموت ملك واحد، أم هي طائفة من الملائكة لها رئيس واحد؟ والظاهر من النصوص أنه ملك واحد له أعوان كثيرون من الملائكة. فالإفراد في قوله ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ يدل على ملك واحد رئيس، والجمع في قوله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ يدل على أعوانه. وقد جزم بعض العلماء بأن النبي ﷺ هو الذي رأى ملك الموت في الحديث المشار إليه عن موسى عليه السلام، وأن النبي ﷺ خيّر بين رفقاء الجنة وبين البقاء، فاختار الرفيق الأعلى. ولذلك قال في مرض موته: «اللهم في الرفيق الأعلى»، فاختار لقاء الله ولقاء الأنبياء على البقاء في الدنيا.
الأدلة
«﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾»
تسميته في القرآن بـ «ملك الموت»
«﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾»
إثبات أن له أعواناً من الملائكة
«إن الكافر إذا خرجت روحه قال له ملك الموت: اخرجي أيتها النفس الخبيثة... وإن العبد المؤمن إذا خرجت روحه قال له ملك الموت: اخرجي أيتها النفس الطيبة»
بيان حال قبض الروح
«إن العبد المؤمن إذا أوى إلى فراشه بات وملكاه يحفظانه»
إشارة إلى أعوان ملك الموت
6
مالك خازن النار
الموكل بحراسة جهنم

مالك ملك من الملائكة، خازن النار وأمير عليها، ذكره الله في القرآن في سورة الزخرف حين يُنادى من أهل النار طلباً للهلاك من شدة العذاب.

مالك هو الملك الموكل بحراسة جهنم، أمير على الملائكة الموكلين بالنار. وقد ذكره الله في القرآن باسمه، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ، قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. فإذا بلغ بأهل النار العذاب، نادوا خازن النار «مالك» يطلبون منه أن يدعو الله أن يميتهم فيستريحوا من العذاب، فيرد عليهم بعد ألف سنة: «إنكم ماكثون»، أي ماكثون في النار مخلدون فيها. صفته كما جاءت في الأحاديث: لا يضحك أبداً منذ خلقه الله. فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال في وصف ما رأى في رحلة المعراج: «ثم رأيت مالكاً خازن النار، وهو رجل عليه أثر الغضب، لا يضحك، يعرف الخير والشر». وذلك أن مالكاً موكل بأهل العذاب، فحاله لا يناسبه الضحك. وعلى مالك ملائكة عددهم تسعة عشر، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، وقال في صفتهم: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. فهم غلاظ في خلقهم، شداد في قوتهم، لا يرحمون أهل النار ولا يلينون لهم.
أقوال أهل العلم
اسم مالك جاء في القرآن صراحة في قوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾، وذلك في سورة الزخرف، فلا يعتري ثبوته شك. والملائكة الموكلون به ومعه يُسمَّون «الزبانية»، كما قال تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. وصفة الزبانية أنهم تسعة عشر، كما جاء صريحاً في سورة المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً، وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾.
الأدلة
«﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ، قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾»
ذكره صراحة باسمه في القرآن
«﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾»
إثبات عدد الزبانية
«ثم رأيت مالكاً خازن النار، فسلّمت عليه فردّ السلام»
من حديث المعراج
7
خزنة الجنة
الملائكة الموكلون بحراسة الجنة

للجنة خزنة من الملائكة موكلون بها، يستقبلون أهلها ويفتحون لهم أبوابها. وقد ذكر القرآن «خزنة الجنة» على وجه العموم. أما اسم «رضوان» فلم يثبت في القرآن ولا في حديث صحيح.

للجنة خزنة من الملائكة موكلون بحراستها ورعاية شؤونها، يستقبلون أهل الجنة عند دخولهم ويُحيّونهم بأطيب التحية. قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا، حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. وقال في موضع آخر: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا، وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. فبيّن الله أن الملائكة الموكلين بالجنة يدخلون على المؤمنين ويُهنّئونهم بدخولهم الجنة وسلامتهم من عذاب النار. أما اسم «رضوان» الذي اشتهر عند الناس بأنه اسم خازن الجنة، فلم يثبت ذلك في القرآن، وأما في السنة فقد ورد في بعض الروايات لكن لم تصح، وإنما هو من الإسرائيليات التي دخلت كتب التفسير. والأَولى الوقوف على ما جاء في القرآن من تسميتهم بـ «خزنة الجنة»، وعدم القطع بأن أحدهم يُسمى رضوان. صفتهم: من الكرام البررة الذين يبشرون أهل الإيمان ويسلّمون عليهم. وعكسهم خزنة النار الذين هم غلاظ شداد لا يلينون لأهل النار.
أقوال أهل العلم
تسمية خازن الجنة باسم «رضوان» اشتهرت في كتب التراث الإسلامي ولكنها لم تثبت بسند صحيح من السنة. ومن أوائل من أنكرها بالتحقيق ابن كثير في تفسيره، حيث قال: «وأما تسمية خازن الجنة بـ رضوان، فلم يثبت ذلك من حديث صحيح يمكن الاعتماد عليه». وكذلك المحققون من المعاصرين كابن عثيمين وغيره. ومع أن الاسم لم يثبت، فإن وجود خزنة للجنة من الملائكة ثابت بالقرآن، فلا يصح إنكاره مع إنكار الاسم. فالتفريق هنا مهم: نُثبت ما ثبت ونتوقف عما لم يثبت.
الأدلة
«﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا، حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾»
نص في خزنة الجنة
«﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا، وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾»
تحية الملائكة لأهل الجنة
8
منكر ونكير
ملكا سؤال القبر

منكر ونكير ملكان يأتيان العبد في قبره فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيُثبّت الله المؤمن بالقول الثابت، ويُخسف على الكافر والمنافق.

منكر ونكير ملكان من الملائكة وُكّلا بسؤال العبد في قبره. ذكرهما النبي ﷺ في حديث البراء بن عازب الطويل في صفة الموت ووصف ما يكون في القبر، حيث قال: «فيأتيه ملكان فيُجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ». وسؤالهما لكل عبد عند دفنه: «من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟». فأما المؤمن فيُجيب بقوله: «ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ»، وذلك تثبيت من الله له بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، فُسّر القول الثابت في الآخرة بهذا التثبيت في القبر. وأما الكافر والمنافق فيقول: «هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته». فيُضرب بمطرقة من حديد ضربة لو ضُرب بها جبل لصار تراباً، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين (الإنس والجن). ثم يُفتح له باب من النار فيرى مكانه منها ولو نجا فيُغلق دونه فيقول: ربِّ لا تقم الساعة. اسمهما: ثبت في حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره أن النبي ﷺ سمّاهما «منكر ونكير»، قال: «إذا قُبر الميت أو قال: أحدكم، أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟». وقد حسّن الترمذي إسناده. صفتهما: أسودان أزرقان، شديدا الخلق، ينتهرانه ويوقفانه على نفسه. وذلك ابتلاء من الله، فمن آمن في الدنيا ثبّته الله، ومن نافق ولم يحقق إيمانه افتُضح في قبره.
أقوال أهل العلم
حديث سؤال القبر متواتر من جهة المعنى عند أهل الحديث. قال ابن القيم في الروح: «الأحاديث في سؤال القبر متواترة عن النبي ﷺ، رواها جمع من الصحابة، فلا يجوز إنكار سؤال القبر». ومن أنكر سؤال القبر فقد أنكر ما تواتر من السنة، وضل عن منهج أهل السنة والجماعة. أما تسميتهما بـ«منكر ونكير»، فقد ثبت في الحديث الحسن الذي رواه الترمذي، وحسّنه جمع من العلماء، وضعّفه بعضهم. والأرجح ثبوته. ومن لم يثبت عنده ذلك آمن بهما ولم يسمّهما، ومن ثبت عنده سمّاهما بما سمّاهما به النبي ﷺ. ويُلحظ أن سؤالهما إنما يكون عن ثلاثة فقط: الرب والدين والنبي، ولا يُسأل عن غيرها من الفروع، فدلّ ذلك على أن أعظم ما يُسأل عنه العبد هي هذه الأصول الثلاثة التي تشكّل أساس دينه.
الأدلة
«حديث البراء بن عازب الطويل في سؤال القبر»
صححه الألباني
«إذا قُبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟»
حسّنه الترمذي
«﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾»
فُسّر التثبيت في الآخرة بسؤال القبر
9
الكرام الكاتبون
الملائكة الموكلون بكتابة الأعمال

الكرام الكاتبون ملائكة موكلون بكل إنسان، يكتبون أعماله من خير وشر، يرافقانه ليل نهار، عن يمينه ملك يكتب الحسنات، وعن شماله ملك يكتب السيئات.

وكّل الله بكل إنسان من بني آدم ملكين يكتبان أعماله، يرافقانه طوال حياته، أحدهما عن يمينه يكتب حسناته، والآخر عن شماله يكتب سيئاته. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. وقال أيضاً: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. ففسّر العلماء «رقيب وعتيد» بأنهما الملكان الموكلان بالكتابة، وقيل: «رقيب» اسم وصف لكليهما، أي مراقب لأقواله وأفعاله. من أعمالهم: ١- كتابة كل عمل وقول. ولا يكتبان أمراً جرى على القلب من غير إذن ولا فعل، حتى لو همّ بالخير فعمله كُتب له عشرة أضعاف، ولو همّ به ولم يعمله كُتب له حسنة، ولو همّ بالسيئة فلم يعملها لم تُكتب عليه، ولو عملها كُتبت سيئة واحدة. كما في الحديث القدسي: «إذا همّ عبدي بحسنة فلم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإذا همّ بسيئة فلم يعملها لم أكتبها، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة». ٢- صيانة العبد من الأعمال الشنيعة. فقد ذكر بعض السلف أن الملك الموكل بالكتابة قد يتحرّج من بعض الأعمال الشنيعة فيسأل الله الإذن في صرف وجهه عنها، أو يستحي من العبد إذا فعل ما يقبح ولا يليق به. ٣- الإيمان بحضورهما. فمن الإيمان بهما أن يستحي العبد منهما، فلا يفعل أمام ربه ما يستحي أن يفعله أمام مخلوقاته. قال علي رضي الله عنه: «ما من عبد إلا له ملكان موكلان، فإذا كذب الكذبة تباعدا عنه ميلاً من نتن ما جاء به». ويُكتب الأمر مرتين: مرة بمجرد العمل، ومرة بعد التحقق منه، فبعض الأعمال قد تُمحى من السيئات في القبر أو يوم القيامة بالتوبة، وبعضها تبقى. وفي حديث: «إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة».
أقوال أهل العلم
الكرام الكاتبون من أهم الملائكة الذين ينبغي أن يكون المسلم على ذكر بهم دائماً، فإن استحضارهم من أعظم ما يُعين على ترك المعاصي والإقبال على الطاعات. قال بعض السلف: «من علم أن ملكين عن جانبيه لا يفارقانه، لم يخل لحظة من حياته من خوف أو حياء». ومن لطائف ما ذُكر في هذا الباب: أن الله رغم علمه بكل شيء، أمر بكتابة الأعمال إقامة للحجة على العبد يوم القيامة، فلا يستطيع أن ينكر شيئاً مما عمل. قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا، وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾.
الأدلة
«﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾»
أصل في تسميتهم
«﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾»
صفة عملهما وموضع كل واحد منهما
«إذا همّ عبدي بحسنة فلم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشر حسنات»
قاعدة في كتابة الحسنات والسيئات
10
الحفظة
الملائكة الموكلون بحفظ العبد

مع الكرام الكاتبين ملائكة آخرون يحفظون العبد من المهالك بأمر الله، يتعاقبون على العبد ليلاً ونهاراً، يدفعون عنه ما لم يأذن الله بنفاذه إليه.

بجانب الكرام الكاتبين الذين يكتبون الأعمال، ثمة ملائكة آخرون موكلون بحفظ العبد من المهالك بإذن الله، يحرسونه من المخاطر التي لم يأذن الله بوقوعها به. قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. صفة عملهم كما جاءت في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون». ففيه إثبات للملائكة المعاقبين، وأن الموكلين بالليل غير الموكلين بالنهار، وأنهم يجتمعون عند صلاتي الفجر والعصر. من وظائفهم: ١- حفظ العبد من المهالك التي لم يأذن الله بوقوعها به. فكل ساعة يمر بها الإنسان من حياته يمكن أن تكون فيها مهلكة، لكن الله بحكمته جعل ملائكة يدفعون عنه ما لم يقدّر له، فإذا جاء الأجل المقدر تركوه ولم يحفظوه. ٢- إبلاغ السلام للنبي ﷺ. قال النبي ﷺ: «إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض يُبلغوني عن أمتي السلام». ٣- شهود مجالس الذكر. كما في الحديث الصحيح: «إن لله ملائكة سيّارة فضلاء، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحفّ بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا». ٤- الصلاة على المؤمن في صفه الأول وعلى من يكثر الصلاة على النبي ﷺ. قال النبي ﷺ: «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف». ومن لطائف ما ذكر العلماء في هذا الباب: أن للعبد ملائكة كثيرة موكلة بأموره، تنتقل بحسب حاله: ففي اليقظة موكلون، وفي النوم موكلون، وفي السفر موكلون، وفي الصلاة موكلون، وعند الذكر موكلون، وكلهم بأمر الله. والمؤمن الواعي بهذا يستشعر دائماً صحبة الملائكة له، فلا يضيق صدره ولا يخاف وحدته.
أقوال أهل العلم
الفرق بين الكرام الكاتبين والحفظة: الكرام الكاتبون موكلون بكتابة الأعمال (وهم اثنان فقط: عن اليمين والشمال). أما الحفظة فهم ملائكة آخرون موكلون بحماية العبد من المهالك، وعددهم أكثر، وموكلون بأمور متعددة. وقد جمع بعض العلماء بينهما وقال: قد يكون الكاتبون أنفسهم هم الحافظون، لأن الله سمّاهم في موضع «حافظين» وفي آخر «كاتبين». والأقرب أنهم طوائف متعددة، كل طائفة موكلة بأمر خاص. ويُحسن بالمسلم أن يستحضر معية الملائكة له ويحرص على ما يحبونه ويبتعد عما يكرهونه. فإنهم يحبون الذكر والطاعة، ويكرهون المعصية والنجاسة والروائح الكريهة، ولا يدخلون بيتاً فيه كلب ولا صورة. والمؤمن المحب لله يحب ما تحب ملائكته، ويتجنب ما تكرهه ملائكته.
الأدلة
«﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾»
أصل في إثبات الحفظة
«يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر»
إثبات تعاقب الملائكة
«إن لله ملائكة سيّارة فضلاء، يتبعون مجالس الذكر»
ملائكة شهود الذكر
«إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض يُبلغوني عن أمتي السلام»
صححه الألباني
11
حملة العرش
أعظم الملائكة خلقاً وأعلاهم منزلة

حملة العرش ملائكة عظام يحملون عرش الرحمن، عددهم اليوم أربعة، ويوم القيامة يحمله ثمانية، وصفهم الله بأنهم يسبحون بحمد ربه ويستغفرون للذين آمنوا.

حملة العرش من أعظم الملائكة خلقاً وأعلاهم منزلة، أُوكل إليهم حمل عرش الرحمن سبحانه. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. عددهم: في الدنيا أربعة، ويوم القيامة يكونون ثمانية. قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. صفة عظمتهم: ذكر النبي ﷺ في الحديث الصحيح أحدهم فقال: «أُذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام». فإذا كان هذا في ملك واحد من حملة العرش، فما بالك بهم مجتمعين، وما بالك بحجم العرش الذي يحملونه؟ أعمالهم: ١- حمل العرش وذكر الله حوله. وذلك من أعظم ما يدل على عظمته سبحانه، إذ خلق ملائكة بهذه العظمة وجعلهم يحملون عرشه، وهو سبحانه غني عن العرش وعنهم، إنما أوجد ذلك حكمة وعبادة. ٢- الاستغفار للمؤمنين. وهذا من أعظم ما يدل على عناية الله بالمؤمنين، إذ جعل أعظم ملائكته يسألون له المغفرة. قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. فدعاؤهم للعبد المؤمن سبب لمغفرة الله، فالمؤمن ينبغي أن يحرص على ما يُؤهله لشمول دعائهم له. ٣- تعظيم الله بالتسبيح والتحميد. وذلك دائم لا يفترون عنه، شأن الملائكة كلهم في الإكثار من ذكر الله.
أقوال أهل العلم
حملة العرش من أكرم الملائكة، وعظمتهم تدل على عظمة من خلقهم. وقد جاء في الحديث الصحيح بيان عظمة الواحد منهم، فاعتبر بذلك من ينظر في خلق الله، فإن المخلوقات على عظمتها لا تقاس بقدرة الخالق سبحانه. وذكر استغفار حملة العرش للمؤمنين فيه فائدة عظيمة: فإن العبد ينبغي أن يجتهد في أن يكون من «الذين آمنوا، الذين تابوا واتبعوا سبيلك» الذين تستغفر لهم الملائكة. ولا تكون التوبة بمجرد القول، بل بترك المعصية والرجوع إلى الله. فمن جمع بين الإيمان واتباع سبيل الله شملته دعوات حملة العرش له، وكفى بذلك شرفاً وفضلاً.
الأدلة
«﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾»
أصل في حملة العرش واستغفارهم للمؤمنين
«﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾»
إثبات أنهم ثمانية يوم القيامة
«أُذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام»
صححه الألباني
12
حقوق الملائكة على المسلم
ما ينبغي على العبد تجاه ملائكة الله

للملائكة على المسلم حقوق ينبغي أن يراعيها، منها: محبتهم وموالاتهم، وتعظيم أمر الله الذي قاموا به، وعدم إيذائهم بما يكرهون، والاستفادة من حضورهم في طاعة الله.

الإيمان بالملائكة لا يقتصر على التصديق بوجودهم، بل يشمل أن يتعامل المسلم معهم بما يليق بحالهم، فإن لهم حقوقاً عليه ينبغي أن يراعيها: أولاً: محبتهم وموالاتهم. فمحبة الملائكة من تمام الإيمان، وقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. ومن أعظم محبتهم: أن تحب فيهم ما يحبون، وتكره فيهم ما يكرهون. ثانياً: تعظيم أمر الله. فإن الملائكة وُكّلوا بأعظم الأمور: الوحي إلى الأنبياء، وحمل العرش، وكتابة الأعمال، وقبض الأرواح، والنفخ في الصور. فمن عظّم أمر الله الذي أمر به ملائكته، عظّم الملائكة الذين يقومون به. ثالثاً: عدم إيذائهم بما يكرهون. ومما يكرهه الملائكة: - الروائح الكريهة. قال النبي ﷺ: «من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم». فالبصل والثوم النيء يكره الملائكة رائحتهما. - الصور والكلاب في البيوت. قال النبي ﷺ: «إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة». والمقصود بالصور هنا صور ذوات الأرواح من البشر والحيوان. - النجاسات وعدم الطهارة. فإن الملك يكره أن يحضر مكاناً نجساً، أو على إنسان غير متطهر، إلا أنه قد يحضر معه لكتابة عمله. ولذا يُستحب للمسلم النوم على طهارة لتحضر الملائكة عنده. - الكذب والكلام السيئ. قال علي رضي الله عنه: «إذا كذب الكذبة تباعد عنه الملك ميلاً من نتن ما جاء به». رابعاً: الاستفادة من حضورهم. فمعرفة العبد بأن الملائكة تحضر عند الذكر وعند صلاة الفجر وصلاة العصر، تجعله يحرص على هذه الأوقات والمجالس. وأن يستحضر دائماً أن معه ملكين يكتبان عمله فيستحي أن يفعل ما لا يليق. خامساً: عدم سؤالهم ودعائهم. فإن دعاء الملائكة من دون الله شرك، فلا يُدعى إلا الله. أما الاستفادة من شفاعتهم يوم القيامة فهي بإذن الله، لا بسؤال الملك ابتداءً. سادساً: الإيمان بهم على وجه التفصيل فيما صح. فإن العلم بأسمائهم وأعمالهم زيادة في الإيمان، وقربة إلى الله. ومن جهل أمرهم ضاع عليه كثير من فوائد الإيمان بهم.
أقوال أهل العلم
كثير من الناس يحرصون على الإيمان بالملائكة من حيث التصديق العام، ولكنهم يهملون مراعاة حقوقهم في حياتهم اليومية. فيدخلون بيوتهم وفيها الصور والكلاب، ويتركون النظافة والطهارة، ويهملون الذكر والصلاة في وقتها. والإيمان الحق هو الذي يثمر العمل، فالمسلم المؤمن بالملائكة يجاهد نفسه على ما يحبونه ويبتعد عما يكرهونه. ومن أعظم آثار الإيمان بهم: استشعار المراقبة، فمن علم أن معه ملكين يكتبان كل كلمة وكل فعل، استحى أن يفعل ما لا يليق. وقد ذكر ابن القيم في الفوائد: «كم من نظرة حرّمت قلب صاحبها على نور الإيمان، لو علم صاحبها أن الملك حاضر معه ما نظرها».
الأدلة
«﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾»
وجوب موالاة الملائكة وعدم معاداتهم
«إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة»
ما يمنع دخول الملائكة
«من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»
كراهة الملائكة للروائح الكريهة
«من بات طاهراً بات في شعاره ملك، فلم يستيقظ ساعة من الليل إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك فلان فإنه بات طاهراً»
فضل النوم على طهارة