— the prophetic biography

السيرة النبوية

107 حدث من حياة النبي محمد ﷺ

الكل العهد المكي الهجرة العهد المدني
العهد المكي قبل البعثة 570 CE

عام الفيل

📍 مكة المكرمة

في العام الذي وُلد فيه النبي محمد ﷺ زحف أبرهة الحبشي حاكم اليمن بجيشٍ فيه الفيلة قاصدًا هدم الكعبة وصرف العرب عن حجها إلى كنيسته في صنعاء. فلما بلغ مشارف مكة بَرَك الفيل وامتنع عن دخول الحرم، وأرسل الله عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارةٍ من سجّيل فأهلكتهم، فصار العام يُؤرَّخ به ويُعرف بعام الفيل.

بنى أبرهة بن الصبّاح الأشرم، نائب النجاشي على اليمن، كنيسةً عظيمةً في صنعاء سمّاها «القُلَّيس» ليصرف إليها حجّ العرب. فلمّا أهانها بعضهم أقسم أن يهدم الكعبة، فجهّز جيشًا ضخمًا تتقدّمه الفيلة. ولمّا قارب مكة أرسل من نهب أطرافها فأُخذت مئتا بعير لعبد المطلب جدّ النبي ﷺ، فخرج إليه عبد المطلب يطلب إبله، فتعجّب أبرهة من اهتمامه بها دون الكعبة، فأجابه: «أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربًّا سيمنعه». وأمر قريشًا بالخروج إلى الجبال، فلمّا توجّه الجيش إلى مكة بَرَك الفيل «محمود» وامتنع عن التقدّم، فأرسل الله عليهم طيرًا أبابيل تحمل حجارةً من سجّيل فجعلتهم كعصفٍ مأكول، وأصيب أبرهة فمات منصرفًا. وذكر الله ذلك في سورة الفيل.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 41
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 43
العهد المكي قبل البعثة 570 CE

المولد الشريف

📍 مكة المكرمة

وُلد النبي محمد ﷺ بمكة في عام الفيل، يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وكان أبوه عبد الله قد توفي قبل مولده، فوُلد يتيمًا. وكفله جدّه عبد المطلب الذي فرح به فرحًا عظيمًا، وسمّاه «محمدًا»، وطاف به الكعبة شاكرًا لله.

وُلد النبي ﷺ في مكة سنة 570م تقريبًا، في عام الفيل، يوم الاثنين، والمشهور عند الجمهور أنه الثاني عشر من ربيع الأول. كان أبوه عبد الله بن عبد المطلب قد توفي وأمه آمنة بنت وهب حامل به، فوُلد يتيم الأب. ولمّا وُلد أرسلت أمه إلى جدّه عبد المطلب تبشّره، فجاء مسرورًا وأدخله الكعبة ودعا الله وشكره، وسمّاه «محمدًا» وهو اسمٌ لم يكن مألوفًا عند العرب آنذاك. وقد رافقت ولادته إرهاصاتٌ ذكرتها كتب السيرة. واختلف العلماء في تحديد يوم مولده وشهره، والمشهور الثاني عشر من ربيع الأول، وقيل التاسع.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 45
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 158
  • — البداية والنهاية لابن كثير، ج2
العهد المكي قبل البعثة 570 CE

رضاعة حليمة السعدية

📍 بادية بني سعد

جرت عادة العرب أن يسترضعوا أبناءهم في البادية، فأخذت حليمة السعدية النبيَّ ﷺ رضيعًا إلى ديار بني سعد. وقد رأت من البركة في عيشها وغنمها ما لم تعهده، فبقي عندها نحو أربع سنين تنعم بخيره ﷺ قبل أن تردّه إلى أمه.

كان من عادة أشراف العرب بمكة أن يدفعوا أبناءهم إلى مراضع البادية ليشبّوا أقوياء فصحاء بعيدًا عن أمراض الحاضرة. فقدمت نساءٌ من بني سعد بن بكر يلتمسن الرضعاء، فلم ترغب إحداهن أوّلًا في أخذ النبي ﷺ لأنه يتيم لا يُرجى من أهله عطاء. ولمّا لم تجد حليمة بنت أبي ذؤيب غيره أخذته، فرأت البركة تحلّ بها: درَّ ضرعُ شاتها، وامتلأ ثديها، وسمنت دابّتها بعد هزال. فبقي عندها في بني سعد نحو أربع سنين ينعم أهلها ببركته، حتى حدثت حادثة شقّ الصدر فردّته إلى أمه آمنة.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 46
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 162
العهد المكي قبل البعثة 574 CE

شق الصدر الأول

📍 بادية بني سعد

بينما كان النبي ﷺ صغيرًا في بني سعد، أتاه جبريل عليه السلام فشقّ صدره الشريف واستخرج منه علقةً وقال إنها حظّ الشيطان منه، ثم غسل قلبه وأعاده. ففزعت حليمة على ابنها وردّته إلى أمه خشيةً عليه.

روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام أتى النبيَّ ﷺ وهو يلعب مع الغلمان في بني سعد، فأخذه فصرعه وشقّ عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقةً وقال: «هذا حظّ الشيطان منك»، ثم غسله في طستٍ من ذهبٍ بماء زمزم، ثم لأمه وأعاده مكانه. وجاء الغلمان إلى أمه — يعني ظئره حليمة — يقولون: قد قُتل محمد، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. وقد خافت حليمة من تبعة ما حدث فردّته إلى أمه آمنة بمكة. وهذه أولى حوادث شقّ الصدر، وتكرر قبل الإسراء.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 47
  • — صحيح مسلم، كتاب الإيمان
العهد المكي قبل البعثة 576 CE

وفاة أمه آمنة بالأبواء

📍 الأبواء

لمّا بلغ النبي ﷺ نحو السادسة، خرجت به أمه آمنة إلى المدينة لتزور أخواله وقبر أبيه، فلمّا رجعت توفيت في الطريق بمكان يُقال له الأبواء بين مكة والمدينة، فعاد ﷺ يتيم الأب والأم.

خرجت آمنة بنت وهب بابنها محمد ﷺ — وهو ابن ست سنين تقريبًا — من مكة إلى يثرب (المدينة) لتزور أخواله من بني عدي بن النجار وتزور قبر زوجها عبد الله المدفون هناك، ومعهم الحاضنة أم أيمن. فأقامت بالمدينة شهرًا، ثم رجعت بها، فلمّا بلغت الأبواء — وهو موضعٌ بين مكة والمدينة — مرضت وتوفيت ودُفنت هناك. فصار النبي ﷺ يتيمًا فاقدًا للأبوين، وعادت به أم أيمن إلى مكة حيث كفله جدّه عبد المطلب.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 47
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 168
العهد المكي قبل البعثة 578 CE

وفاة جده عبد المطلب

📍 مكة المكرمة

بعد وفاة أمه كفل النبيَّ ﷺ جدّه عبد المطلب وأحاطه بعطفٍ ورعاية، وكان يؤثره على أبنائه. فلمّا بلغ النبي ﷺ نحو الثامنة توفي جدّه، فانتقلت كفالته إلى عمه أبي طالب بوصيةٍ من عبد المطلب.

تولّى عبد المطلب بن هاشم كفالة حفيده محمد ﷺ بعد وفاة أمه، وكان يحبّه حبًّا شديدًا ويقدّمه على أبنائه، حتى إنه كان يجلسه على فراشه عند الكعبة. فلمّا بلغ النبي ﷺ نحو الثامنة من عمره توفي عبد المطلب بمكة وهو ابن نحو ثمانين سنة أو أكثر. وقد أوصى قبل موته بكفالة محمد ﷺ إلى ابنه أبي طالب — شقيق عبد الله والد النبي لأبيه وأمه — فقام أبو طالب بكفالته خير قيام.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 48
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 168
العهد المكي قبل البعثة 578 CE

كفالة عمه أبي طالب

📍 مكة المكرمة

بعد وفاة عبد المطلب كفل النبيَّ ﷺ عمه أبو طالب، فأحسن كفالته وقدّمه على أولاده، وظلّ يحوطه بالرعاية والحماية حتى بعد البعثة، ووقف في وجه قريش يدفع عنه الأذى وإن لم يدخل في الإسلام.

قام أبو طالب بكفالة ابن أخيه محمد ﷺ بعد موت عبد المطلب، وكان يحبّه حبًّا عظيمًا لا يحبّه مثله أحدًا من ولده، فكان يقدّمه عليهم في الطعام والمنام والرعاية، ويلمس فيه بركةً ظاهرة. ورغم فقره وكثرة عياله بذل له ما يستطيع. وامتدّت رعايته للنبي ﷺ سنين طويلة، حتى بعد البعثة، إذ ظلّ يدافع عنه أمام قريش ويمنعهم من إيذائه، وتحمّل في سبيل ذلك مقاطعة بني هاشم في الشِّعب، وبقي على ذلك حتى وفاته في العام العاشر من البعثة، وإن لم يُعلن إسلامه.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 48
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 180
العهد المكي قبل البعثة 582 CE

سفره إلى الشام مع عمه ولقاء الراهب بحيرى

📍 بُصرى، الشام

لمّا بلغ النبي ﷺ نحو الثانية عشرة خرج مع عمه أبي طالب في رحلة تجارة إلى الشام، فمرّوا ببُصرى حيث كان الراهب بحيرى. فعرف بحيرى علامات النبوة في الغلام من صفته وما رآه من الغمامة تظلّله، وأوصى عمه أن يحفظه من اليهود.

خرج أبو طالب في ركبٍ تاجرًا إلى الشام، فتعلّق به النبي ﷺ وهو غلامٌ في نحو الثانية عشرة، فأخذه معه. فلمّا نزلوا بُصرى من أرض الشام، كان بها راهبٌ نصراني يُعرف ببحيرى في صومعته، وكان عالمًا بكتب النصارى. فرأى الركب وقد أظلّت الغمامة الغلام دون غيره، فدعاهم إلى طعامٍ صنعه، وتأمّل النبيَّ ﷺ، وسأله عن أحواله، ونظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه، فعرف فيه صفة النبي المنتظر الموافقة لما عنده. فأقبل على أبي طالب يوصيه بحفظه والرجوع به، محذّرًا من أن يراه اليهود فيؤذوه. فأسرع أبو طالب بردّه إلى مكة.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 49
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 180
العهد المكي قبل البعثة 585 CE

شهوده حرب الفجار

📍 عكاظ، نجد

حرب الفجار حربٌ وقعت بين قريش وكنانة من جهة وقيس عيلان من جهة أخرى، سُمّيت بذلك لانتهاك حرمة الأشهر الحرم فيها. وشهدها النبي ﷺ وهو شابّ مع أعمامه، وكان دوره أن يردّ على أعمامه نبل العدوّ دون أن يقاتل.

حرب الفجار قتالٌ نشب بين قبيلتي قريش وكنانة من جهة، وقبيلة قيس عيلان (هوازن) من جهة أخرى، وسُمّيت «الفجار» لأنها وقعت في الأشهر الحرم فاستُحلّت حرمتها. حضرها النبي ﷺ وهو في نحو الخامسة عشرة أو العشرين مع أعمامه. وكان دوره محدودًا، إذ كان يجمع نبال العدوّ التي تُرمى نحو أعمامه ويناولهم إياها، ولم يثبت أنه قتل أحدًا. وقد ذكر ﷺ بعد ذلك أنه شهدها، وكانت من الحروب التي عرّفته بسوء الجاهلية وانتهاك الحرمات.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 50
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 184
العهد المكي قبل البعثة 585 CE

حلف الفضول

📍 مكة المكرمة

حلف الفضول حلفٌ عقدته قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان بعد حرب الفجار، تعاهدوا فيه على نصرة المظلوم بمكة وردّ الحقوق إلى أهلها. شهده النبي ﷺ وأثنى عليه بعد الإسلام، وقال إنه لو دُعي إلى مثله لأجاب.

بعد حرب الفجار، وعقب واقعةٍ ظُلم فيها رجلٌ من زبيد قدم مكة فاغتُصب حقّه، اجتمعت بطونٌ من قريش — بنو هاشم والمطلب وأسد وزهرة وتيم — في دار عبد الله بن جدعان التيمي، وتعاقدوا وتحالفوا على أن ينصروا كلّ مظلومٍ بمكة حتى تُردّ إليه مظلمته، وألا يتركوا ظالمًا. وحضر النبي ﷺ هذا الحلف وهو شابّ، وكان من أشرف الأحلاف وأعدلها. وقد أثنى عليه ﷺ بعد البعثة فقال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحبّ أن لي به حُمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت».

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 50
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 133
  • — مسند أحمد
العهد المكي قبل البعثة 595 CE

سفره بتجارة خديجة إلى الشام

📍 الشام

كانت خديجة بنت خويلد امرأةً تاجرةً ذات شرفٍ ومال، تستأجر الرجال في تجارتها. فلمّا بلغها صدق النبي ﷺ وأمانته دفعت إليه مالها ليتّجر به إلى الشام، فربح ربحًا عظيمًا، ورأى غلامها ميسرة منه عجبًا، فرغّبت في الزواج منه.

كانت خديجة بنت خويلد سيدةً من سيدات قريش، ذات مالٍ وشرف، تستأجر الرجال ليتّجروا بمالها مضاربةً. فلمّا سمعت بما عُرف عن محمد ﷺ من الصدق والأمانة وكرم الأخلاق، عرضت عليه أن يخرج بمالها تاجرًا إلى الشام، وأعطته أفضل ما كانت تعطي غيره، وأرسلت معه غلامها ميسرة. فسافر النبي ﷺ وباع واشترى وربح ربحًا وفيرًا فاق ما كانت ترجو. ورأى ميسرة في سفره من بركته وأخلاقه ما حدّث به خديجة، ومن ذلك ما رواه من تظليل الملكين له. فوقع ذلك في نفس خديجة وكان سببًا في رغبتها في الزواج منه.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 51
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 187
العهد المكي قبل البعثة 595 CE

الزواج من خديجة

📍 مكة المكرمة

تزوّج النبي ﷺ من خديجة بنت خويلد وهو في نحو الخامسة والعشرين وهي في نحو الأربعين، فكانت أول زوجاته وخير سندٍ له. ولم يتزوّج عليها حتى ماتت، وآزرته عند نزول الوحي، ووُلد له منها أكثر أولاده.

بعد أن رأت خديجة بنت خويلد من أمانة النبي ﷺ وحسن أخلاقه ما رأت، رغبت في الزواج منه، فعرضت عليه ذلك عن طريق صديقتها نفيسة بنت منية، فقبل النبي ﷺ وكلّم أعمامه. فخطبها إليه عمه أبو طالب، وتزوّجها وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة، وكانت هي في نحو الأربعين، ثيّبًا قد تزوّجت قبله. وكانت خديجة رضي الله عنها خير زوجة، عاقلةً شريفةً، آزرت النبي ﷺ وثبّتته يوم نزول الوحي بحراء. ولم يتزوّج عليها ما دامت حيّة وفاءً لها. ووُلد له منها جميع أولاده إلا إبراهيم: القاسم وعبد الله والبنات الأربع زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 52
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 189
العهد المكي قبل البعثة 605 CE

إعادة بناء الكعبة وقصة الحكم في الحجر الأسود

📍 مكة المكرمة

لمّا بلغ النبي ﷺ نحو الخامسة والثلاثين، أعادت قريش بناء الكعبة بعد أن أوهنها السيل، فتنازعوا فيمن يضع الحجر الأسود في موضعه حتى كادوا يقتتلون. فاتفقوا على تحكيم أول داخل، فكان النبيَّ ﷺ، فحكم بأن يضعوه في ثوبٍ ويرفعوه جميعًا، فرضوا بحكمه.

تصدّعت الكعبة بفعل السيول والحريق، فأجمعت قريش على هدمها وإعادة بنائها من مالٍ طيّب، فاقتسمت القبائل العمل. فلمّا بلغ البناء موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يكون له شرف وضعه في مكانه، واشتدّ النزاع حتى أعدّ بعضهم للقتال وتحالفوا. ثم اتفقوا على أن يحكّموا أول من يدخل عليهم من باب المسجد، فكان الداخل محمدًا ﷺ، فلمّا رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا به. فلمّا أخبروه أمر بثوبٍ، فوضع الحجر في وسطه، وأمر سادة القبائل أن يأخذ كلٌّ بطرفٍ منه فيرفعوه جميعًا، حتى إذا بلغوا موضعه أخذه ﷺ بيده فوضعه في مكانه. فحقن بذلك الدماء وأرضى الجميع، وظهرت حكمته ومكانته قبل البعثة.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 54
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 192
العهد المكي قبل البعثة 609 CE

التحنث في غار حراء

📍 غار حراء، جبل النور

قبيل البعثة حُبّب إلى النبي ﷺ الخلاء والعزلة، فكان يخلو بغار حراء في جبل النور الليالي ذوات العدد يتعبّد ويتفكّر، ويتزوّد لذلك. وكان ذلك تمهيدًا لنزول الوحي عليه، حتى جاءه الحقّ وهو في الغار.

لمّا قاربت سنّ النبي ﷺ الأربعين، حُبّب إليه الخلاء والانفراد بنفسه بعيدًا عن أهل مكة وما هم فيه من عبادة الأوثان وفساد الحياة. فكان يخرج إلى غار حراء في جبل النور القريب من مكة، فيخلو فيه الليالي ذوات العدد — وكانت تبلغ شهرًا أحيانًا — يتعبّد ويتحنّث، أي يتعبّد على ملّة إبراهيم بما يُلهَم من ذكرٍ وتفكّر. وكان يتزوّد لخلوته الطعام، فإذا نفد رجع إلى خديجة فتزوّده مثلها. واستمرّ على ذلك حتى فاجأه الوحي في الغار في شهر رمضان وهو ابن أربعين سنة، فكان التحنّث تهيئةً وتمهيدًا للنبوة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي
العهد المكي مكة المبكرة 610 CE

نزول الوحي

📍 غار حراء، جبل النور

بينما كان النبي ﷺ متعبّدًا في غار حراء في رمضان وهو ابن أربعين سنة، جاءه جبريل عليه السلام فقال له: «اقرأ»، فردّ ﷺ: «ما أنا بقارئ»، فغطّه ثلاثًا ثم تلا عليه أول ما نزل من القرآن: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. فرجع ﷺ يرجف فؤاده إلى خديجة، فثبّتته، وأخذته إلى ورقة بن نوفل فبشّره بأنه نبيّ هذه الأمة.

لمّا تمّ للنبي ﷺ أربعون سنة، وهو معتكفٌ يتحنّث في غار حراء في شهر رمضان، فاجأه الحقّ، فجاءه المَلَك جبريل عليه السلام فقال: «اقرأ»، قال ﷺ: «ما أنا بقارئ». فأخذه فغطّه — أي ضمّه وعصره — حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله، وكرّر ذلك ثلاثًا، ثم قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علّم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم﴾. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة فقال: «زمّلوني زمّلوني»، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرَّوع، وأخبرها الخبر وقال: «لقد خشيت على نفسي». فقالت خديجة كلمتها المشهورة في تثبيته: «كلّا والله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان امرأً تنصّر وقرأ الكتب، فأخبره النبي ﷺ بما رأى، فقال ورقة: «هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى»، وتمنّى أن يكون حيًّا حين يخرجه قومه. وبهذا بدأت النبوة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 57
  • — صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 235
العهد المكي مكة المبكرة 610 CE

فترة الوحي

📍 مكة المكرمة

بعد نزول الوحي الأول احتبس الوحي مدةً، فحزن النبي ﷺ حزنًا شديدًا واشتاق إلى عودة جبريل. ثم رآه جبريل بين السماء والأرض، ونزلت سورة المدثر تأمره بالقيام للدعوة: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾، فتتابع الوحي بعد ذلك.

بعد أول لقاءٍ بجبريل في حراء، فتر الوحي وانقطع مدةً اختُلف في تقديرها، فأصاب النبيَّ ﷺ من ذلك حزنٌ وشوقٌ إلى تجدّد العهد بالوحي. ثم بينما هو يمشي سمع صوتًا من السماء، فرفع رأسه فإذا المَلَك الذي جاءه بحراء جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فرجع ﷺ مذعورًا وقال: «دثّروني دثّروني»، فأنزل الله: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبّر * وثيابك فطهّر * والرجز فاهجر﴾. فكان هذا إيذانًا ببدء مرحلة الإنذار والدعوة، وتتابع الوحي بعدها ولم ينقطع. وهذه «فترة الوحي» التي طمأن الله بعدها نبيّه ﷺ بقوله في سورة الضحى: ﴿ما ودّعك ربك وما قلى﴾.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 60
  • — صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي
العهد المكي مكة المبكرة 610 CE

السابقون الأولون إلى الإسلام

📍 مكة المكرمة

كان أول من آمن بالنبي ﷺ زوجه خديجة بنت خويلد من النساء، ومن الرجال أبو بكر الصديق، ومن الصبيان علي بن أبي طالب، ومن الموالي زيد بن حارثة. فكان هؤلاء السابقين الأولين إلى الإسلام الذين آمنوا في مطلع الدعوة.

لمّا بدأ النبي ﷺ يدعو إلى الإسلام، كان أسبق الناس إليه أهل بيته وأقرب أصحابه. فأول من آمن به على الإطلاق زوجه أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فصدّقته وثبّتته. وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فلم يتردّد حين عرض عليه النبي ﷺ الإسلام. وأول من أسلم من الصبيان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان غلامًا في كفالة النبي ﷺ. وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة رضي الله عنه، وكان مولى النبي ﷺ ومتبنّاه قبل تحريم التبنّي. وهؤلاء هم الطليعة الأولى من السابقين، آمنوا في أول الدعوة قبل أن يفشو أمرها.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 62
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 245
العهد المكي مكة المبكرة 610 CE

إسلام أبي بكر ومن أسلم على يديه

📍 مكة المكرمة

أسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول الدعوة، وكان رجلًا محبوبًا في قومه ذا مكانة، فلم يكتم إسلامه بل دعا إلى الله، فأسلم على يديه نفرٌ من خيار الصحابة، منهم عثمان بن عفان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله.

كان أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه رجلًا مألوفًا محبّبًا في قريش، سهلًا كريمًا، عالمًا بأنسابهم وأخبارهم، تاجرًا ذا خلقٍ ومال. فلمّا عرض عليه النبي ﷺ الإسلام أسلم من غير تردّد، فكان خير سندٍ للدعوة. ولم يقتصر على إيمانه، بل أخذ يدعو من يثق به ويأنس منه رشدًا، فأسلم على يديه جماعةٌ من السابقين الذين صاروا من العشرة المبشّرين بالجنة، منهم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم. فكان أبو بكر مفتاح خيرٍ لكثيرٍ من الناس في مطلع الإسلام، وبذل ماله وجاهه في نصرة الدعوة وعتق المستضعفين من المسلمين.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 62
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 250
العهد المكي مكة المبكرة 610-613 CE

الدعوة السرية

📍 مكة المكرمة

دعا النبي ﷺ إلى الإسلام في مطلع أمره سرًّا نحو ثلاث سنين، يعرضه على من يثق به من أهله وأصحابه، حذرًا من بطش قريش. فدخل في الإسلام في هذه المرحلة نفرٌ من السابقين كانوا نواة الجماعة المسلمة الأولى قبل الجهر بالدعوة.

حين بُعث النبي ﷺ كانت قريش على شركٍ متأصّل وعصبيةٍ شديدة، فاقتضت الحكمة أن تكون الدعوة في أولها سرًّا، تجنّبًا لمفاجأة قريش بما يثير عداءها قبل أن يقوى عود المسلمين. فكان النبي ﷺ يدعو من يرجو فيه خيرًا من أهله وأقاربه وخلصائه فردًا فردًا، ويعرض عليه الإسلام في كتمان. واستمرّت هذه المرحلة نحو ثلاث سنين، أسلم خلالها نفرٌ من السابقين الأولين رجالًا ونساءً، وكانوا يستخفون بعبادتهم ويصلّون في شعاب مكة بعيدًا عن أعين قريش. وقد بلغ عدد من أسلم في هذه الفترة بضعةً وثلاثين أو أكثر، فكوّنوا نواة المجتمع المسلم الأول، حتى أُمر النبي ﷺ بالجهر بالدعوة.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 63
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 262
العهد المكي مكة المبكرة 614 CE

دار الأرقم بن أبي الأرقم

📍 دار الأرقم، الصفا، مكة المكرمة

اتّخذ النبي ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي عند الصفا مقرًّا يجتمع فيه بالمسلمين سرًّا، يعلّمهم القرآن وأمور دينهم، بعيدًا عن أذى قريش. وفيها أسلم كثيرٌ من السابقين، فكانت أول مدرسةٍ في الإسلام.

في مرحلة الدعوة السرية، اتّخذ النبي ﷺ من دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي — وكانت في أصل جبل الصفا قريبًا من المسجد الحرام — مركزًا يلتقي فيه بأصحابه، يقرئهم القرآن، ويفقّههم في الدين، ويربّيهم على الإيمان، في خفاءٍ عن قريش. وكان موقعها ومكانة صاحبها يجعلانها أنسب مكانٍ للاجتماع دون أن تثير الريبة، إذ كان الأرقم فتى حدثًا لا يُظنّ به الميل إلى محمد ﷺ. وفي هذه الدار أسلم خلقٌ كثير من السابقين، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المشهور. فكانت دار الأرقم بمثابة أول دارٍ للدعوة ومدرسةٍ تربّى فيها الجيل الأول من المسلمين.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 63
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 264
العهد المكي مكة الوسطى 613 CE

آية «وأنذر عشيرتك الأقربين» ودعوة الصفا

📍 جبل الصفا، مكة المكرمة

لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، صعد النبي ﷺ جبل الصفا فنادى بطون قريش، وسألهم: لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقيّ؟ قالوا: نعم، فأنذرهم عذاب الله، فردّ عليه عمّه أبو لهب بالكلمة المشهورة.

حين أُمر النبي ﷺ بإنذار أقربيه بقوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، صعد على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي» لبطون قريش، حتى اجتمعوا إليه. فقال لهم: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدّقيّ؟»، قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلا صدقًا. قال: «فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد». فقال أبو لهب: «تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟»، فأنزل الله سورة المسد: ﴿تبّت يدا أبي لهب وتب﴾. وقد جمعهم النبي ﷺ كذلك بطونًا بطونًا يدعوهم إلى التوحيد ويحذّرهم من الشرك، فكانت دعوة الصفا أول إعلانٍ عامّ للدعوة بعد سنوات السرية.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 65
  • — صحيح البخاري، كتاب التفسير
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 280
العهد المكي مكة الوسطى 613 CE

الجهر بالدعوة

📍 مكة المكرمة

بعد ثلاث سنين من الدعوة السرية، أمر الله نبيَّه ﷺ بالصدع بالدعوة والجهر بها بقوله: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾. فجهر النبي ﷺ بالتوحيد، وعاب آلهة قريش، ودعا الناس علانيةً إلى عبادة الله وحده.

لمّا مضت سنوات الدعوة السرية وتكوّنت نواةٌ صلبةٌ من المؤمنين، نزل أمر الله بالجهر بالدعوة في قوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾، وقوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. فبدأ النبي ﷺ يدعو إلى الإسلام علانيةً في نوادي قريش ومجامعها، يتلو القرآن، ويدعو إلى توحيد الله ونبذ عبادة الأصنام، ويبيّن بطلان ما كان عليه الآباء. وكان يعرض نفسه على القبائل، ويصدع بالحق غير هيّابٍ ولا وَجِل. وعند هذا الجهر تغيّر موقف قريش، وانتقلوا من التغافل إلى المواجهة والعداء، لمّا مسّت الدعوة آلهتهم وموروثهم.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 64
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 280
العهد المكي مكة الوسطى 613 CE

موقف قريش وسخريتها

📍 مكة المكرمة

لمّا جهر النبي ﷺ بالدعوة وعاب آلهة قريش، قابلوه بالاستهزاء والتكذيب، فرموه بالسحر والجنون والكهانة والشعر، وآذوه بالقول، وأغروا به سفهاءهم، وحاولوا صرف الناس عنه بشتى الوسائل.

حين أعلن النبي ﷺ دعوته وسفّه أحلام قريش وعاب آلهتهم، اشتدّ نكيرهم وانتقلوا إلى محاربته. فسلكوا في ذلك وسائل شتى: الاستهزاء والسخرية والتكذيب، فوصفوه بالساحر والكاهن والمجنون والشاعر، كما حكى القرآن عنهم. وأثاروا الشبهات حول القرآن، وعارضوه بأساطير الأولين، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم يؤذونه في الطريق. ومشى أشرافهم إلى أبي طالب يطلبون منه أن يكفّ ابن أخيه، فأبى النبي ﷺ قائلًا كلمته: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه». فلمّا عجزوا عن السخرية انتقلوا إلى الإيذاء والتعذيب.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 70
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 282
العهد المكي مكة الوسطى 614 CE

تعذيب الضعفاء من الصحابة

📍 مكة المكرمة

لمّا عجزت قريش عن النيل من النبي ﷺ لحماية بني هاشم له، انصبّ بطشها على المستضعفين من المسلمين، لا سيّما الموالي والعبيد ومن لا عشيرة لهم تحميه، فعذّبوهم بأنواع العذاب ليردّوهم عن دينهم.

حين رأت قريش انتشار الإسلام وعجزها عن النيل من النبي ﷺ بسبب منعة بني هاشم وأبي طالب، أخذ كلّ بطنٍ من بطون قريش يعذّب من أسلم من قومه ومواليه. فوقع أشدّ العذاب على المستضعفين الذين لا عشائر لهم تذود عنهم، من العبيد والموالي وضعفاء الناس. فكانوا يُعذّبون بالضرب والتجويع والتعطيش، ويُلقَون على الرمضاء في حرّ الهجير، ويُلبَسون أدراع الحديد في الشمس، ويُكوون بالنار، ليُفتنوا عن دينهم. فصبر كثيرٌ منهم صبرًا عظيمًا وثبتوا على الإيمان، وكان النبي ﷺ يمرّ بهم فيثبّتهم ويبشّرهم بالجنة، كما قال لآل ياسر: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة».

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 72
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 317
العهد المكي مكة الوسطى 614 CE

قصة بلال وسمية وياسر وعمار

📍 مكة المكرمة

من أشهر من عُذّب في الله بلال بن رباح الذي كان يُلقى على الرمضاء ويوضع على صدره الحجر وهو يقول: «أحدٌ أحد»، حتى اشتراه أبو بكر فأعتقه. وآل ياسر — ياسر وزوجه سمية وابنه عمار — عُذّبوا أشدّ العذاب، فكانت سميّة أول شهيدةٍ في الإسلام.

كان بلال بن رباح الحبشي مولى لأمية بن خلف، فلمّا أسلم أخرجه سيّده إلى رمضاء مكة في شدة الحرّ، وألقاه على ظهره ووضع على صدره الصخرة العظيمة، وقال له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، فيأبى ويقول: «أحدٌ أحد». فمرّ به أبو بكر الصديق فاشتراه وأعتقه في الله. وأما آل ياسر فكانوا حلفاء بني مخزوم: ياسر بن عامر، وزوجه سمية بنت خياط، وابنهما عمار. عُذّبوا في بطحاء مكة في حرّ الرمضاء ليرجعوا عن دينهم، وكان النبي ﷺ يمرّ بهم فيقول: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». فأما سميّة فطعنها أبو جهل بحربةٍ فقتلها، فكانت أول شهيدةٍ في الإسلام. ومات ياسر تحت العذاب، وبقي عمار رضي الله عنه، فأُكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، فنزل فيه قوله تعالى: ﴿إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 72
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 317
العهد المكي مكة الوسطى 615 CE

الهجرة الأولى إلى الحبشة

📍 الحبشة (مملكة أكسوم)

لمّا اشتدّ أذى قريش على المسلمين، أذن لهم النبي ﷺ بالهجرة إلى الحبشة، إذ بها ملكٌ عادلٌ لا يُظلم عنده أحد. فخرج في رجب من السنة الخامسة للبعثة نحو خمسة عشر من المسلمين — أحد عشر رجلًا وأربع نسوة — على رأسهم عثمان بن مظعون، وكانت أول هجرةٍ في الإسلام.

حين عظم بلاء المسلمين بمكة واشتدّ تعذيب قريش لهم، قال لهم النبي ﷺ: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه». فخرج في رجب من السنة الخامسة من البعثة (نحو 615م) فوجٌ من المسلمين، عدّتهم نحو أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، فيهم عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت النبي ﷺ، وعليهم عثمان بن مظعون. خرجوا مستخفين إلى ساحل البحر عند الشُّعيبة، فركبوا سفينتين إلى الحبشة، فأمنوا على دينهم وعبدوا الله في أمان. وقد تتبّعتهم قريش إلى الساحل فلم تدركهم. وهذه أول هجرةٍ في الإسلام فرارًا بالدين.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 76
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 321
العهد المكي مكة الوسطى 615 CE

وفد قريش إلى النجاشي

📍 الحبشة (مملكة أكسوم)

لمّا علمت قريش بأمان المسلمين عند النجاشي، أرسلت وفدًا فيه عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بالهدايا إلى النجاشي وبطارقته، يطلبون ردّ المهاجرين، زاعمين أنهم سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك.

لمّا رأت قريش أن المسلمين قد أمنوا واستقرّوا في الحبشة، شقّ عليها ذلك، فأجمعت أن تبعث إلى النجاشي من يردّهم إليها. فاختارت رجلين جلدين هما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وحمّلتهما الهدايا النفيسة إلى النجاشي وإلى بطارقته (حاشيته من القساوسة) ليكسبوا ودّهم. فقدّموا الهدايا للبطارقة أولًا واستمالوهم، ثم قدّموا للنجاشي هداياه، وقالوا له: إنه قد ضوى إلى بلدك غلمانٌ سفهاءُ فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدينٍ مبتدع، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم لتردّهم. وأيّد البطارقة كلامهم. لكن النجاشي أبى أن يسلّمهم حتى يسمع منهم.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 76
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 334
  • — مسند أحمد
العهد المكي مكة الوسطى 615 CE

موقف النجاشي وحكمه

📍 الحبشة (مملكة أكسوم)

دعا النجاشي المسلمين فتكلّم باسمهم جعفر بن أبي طالب، فبيّن حالهم في الجاهلية وما جاءهم به النبي ﷺ، وتلا عليه صدرًا من سورة مريم، فبكى النجاشي وأساقفته، وردّ هدايا قريش، وأبى أن يسلّم المسلمين، فأمنوا في جواره.

أرسل النجاشي إلى المسلمين فدعاهم، وسألهم عن دينهم، فتقدّم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فتكلّم باسمهم فقال كلمته البليغة: «أيها الملك، كنّا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد من دونه...». ثم سأله النجاشي أن يقرأ عليه مما جاء به نبيّهم، فقرأ جعفر صدرًا من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته. فقال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاةٍ واحدة. ثم ردّ على عمرو بن العاص ورفيقه هداياهما، وأبى أن يسلّم المسلمين، وأمّنهم في أرضه، فأقاموا عنده بخير دار. وأسلم النجاشي بعد ذلك، وصلّى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب حين مات.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 77
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 334
العهد المكي مكة الوسطى 615 CE

إسلام حمزة بن عبد المطلب

📍 مكة المكرمة

أسلم حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي ﷺ غضبًا حين بلغه أن أبا جهل شتم النبيَّ ﷺ وآذاه، فضربه حمزة بقوسه وأعلن إسلامه، فكان إسلامه عزًّا للمسلمين، إذ كان من أشراف قريش وأشدّائها.

كان حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي ﷺ وأخاه من الرضاعة، من أعزّ فتيان قريش وأشدّهم، وكان صاحب صيدٍ ورمي. وفي يومٍ مرّ أبو جهل بالنبي ﷺ عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه، والنبي ﷺ ساكت، فرأت ذلك مولاةٌ لعبد الله بن جدعان. فلمّا أقبل حمزة من قنصه متوشّحًا قوسه، أخبرته المولاة بما لقي ابن أخيه من أبي جهل، فاحتمله الغضب، فأقبل حتى وقف على أبي جهل في نادي قريش فرفع قوسه فضربه بها ضربةً شجّته، وقال: «أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول؟ فردّ ذلك عليّ إن استطعت». فأراد رجالٌ من بني مخزوم نصرة أبي جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبًّا قبيحًا. فثبت حمزة على إسلامه، وكان إسلامه في نحو السنة السادسة، فعزّ به المسلمون، وكفّت قريش عن بعض ما كانت تنال من النبي ﷺ.

المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 291
العهد المكي مكة الوسطى 616 CE

إسلام عمر بن الخطاب

📍 مكة المكرمة

أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة السادسة للبعثة بعد أن خرج متقلّدًا سيفه يريد قتل النبي ﷺ، فوُجّه إلى بيت أخته فسمع القرآن، فلانَ قلبه، فجاء النبيَّ ﷺ فأسلم، فاستجاب الله دعوة نبيّه، وكان إسلامه فتحًا وعزًّا للإسلام.

كان النبي ﷺ قد دعا الله أن يعزّ الإسلام بأحبّ الرجلين إليه: أبي جهل أو عمر بن الخطاب. وكان عمر من أشدّ الناس على المسلمين، فخرج يومًا متقلّدًا سيفه يريد قتل النبي ﷺ، فلقيه نُعيم بن عبد الله فأخبره أن أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما، فرجع إلى أختها مغضبًا، فسمعها تقرأ صدرًا من سورة طه، فضربها وزوجها، ثم ندم لمّا رأى الدم، وطلب الصحيفة فقرأها، فلمّا قرأ ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ رقّ قلبه وقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه. فدُلّ على النبي ﷺ في دار الأرقم، فأتاه فأعلن إسلامه. فكبّر أهل الدار تكبيرةً سُمعت في المسجد الحرام. وكان إسلام عمر عزًّا للمسلمين، إذ جهروا بالصلاة عند الكعبة بعد أن كانوا مستخفين، وقال ابن مسعود: «ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر».

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 74
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 342
العهد المكي مكة الوسطى 616 CE

الهجرة الثانية إلى الحبشة

📍 الحبشة (مملكة أكسوم)

بعد عودة بعض مهاجري الحبشة الأولى ثم اشتداد أذى قريش من جديد، هاجر المسلمون إلى الحبشة هجرةً ثانية أكبر من الأولى، بلغوا نحو ثلاثٍ وثمانين رجلًا وعددًا من النساء، على رأسهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

كان بعض مهاجري الحبشة الأولى قد رجعوا إلى مكة لمّا بلغهم أن قريشًا أسلمت، فلمّا قدموها وجدوا الخبر غير صحيح، وأن أذى قريش قد اشتدّ من جديد. فأذن النبي ﷺ للمسلمين بالهجرة الثانية إلى الحبشة، فخرج فيها عددٌ أكبر من الأولى، بلغ نحو ثلاثة وثمانين رجلًا — على خلافٍ في العدد — ومعهم نحو ثمانٍ عشرة أو تسعَ عشرة امرأة، وكان أميرهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه. فأقاموا في الحبشة في جوار النجاشي وأمانه سنين، ولم يرجع أكثرهم إلا بعد فتح خيبر في المدينة. وهذه الهجرة الثانية كانت أوسع وأبقى من الأولى.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 78
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 322
العهد المكي مكة المتأخرة 616 CE

عروض قريش على أبي طالب

📍 مكة المكرمة

لمّا عجزت قريش عن ثني النبي ﷺ عن دعوته، مشت إلى عمّه أبي طالب مرارًا تطلب منه أن يكفّه أو يسلّمه إليهم، حتى عرضوا أن يبدلوه بأشدّ فتيانهم. فأبى أبو طالب خذلانه، وثبت النبي ﷺ على دعوته بكلمته المشهورة في الشمس والقمر.

حين رأت قريش إصرار النبي ﷺ على دعوته وانتشار الإسلام، فزعت إلى أبي طالب أكثر من مرة. جاؤوه أولًا يطلبون أن يكفّ ابن أخيه عن عيب آلهتهم، فلاطفهم أبو طالب ولم يسلّم النبيَّ ﷺ. ثم عادوا إليه ثانيةً يهدّدونه بالقتال إن لم يكفّه، فاشتدّ الأمر على أبي طالب، فأرسل إلى النبي ﷺ يقول له: «يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني... فأبقِ عليّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق». فظنّ النبي ﷺ أن عمّه خاذله، فقال كلمته الخالدة: «يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». ثم استعبر وقام، فناداه أبو طالب: «اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيءٍ أبدًا». وفي محاولةٍ أخرى عرضوا على أبي طالب أن يأخذ عُمارة بن الوليد — أشبّ فتى في قريش — ويسلّم إليهم محمدًا ليقتلوه، فأبى ذلك أشدّ الإباء.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 82
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 265
العهد المكي مكة المتأخرة 617 CE

الصحيفة وحصار شعب أبي طالب

📍 شعب أبي طالب، مكة المكرمة

لمّا أعيت قريشًا الحيل، تعاقدت على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب مقاطعةً شاملة: لا يبايعونهم ولا يناكحونهم ولا يكلّمونهم حتى يسلّموا النبيَّ ﷺ للقتل. وكتبوا بذلك صحيفةً علّقوها في الكعبة، فانحاز بنو هاشم إلى شعب أبي طالب، فحوصروا نحو ثلاث سنين.

لمّا يئست قريش من إيقاف الدعوة بالعروض والتهديد، اجتمع ملؤها وأبرموا ميثاقًا ظالمًا على بني هاشم وبني المطلب: ألا يناكحوهم ولا يزوّجوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم، ولا يجالسوهم ولا يكلّموهم، حتى يُسلموا إليهم رسول الله ﷺ ليقتلوه. وكتبوا بذلك صحيفةً، قيل كتبها منصور بن عكرمة، ودعوا عليها وعلّقوها في جوف الكعبة توكيدًا لها. فاضطرّ بنو هاشم وبنو المطلب — مسلمهم وكافرهم عصبيةً — إلى الانحياز إلى شعب أبي طالب، إلا أبا لهب فإنه ظاهر قريشًا عليهم. فحُصروا في الشعب نحو ثلاث سنين، ذاقوا فيها شدةً عظيمة من الجوع، حتى أكلوا أوراق الشجر والجلود، وسُمع بكاء الصبيان من الجوع، ولم يكن يصل إليهم شيءٌ إلا سرًّا من بعض من رقّ لهم. وكان النبي ﷺ يخرج في الموسم يدعو الناس وقريش تحذّرهم منه.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 83
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 350
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

نقض الصحيفة

📍 مكة المكرمة

بعد نحو ثلاث سنين من الحصار، قام نفرٌ من قريش رحموا بني هاشم ونقموا ظلم الصحيفة، فسعوا في نقضها. وأخبر النبي ﷺ عمَّه أن الله أرسل الأرضة على الصحيفة فأكلتها إلا اسم الله، فلمّا فُتحت وُجدت كما قال، فنُقضت المقاطعة.

طال أمد الحصار حتى بلغ بني هاشم الجهد، فتحرّكت النخوة في رجالٍ من قريش لم يرضوا بهذا الظلم، على رأسهم هشام بن عمرو الذي كان يُدخل الطعام إلى الشعب ليلًا سرًّا. فاجتمع هو وزهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأبو البختري وزمعة بن الأسود، وتعاهدوا على نقض الصحيفة، فقام زهير في الكعبة ينكر القطيعة علانية، وأيّده أصحابه. وفي تلك الأثناء كان الله قد أطلع نبيَّه ﷺ على أمر الصحيفة، فأخبر أبا طالب أن الله سلّط الأرضة (دودة الخشب) على صحيفتهم فأكلت كلّ ما فيها من قطيعةٍ وظلم، ولم تُبقِ إلا اسم الله. فخرج أبو طالب إلى قريش وأخبرهم بذلك وقال: إن كان كما قال ابن أخي فأنهوا قطيعتنا، وإن كان كاذبًا دفعته إليكم. فلمّا أنزلوا الصحيفة وفتحوها وجدوها كما قال النبي ﷺ، قد أكلتها الأرضة إلا لفظ الجلالة. فازداد المؤمنون يقينًا، وانتقض الحصار، وخرج بنو هاشم من الشعب.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 84
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 375
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

وفاة أبي طالب

📍 مكة المكرمة

بعد نقض الصحيفة بقليل توفي أبو طالب عمّ النبي ﷺ وحاميه، وكان النبي ﷺ يحبّه ويرجو إسلامه، فعرض عليه كلمة التوحيد عند موته، لكنه مات على ملّة قومه. فكان موته ثلمةً عظيمة، إذ جرّأ قريشًا على النبي ﷺ.

بعد خروج بني هاشم من الشعب بأشهرٍ قليلة، اشتدّ المرض بأبي طالب وحضرته الوفاة، وكان عمر النبي ﷺ نحو الخمسين، وذلك في السنة العاشرة من البعثة. فدخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال له: «يا عمّ، قل لا إله إلا الله، كلمةً أحاجّ لك بها عند الله»، فجعل أبو جهل وصاحبه يقولان له: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزالا به حتى كان آخر ما قال: هو على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال النبي ﷺ: «لأستغفرنّ لك ما لم أُنه عنك»، فأنزل الله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾، وأنزل: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾. وكان موت أبي طالب مصيبةً على الدعوة، إذ فقد النبي ﷺ حاميه الذي كان يذود عنه قريشًا، فاجترأت عليه بعد موته بما لم تكن تجترئ في حياته.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 85
  • — صحيح البخاري، كتاب الجنائز
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 416
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

وفاة خديجة وعام الحزن

📍 مكة المكرمة

بعد وفاة أبي طالب بأيامٍ يسيرة توفّيت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، أول من آمن بالنبي ﷺ وأعظم من آزره. فاجتمع على النبي ﷺ فقد ناصره وفقد زوجه في عامٍ واحد، فسُمّي «عام الحزن».

لم تمضِ على وفاة أبي طالب إلا أيامٌ قلائل — قيل نحو شهرٍ أو خمسةٍ وثلاثين يومًا — حتى توفّيت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وكانت في نحو الخامسة والستين من عمرها. وكانت خديجة أول من آمن بالنبي ﷺ وصدّقه، وآزرته بمالها ونفسها، وثبّتته يوم نزول الوحي، وواسته في أحلك الأوقات، وولدت له أكثر ولده، ولم يتزوّج عليها ما دامت حيّة. فكان فقدها مصيبةً عظيمة على النبي ﷺ، إذ فقد السكن والمؤازرة في البيت كما فقد الحماية في الخارج بموت أبي طالب. فاجتمع عليه الحزنان في عامٍ واحد، فعُرف ذلك العام بـ«عام الحزن». وقد عوّض الله نبيَّه ﷺ خيرًا، إذ بشّره جبريل لخديجة ببيتٍ في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب، وظلّ النبي ﷺ يذكرها بالخير ويثني عليها بعد موتها.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 86
  • — صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 415
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

رحلة الطائف

📍 الطائف

بعد عام الحزن واشتداد أذى قريش، خرج النبي ﷺ إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويدعوهم إلى الإسلام. فردّوه أقبح ردّ، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم يرمونه بالحجارة حتى أدميت قدماه الشريفتان.

لمّا اشتدّ البلاء بالنبي ﷺ بعد موت أبي طالب وخديجة، واجترأت عليه قريش، خرج إلى الطائف — وحده على المشهور أو ومعه زيد بن حارثة — يرجو أن يقبل أهلها دعوته أو ينصروه. فعمد إلى سادة ثقيف من بني عمرو بن عمير، وهم ثلاثة إخوة، فعرض عليهم الإسلام واستنصرهم، فردّوا عليه ردًّا قبيحًا وآذوه بالقول، وقال أحدهم: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ وأبوا أن يجيبوه، وخشوا أن يفسد عليهم سفهاؤهم، فأغروا به غلمانهم وسفهاءهم يسبّونه ويرمونه بالحجارة، حتى اصطفّوا له صفّين في طريقه، فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه وقدميه الشريفتين، وزيدٌ يقيه بنفسه. فخرج النبي ﷺ مثقلًا بالهمّ والحزن، حتى أوى إلى ظلّ حائطٍ (بستان) لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فجلس فيه يستريح.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 87
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 419
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

دعاء الطائف وملك الجبال

📍 قرن الثعالب (وادي قرب الطائف)

بعد أن آذاه أهل الطائف، رفع النبي ﷺ دعاءه المشهور يشكو إلى الله ضعف قوته وهوانه على الناس، مفوّضًا أمره إليه راضيًا. فأرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال يعرض أن يطبق عليهم الجبلين، فأبى النبي ﷺ ورجا أن يخرج من أصلابهم من يوحّد الله.

لمّا انصرف النبي ﷺ من الطائف مثقلًا بالحزن، وجلس في ظلّ البستان، رفع يديه إلى ربّه بدعائه المشهور الذي يفيض تذلّلًا وتفويضًا: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهّمني، أم إلى عدوٍّ ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي... لا حول ولا قوة إلا بك». ثم بعث الله إليه جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال، فسلّم عليه ملك الجبال وقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربّك إليك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين — أي الجبلين المحيطين بمكة — فعلت. فقال النبي ﷺ بعظيم رحمته: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا». ثم اتجه عائدًا نحو مكة، فأسلم في طريقه عدّاس النصراني غلام عتبة وشيبة لمّا رأى من حاله.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 88
  • — صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق
  • — صحيح مسلم
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

دخول مكة في جوار المطعم بن عدي

📍 مكة المكرمة

لمّا قفل النبي ﷺ راجعًا من الطائف، لم يستطع دخول مكة إلا بجوار، فبعث إلى المطعم بن عدي يستجيره، فأجاره ودخل به مكة وقام بنو المطعم بالسلاح حول الكعبة حتى طاف النبي ﷺ وصلّى وعاد إلى بيته آمنًا.

حين رجع النبي ﷺ من الطائف وبلغ قريبًا من مكة، خشي أن تمنعه قريش من دخولها بعد أن علمت بخروجه يستنصر ثقيف، فلم يكن له أن يدخل إلا في جوار أحد أشرافها على عادة العرب. فأرسل رجلًا إلى المطعم بن عدي — وكان من أشراف قريش وممن سعى في نقض الصحيفة — يستجيره، فأجابه المطعم، ولبس سلاحه وخرج هو وبنوه وقومه متقلّدين السلاح حتى وقفوا عند الكعبة، وأعلن المطعم في قريش أنه قد أجار محمدًا. فدخل النبي ﷺ مكة في جواره، فطاف بالبيت وصلّى، ثم انصرف إلى منزله آمنًا. ولم ينسَ النبي ﷺ هذا الجميل، فذكر المطعم بخيرٍ بعد بدر فقال في أسرى قريش: «لو كان المطعم بن عدي حيًّا ثم كلّمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له».

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 89
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 381
العهد المكي مكة المتأخرة 620 CE

عرض النبي نفسه على القبائل

📍 منى وعكاظ، مكة المكرمة

بعد رجوعه من الطائف، أخذ النبي ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج والأسواق، يدعوها إلى الإسلام ويطلب منها أن تؤويه وتنصره ليبلّغ رسالة ربّه. فردّته القبائل واحدةً بعد أخرى، حتى هيّأ الله له نفرًا من الأنصار.

اتّخذ النبي ﷺ من مواسم الحج والأسواق — كعكاظ ومجنّة وذي المجاز ومنى — ميدانًا لعرض دعوته، فكان يأتي القبائل في منازلها أيام الموسم، يدعوها إلى عبادة الله وحده ونبذ الأوثان، ويعرض عليها أن تمنعه وتؤويه حتى يبلّغ كلمة ربّه، وأبو لهب يتبعه يكذّبه ويحذّر الناس منه. فعرض نفسه على قبائل كثيرة، منها بنو كلب وبنو حنيفة وبنو عامر بن صعصعة وكندة وغيرها، فردّوه ولم يستجب له منهم أحد، وبعضهم ردّ ردًّا قبيحًا، وبعضهم اشترط الملك بعده فأبى النبي ﷺ أن يجعل الأمر لغير الله. فصبر النبي ﷺ على ذلك سنين، حتى كان موسم الحج الذي لقي فيه نفرًا من الخزرج من أهل يثرب، فكانوا مفتاح الفرج وبداية نصرة الأنصار.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 90
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 422
العهد المكي مكة المتأخرة 621 CE

الإسراء والمعراج

📍 المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم السماوات العُلى

أسرى الله بنبيّه ﷺ ليلًا من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس على البُراق، فصلّى بالأنبياء إمامًا، ثم عُرج به إلى السماوات السبع حتى بلغ سدرة المنتهى، وكلّمه ربّه وفرض عليه الصلوات، ثم رجع إلى مكة في ليلته.

بعد عام الحزن وما لقيه النبي ﷺ من الشدائد، أكرمه الله بمعجزة الإسراء والمعراج تثبيتًا له. فأُسري به ليلًا من المسجد الحرام — وكان نائمًا في بيت أم هانئ أو في الحِجر — على دابةٍ تُسمى البُراق، يقوده جبريل عليه السلام، إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس، فنزل فصلّى بالأنبياء إمامًا. ثم عُرج به من بيت المقدس إلى السماء الدنيا، فاستُفتح له، فلقي في كل سماءٍ نبيًّا: آدم في الأولى، وعيسى ويحيى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة عند البيت المعمور. ثم رُفع إلى سدرة المنتهى، وفُرضت عليه الصلوات، ورأى من آيات ربّه الكبرى. ثم رجع في ليلته إلى مكة. فلمّا أخبر قريشًا كذّبه أكثرهم واستبعدوا الأمر، وارتدّ بعض ضعاف الإيمان، وثبت أبو بكر فصدّقه فسُمّي الصدّيق، وسألوا النبيَّ ﷺ عن وصف بيت المقدس فوصفه لهم وهو ينظر إليه.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 93
  • — صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 396
العهد المكي مكة المتأخرة 621 CE

فرض الصلوات الخمس

📍 سدرة المنتهى

في ليلة المعراج فرض الله على النبي ﷺ خمسين صلاة في اليوم والليلة، فلم يزل يراجع ربّه بمشورة موسى عليه السلام يسأله التخفيف، حتى صارت خمسًا في الفعل خمسين في الأجر. فكانت الصلوات الخمس فريضةً فُرضت في السماء تكريمًا.

تميّزت فريضة الصلاة عن سائر الفرائض بأنها فُرضت في السماء ليلة المعراج مباشرةً من الله لنبيّه ﷺ من غير واسطة. فلمّا بلغ النبي ﷺ سدرة المنتهى، فرض الله عليه خمسين صلاة في كل يومٍ وليلة. فلمّا رجع مرّ على موسى عليه السلام، فسأله: بماذا أُمرت؟ فقال: بخمسين صلاة. فقال موسى: إن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد جرّبت الناس قبلك، فارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف. فلم يزل النبي ﷺ يتردّد بين ربّه وموسى، يسأل التخفيف ويُحطّ عنه في كل مرة خمس، حتى صارت خمس صلوات. فقال الله: «هي خمسٌ وهي خمسون، لا يُبدّل القول لديّ»، أي خمسٌ في العمل وخمسون في الأجر والثواب. فاستحيا النبي ﷺ أن يعود لطلب التخفيف. فكانت الصلوات الخمس أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وعماد الدين.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 94
  • — صحيح البخاري، كتاب الصلاة
  • — صحيح مسلم، كتاب الإيمان
العهد المكي مكة المتأخرة 620 CE

إسلام النفر الستة من يثرب

📍 العقبة، منى

في موسم الحج لقي النبي ﷺ عند العقبة ستة نفرٍ من الخزرج من أهل يثرب، فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه، وكانوا قد سمعوا من يهود يثرب بقرب خروج نبيّ، فأسلموا ورجعوا إلى قومهم يدعونهم، فكانوا أول الأنصار.

ظلّ النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، حتى كان موسم الحج في السنة الحادية عشرة من البعثة، فلقي عند العقبة بمنى ستة نفرٍ من الخزرج من أهل يثرب، فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكان هؤلاء قد سمعوا من جيرانهم يهود يثرب أن نبيًّا يُبعث في هذا الزمان سيتّبعونه فيقتلونهم به، فلمّا دعاهم النبي ﷺ قال بعضهم لبعض: تعلموا والله إنه للنبي الذي توعّدكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه. فأجابوه وصدّقوه وأسلموا، وقالوا: إنّا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشرّ ما بينهم — يعنون حروب الأوس والخزرج — فعسى أن يجمعهم الله بك. ثم انصرفوا إلى يثرب يدعون قومهم إلى الإسلام، فلم تبقَ دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ لرسول الله ﷺ. فكان هؤلاء الستة طليعة الأنصار وبذرة الإسلام في المدينة.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 96
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 428
العهد المكي مكة المتأخرة 621 CE

بيعة العقبة الأولى

📍 العقبة، منى

في موسم الحج التالي قدم اثنا عشر رجلًا من الأوس والخزرج، فبايعوا النبيَّ ﷺ عند العقبة على ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يعصوه في معروف. وهي «بيعة النساء» لأنها كانت قبل فرض القتال.

لمّا عاد النفر الذين أسلموا إلى يثرب وفشا فيهم الإسلام، قدم في موسم الحج من العام التالي (السنة الثانية عشرة من البعثة) اثنا عشر رجلًا — عشرة من الخزرج واثنان من الأوس — فلقوا النبيَّ ﷺ عند العقبة بمنى، فبايعوه على بنود سُمّيت فيما بعد «بيعة النساء» لموافقتها ما بُويعت عليه النساء يوم الفتح، إذ لم يكن فيها ذكر القتال. بايعوه على: ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتانٍ يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه في معروف. وقال لهم النبي ﷺ: «فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفّارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له». فلمّا انصرفوا بعث معهم النبي ﷺ مصعب بن عمير يعلّمهم.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 97
  • — صحيح البخاري، كتاب الإيمان
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 433
العهد المكي مكة المتأخرة 621 CE

إرسال مصعب بن عمير إلى المدينة

📍 يثرب (المدينة)

أرسل النبي ﷺ مع وفد العقبة الأولى مصعب بن عمير ليُقرئ أهل يثرب القرآن ويعلّمهم الإسلام ويصلّي بهم، فكان أول سفير في الإسلام. فأبلى في الدعوة بلاءً حسنًا، فأسلم على يديه خلقٌ كثير، منهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير.

لمّا انصرف أهل بيعة العقبة الأولى إلى يثرب، طلبوا من النبي ﷺ أن يبعث معهم من يعلّمهم أمور دينهم ويقرئهم القرآن، فاختار لهم مصعب بن عمير رضي الله عنه — وكان من فتيان قريش المترفين الذين تركوا النعيم في سبيل الإسلام — فكان أول من هاجر للدعوة وأول سفيرٍ في الإسلام. نزل مصعب على أسعد بن زرارة، وأخذ يدعو الناس ويقرئهم ويصلّي بهم، حتى لُقّب «المقرئ». وكان من أعظم ما حقّقه إسلام سيّدي الأوس: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فلمّا أسلما أسلم معهما عامة بني عبد الأشهل في يومٍ واحد. فانتشر الإسلام في دور الأنصار حتى لم تبقَ دارٌ إلا وفيها رجالٌ ونساءٌ مسلمون. ثم رجع مصعب إلى مكة قبل الموسم يبشّر النبيَّ ﷺ بما فتح الله على يديه.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 98
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 434
العهد المكي مكة المتأخرة 622 CE

بيعة العقبة الثانية

📍 العقبة، منى

في موسم الحج من السنة الثالثة عشرة قدم نحو ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين من الأنصار، فبايعوا النبيَّ ﷺ سرًّا ليلًا عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، فكانت بيعة حربٍ ونصرة، واختار منهم اثني عشر نقيبًا.

في موسم الحج من السنة الثالثة عشرة للبعثة، خرج من يثرب نحو خمسمائة حاجّ فيهم ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان من المسلمين، مع حجّاج قومهم المشركين. فواعدهم النبي ﷺ العقبة في أوسط أيام التشريق، وأن يأتوه سرًّا بعد أن ينام الناس. فاجتمعوا في الشِّعب ليلًا خفيةً، وحضر معهم العباس عمّ النبي ﷺ — وكان على دين قومه — ليتوثّق لابن أخيه. فتكلّم العباس أولًا محذّرًا لهم من عاقبة هذه البيعة، ثم تكلّم النبي ﷺ وتلا القرآن ودعا إلى الله، ثم بايعهم البراء بن معرور وغيره على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقولوا في الله لا يخافون لومة لائم، وأن ينصروه ويمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، ولهم الجنة. فبايعوه على ذلك، فكانت «بيعة الحرب». واختار النبي ﷺ منهم اثني عشر نقيبًا — تسعةً من الخزرج وثلاثة من الأوس — ليكونوا كفلاء على قومهم. وعلمت قريش بالبيعة بعد ذلك فحاولت تتبّعهم فلم تدرك إلا سعد بن عبادة فآذته ثم خلّته.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 438
العهد المكي مكة المتأخرة 622 CE

مؤامرة دار الندوة

📍 دار الندوة، مكة المكرمة

لمّا علمت قريش بهجرة المسلمين إلى يثرب وخشيت اجتماع أمر النبي ﷺ هناك، اجتمع ملؤها في دار الندوة يأتمرون به، فاتفقوا — برأي أبي جهل — على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى ليضربوه ضربة رجلٍ واحد، فيتفرّق دمه في القبائل، فأطلع الله نبيَّه على مكرهم.

لمّا تتابع المسلمون في الهجرة إلى يثرب، وأدركت قريش أن النبي ﷺ قد صار له منعةٌ ودارٌ خارج مكة، خافت أن يجتمع أمره ويقوى فيغزوها. فاجتمع أشرافها في دار الندوة — وهي دار قصيّ التي كانوا يتشاورون فيها — في يومٍ سمّوه «يوم الزحمة»، وحضرهم إبليس في صورة شيخٍ نجدي. فتشاوروا في أمر النبي ﷺ: فقائلٌ يقول نحبسه في الحديد، وقائلٌ يقول نخرجه وننفيه، فردّ الشيخ النجدي كلّ رأيٍ مبيّنًا خطره. حتى قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلةٍ فتى شابًّا جلدًا، ونعطي كل فتى سيفًا، فيضربوه ضربة رجلٍ واحد فيقتلوه، فيتفرّق دمه في القبائل، فلا يقدر بنو هاشم على حرب قريش جميعًا، فيرضون بالدية. فاستحسن الشيخ النجدي هذا الرأي، وأجمعوا عليه. فأطلع الله نبيَّه ﷺ على مكرهم، وأذن له بالهجرة، وأنزل: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 100
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 480
الهجرة الهجرة 622 CE

الهجرة وغار ثور

📍 غار ثور، مكة المكرمة

في ليلة المؤامرة خرج النبي ﷺ من بيته وقريش محيطة به، فذرّ التراب على رؤوسهم ونام عليّ في فراشه. ثم انطلق ﷺ مع أبي بكر فاختفيا في غار ثور ثلاث ليالٍ، فبلغ المشركون باب الغار، فطمأن النبي ﷺ صاحبه: «لا تحزن إن الله معنا».

لمّا أجمعت قريش على قتل النبي ﷺ وتحلّقوا حول بيته ينتظرون خروجه، أمر الله نبيَّه بالهجرة. فأمر عليَّ بن أبي طالب أن ينام في فراشه ويتسجّى ببُرده ليوهم القوم أنه نائم، ويردّ الودائع التي كانت عند النبي ﷺ. ثم خرج النبي ﷺ عليهم وهو يتلو: ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدًّا﴾، فأخذ حفنةً من التراب فجعل يذرّها على رؤوسهم والله يأخذ أبصارهم عنه، فلم يروه. ثم انطلق إلى أبي بكر الصديق — وكان قد جهّز راحلتين وأعدّ للهجرة — فخرجا معًا ليلًا، وعمدا إلى غار ثور في جبلٍ جنوبي مكة في عكس طريق المدينة تمويهًا، فمكثا فيه ثلاث ليالٍ. وبعثت قريش في آثارهما القافة، حتى وقفوا على باب الغار، فقال أبو بكر: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، فقال النبي ﷺ مطمئنًا: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا». وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بالأخبار، وعامر بن فهيرة بالغنم، وأسماء بالطعام، ونسجت العنكبوت على باب الغار وعشّش الحمام، فصرف الله عنهما الأعين.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 102
  • — صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 482
الهجرة الهجرة 622 CE

قصة سراقة بن مالك

📍 الطريق بين مكة والمدينة

لمّا خرج النبي ﷺ وأبو بكر من الغار قاصدَين المدينة، طمع سراقة بن مالك في الجائزة التي جعلتها قريش لمن يردّهما، فتبعهما على فرسه، فلمّا قرب منهما ساخت قوائم فرسه في الأرض، فعلم أنهما مُنعا منه، فاستأمن وطلب أن يكتب له النبي ﷺ كتاب أمان.

كانت قريش قد جعلت لمن يردّ النبيَّ ﷺ أو أبا بكر مئة ناقة، فطمع في ذلك سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي حين أُخبر بمسيرهما. فركب فرسه وتبع أثرهما، فلمّا دنا منهما حتى سمع قراءة النبي ﷺ وهو لا يلتفت، عثرت فرسه فسقط عنها، ثم ركب وعاد فلمّا قرب ساخت يدا فرسه في الأرض حتى بلغتا الركبتين، وخرج من الأرض دخانٌ كالعجاج. فعلم سراقة أنه قد مُنع منهما وأن أمر النبي ﷺ سيظهر، فنادى بالأمان، وعرض عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئًا، وسألهما أن يكتبا له كتاب أمان، فأمر النبي ﷺ عامر بن فهيرة فكتب له في رقعةٍ أو عظم. وقال له النبي ﷺ كلمته العجيبة: «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟»، فكان ذلك إذ فُتحت فارس في خلافة عمر. ورجع سراقة يردّ الناس عن الطريق، وكتم أمرهما، وأسلم بعد ذلك.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 105
  • — صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار
العهد المدني المدينة المبكرة 622 CE

النزول بقباء وبناء مسجد قباء

📍 قباء، المدينة المنورة

قدم النبي ﷺ على المدينة فنزل أولًا بقباء على بني عمرو بن عوف، وكان أهل المدينة قد خرجوا كل يومٍ ينتظرون قدومه. فأقام بقباء أيامًا أسّس فيها مسجد قباء، وهو أول مسجدٍ بُني في الإسلام على التقوى.

لمّا بلغ الأنصار خروج النبي ﷺ من مكة، كانوا يخرجون كل يومٍ بعد صلاة الصبح إلى ظاهر المدينة (الحرّة) ينتظرون قدومه، حتى تشتدّ الشمس فيرجعون. فلمّا قدم ﷺ نزل بقباء — في عوالي المدينة — على بني عمرو بن عوف، وقيل في بيت كلثوم بن الهدم، وكان ذلك يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول. فرآه يهوديٌّ من فوق أُطُمٍ فنادى بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدّكم الذي تنتظرون. فخرج الناس واستبشروا. وأقام النبي ﷺ بقباء بضعة أيام (أربعة أو أكثر)، أسّس خلالها مسجد قباء، فكان أول مسجدٍ أُسّس في الإسلام، وهو المسجد الذي قال الله فيه: ﴿لمسجدٌ أُسّس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾. ولحق به عليّ بن أبي طالب بعد أن أدّى الودائع وردّها إلى أهلها.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 106
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 492
العهد المدني المدينة المبكرة 622 CE

دخول المدينة

📍 المدينة المنورة

بعد إقامته بقباء، ركب النبي ﷺ ناقته فدخل المدينة، فخرج الأنصار يستقبلونه فرحين، وكلٌّ يدعوه أن ينزل عنده. فقال: «دعوها فإنها مأمورة»، فبركت ناقته في موضع مسجده، فنزل على أبي أيوب الأنصاري، وبهذا بدأ عهد المدينة.

لمّا أقام النبي ﷺ بقباء أيامًا وأسّس مسجدها، ركب راحلته يوم الجمعة متوجّهًا إلى المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ، فصلّى الجمعة، فكانت أول جمعةٍ صلّاها في الإسلام بالمدينة وخطب فيها. ثم سار فدخل المدينة، فكان يومًا مشهودًا، خرج إليه الأنصار رجالًا ونساءً وصبيانًا، وعلت أصوات الجواري والغلمان فرحًا، يقولون: طلع البدر علينا. وجعل كل بطنٍ من الأنصار يعرض على النبي ﷺ النزول عندهم ويأخذون بزمام ناقته، فيقول لهم: «دعوها فإنها مأمورة»، حتى بركت الناقة في موضع مسجده اليوم، في مِربدٍ لغلامين يتيمين. فنزل النبي ﷺ على أبي أيوب الأنصاري خالد بن زيد، وكان بيته أقرب البيوت، فأقام عنده حتى بُني المسجد ومساكنه. وبدخوله المدينة بدأ التاريخ الهجري، وتحوّل اسمها من يثرب إلى «المدينة» و«طيبة»، وانفتح عهدٌ جديد للإسلام والمسلمين.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 107
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 494
العهد المدني المدينة المبكرة 622 CE

بناء المسجد النبوي

📍 المسجد النبوي، المدينة المنورة

أول ما بدأ به النبي ﷺ بعد دخوله المدينة بناء المسجد في الموضع الذي بركت فيه ناقته، فاشترى الأرض من الغلامين اليتيمين، وعمل فيه بيده مع أصحابه، فبنوه من اللبن والجريد، وجعل سواريه من جذوع النخل. فكان مركز الدولة الجديدة.

كان المسجد النبوي أول مؤسسةٍ أقامها النبي ﷺ في المدينة، إيذانًا بأن الدين والدولة يقومان على العبادة وذكر الله. فلمّا بركت ناقته في مِربدٍ (موضع تجفيف التمر) لغلامين يتيمين من بني النجار هما سهل وسهيل، اشترى منهما الأرض، وأبى أن يقبلها هبةً. ثم شرع في بنائه، فكان ﷺ يعمل بيده الشريفة وينقل اللبن مع أصحابه، وهم يرتجزون: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة». بُني المسجد من اللبن، وجُعل سقفه من جريد النخل، وعُمده من جذوعه، وأرضه من الرمل والحصباء، وجُعلت له ثلاثة أبواب. وبُنيت بجانبه حجرات لأزواج النبي ﷺ، وألحق به موضعٌ مظلّل (الصُّفّة) يأوي إليه فقراء المهاجرين. فكان المسجد مكان الصلاة، ومجلس العلم والقضاء، ودار الشورى، ومنطلق الجيوش، وقلب الدولة الإسلامية الناشئة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 109
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 496
العهد المدني المدينة المبكرة 622 CE

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

📍 المدينة المنورة

آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فجعل كل مهاجرٍ أخًا لأنصاري يواسيه ويناصره، حتى كانوا يتوارثون بهذه الأخوة في أول الأمر. فآثر الأنصار إخوانهم على أنفسهم إيثارًا عجيبًا، فكانت المؤاخاة من أعظم أسس بناء المجتمع.

لمّا قدم المهاجرون المدينة تاركين أموالهم وديارهم بمكة، غرباء لا مال لهم ولا مأوى، آخى النبي ﷺ بينهم وبين الأنصار في دار أنس بن مالك، فجعل كل مهاجرٍ أخًا لرجلٍ من الأنصار، أخوّةً حقيقيةً تقوم على المواساة والنصرة، حتى كانوا يتوارثون بها دون ذوي الأرحام في أول الإسلام قبل أن يُنسخ ذلك بآية المواريث. فبلغ من إيثار الأنصار أن عرض الواحد منهم على أخيه المهاجر أن يقاسمه ماله وداره، بل عرض سعد بن الربيع على عبد الرحمن بن عوف أن ينزل له عن إحدى زوجتيه، فأبى عبد الرحمن وقال: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دلّني على السوق». فكانت المؤاخاة حلًّا لمشكلة المهاجرين الاقتصادية والاجتماعية، وأذابت العصبيات القبلية، ووحّدت صفّ المسلمين على الإيمان، وضربت أروع الأمثلة في الأخوّة والإيثار، كما قال الله في الأنصار: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 110
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 504
العهد المدني المدينة المبكرة 622 CE

وثيقة المدينة

📍 المدينة المنورة

كتب النبي ﷺ وثيقةً نظّمت العلاقات في المدينة بين المهاجرين والأنصار ومن معهم، وحدّدت حقوق المسلمين وواجباتهم، وجعلتهم أمةً واحدة. فكانت أول دستورٍ مكتوب لدولةٍ في الإسلام ينظّم شؤون المجتمع الجديد.

بعد أن أرسى النبي ﷺ بناء المسجد والمؤاخاة، عمد إلى تنظيم العلاقات داخل المدينة في وثيقةٍ مكتوبة تُعدّ أول دستورٍ مدوّن في الإسلام. نظّمت هذه الوثيقة العلاقة بين المهاجرين والأنصار ومن تبعهم ولحق بهم، فجعلتهم «أمةً واحدة من دون الناس»، وقرّرت مبدأ التكافل بينهم، وحدّدت أحكام الدماء والديات والفداء، ونصّت على أن المؤمنين يدٌ على من سواهم، وأن سلمهم واحدٌ لا يُسالم مؤمنٌ دون مؤمن، وأن مردّ ما اختُلف فيه إلى الله ورسوله ﷺ. وبهذه الوثيقة تحوّلت المدينة من قبائل متناحرة إلى مجتمعٍ تحكمه شريعةٌ واحدة ومرجعيةٌ واحدة، وأرست أصول الدولة الإسلامية الأولى من حيث الوحدة والمرجعية والتكافل والدفاع المشترك.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 111
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 501
العهد المدني المدينة المبكرة 622 CE

معاهدة اليهود

📍 المدينة المنورة

عاهد النبي ﷺ يهود المدينة — وفيهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة — وضمّن ذلك وثيقة المدينة، على أن لهم دينهم وللمسلمين دينهم، وأن يتناصروا على من حارب المدينة، وألا يعين بعضهم على بعض. فأقرّهم على دينهم وأموالهم ما داموا على العهد.

كان في المدينة وما حولها قبائل من اليهود، أشهرها بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، فأراد النبي ﷺ أن يقيم معهم علاقةً سلميةً تكفل الأمن والاستقرار للدولة الناشئة. فعاهدهم وكتب بينه وبينهم كتابًا — جُعل ضمن بنود وثيقة المدينة — نصّ على أصولٍ عادلة: أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأن عليهم النفقة وعلى المسلمين النفقة، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة دون الإثم، وأن يردّوا ما اختلفوا فيه إلى الله ورسوله، وألا يُعين أحدٌ منهم عدوًّا على المدينة. فأقرّهم النبي ﷺ على ديارهم وأموالهم ما وفوا بالعهد. لكن طوائف منهم نقضت العهد فيما بعد، فكان لكل ناقضٍ حكمه في حينه.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 112
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 501
العهد المدني المدينة المبكرة 623 CE

الإذن بالقتال

📍 المدينة المنورة

بعد سنواتٍ من الصبر على أذى قريش بمكة دون قتال، أذن الله للمسلمين بالقتال بعد الهجرة دفعًا للظلم ونصرةً للمظلومين، فنزل قوله تعالى: ﴿أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا﴾، فكان أول إذنٍ بالجهاد بعد تمكّن المسلمين في المدينة.

ظلّ المسلمون في مكة ثلاثة عشر عامًا مأمورين بكفّ اليد والصبر على الأذى، لا يؤذن لهم في قتال، حِكمةً من الله في مرحلة التأسيس. فلمّا هاجروا إلى المدينة وأقاموا دولتهم، وصار لهم منعةٌ وأرضٌ يحمونها، وكانت قريش لا تزال متربّصةً بهم تتوعّدهم، أنزل الله أول آيةٍ في الإذن بالقتال، وهي قوله تعالى: ﴿أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ إلا أن يقولوا ربنا الله﴾. فكان هذا الإذن إيذانًا بمرحلةٍ جديدة، يُدفع فيها العدوان ويُحمى فيها الدين والدولة والمستضعفون. ثم نزل الأمر بالقتال صريحًا بعد ذلك في آياتٍ أخرى، مقيّدًا بالعدل والدفع وعدم الاعتداء.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 145
  • — تفسير ابن كثير، سورة الحج
العهد المدني المدينة المبكرة 624 CE

تحويل القبلة

📍 المدينة المنورة

كان المسلمون يصلّون نحو بيت المقدس نحو ستة عشر شهرًا، وكان النبي ﷺ يحبّ أن يُوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله أمر تحويل القبلة في شعبان من السنة الثانية: ﴿فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾، فتحوّل المسلمون في صلاتهم إلى الكعبة.

لمّا قدم النبي ﷺ المدينة، كان يصلّي نحو بيت المقدس (المسجد الأقصى) بأمر الله، فمكث على ذلك نحو ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يهود المدينة يحتجّون بذلك. وكان النبي ﷺ يحبّ أن تُحوّل قبلته إلى الكعبة قبلة أبيه إبراهيم، فكان يقلّب وجهه في السماء يرجو ذلك. فأنزل الله في شعبان من السنة الثانية للهجرة قوله: ﴿قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّينّك قبلةً ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره﴾. فتحوّل المسلمون إلى الكعبة، حتى إن أهل مسجد قباء بلغهم الخبر وهم في صلاة الصبح فاستداروا في صلاتهم من بيت المقدس إلى الكعبة، فسُمّي «مسجد القبلتين». وكان تحويل القبلة أول نسخٍ في التشريع، وامتحانًا للإيمان، وتمييزًا للأمة المسلمة، وإرغامًا لمن في قلبه مرض.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب الصلاة
  • — سيرة ابن هشام
العهد المدني المدينة المبكرة 624 CE

فرض صيام رمضان

📍 المدينة المنورة

فُرض صيام شهر رمضان على المسلمين في شعبان من السنة الثانية للهجرة، بنزول قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام﴾. فصام النبي ﷺ والمسلمون رمضان من تلك السنة، وكان قبله صيام عاشوراء.

كان النبي ﷺ حين قدم المدينة يصوم يوم عاشوراء وأيامًا من كل شهر، فلمّا كان شعبان من السنة الثانية للهجرة، فرض الله صيام شهر رمضان فريضةً على كل مسلمٍ بالغٍ قادر، بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، وقوله: ﴿شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن... فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. فصام النبي ﷺ والمسلمون رمضان لأول مرةٍ فرضًا في تلك السنة. وكان صيام عاشوراء قبل ذلك واجبًا أو مؤكّدًا، فلمّا فُرض رمضان صار عاشوراء تطوّعًا، من شاء صامه ومن شاء تركه. وشُرع مع صيام رمضان قيامه وزكاة الفطر في آخره. فكان الصوم ركنًا من أركان الإسلام، وتزكيةً للنفوس وتقوى لله.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب الصوم
  • — تفسير ابن كثير
العهد المدني المدينة المبكرة 624 CE

فرض الزكاة

📍 المدينة المنورة

فُرضت الزكاة فريضةً محدّدة المقادير والأنصبة في السنة الثانية للهجرة، فكانت ركنًا من أركان الإسلام وحقًّا للفقراء في أموال الأغنياء. وقد ورد أصل الأمر بالإنفاق في مكة، ثم حُدّدت أنصبتها ومصارفها بالمدينة.

كان الأمر بالصدقة والإنفاق قد ورد في القرآن المكي مطلقًا، يحثّ على البذل وإطعام المسكين. فلمّا استقرّ المسلمون في المدينة وقامت دولتهم، فُرضت الزكاة فريضةً مقدّرةً بأنصبتها ومقاديرها ومصارفها في السنة الثانية للهجرة — على المشهور — مقترنةً غالبًا بزكاة الفطر في رمضان. فصارت ركنًا من أركان الإسلام الخمسة، وحقًّا معلومًا للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، كما بيّن الله مصارفها في آية: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين...﴾. وقد جعل الله الزكاة تطهيرًا للمال وتزكيةً للنفس من الشحّ، وتكافلًا بين أفراد المجتمع، فقرنها بالصلاة في مواضع كثيرة من القرآن، وقاتل أبو بكر مانعيها بعد ذلك لمّا فرّقوا بينها وبين الصلاة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب الزكاة
  • — تفسير ابن كثير
العهد المدني المدينة المبكرة 623-624 CE

السرايا والغزوات الأولى

📍 أطراف المدينة وطريق قريش التجاري

بعد الإذن بالقتال، بدأ النبي ﷺ يبعث السرايا ويقود الغزوات في أطراف المدينة وعلى طريق قريش التجاري إلى الشام، لتأمين المدينة وإظهار قوة المسلمين وملاحقة عدوان قريش، تمهيدًا لما كان من غزوة بدر الكبرى.

بعد أن أُذن للمسلمين بالقتال، شرع النبي ﷺ في سلسلةٍ من السرايا (وهي البعوث التي لا يخرج فيها بنفسه) والغزوات (وهي ما خرج فيها بنفسه)، استهدفت تأمين المدينة، ومراقبة تحرّكات قريش، واعتراض طريق تجارتها إلى الشام التي تمرّ قريبًا من المدينة، وعقد التحالفات مع القبائل المحيطة. فمن السرايا الأولى: سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر، وسرية عبيدة بن الحارث إلى رابغ، وسرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرّار. ومن الغزوات الأولى التي خرج فيها النبي ﷺ بنفسه: غزوة الأبواء (ودّان)، وغزوة بُواط، وغزوة العشيرة (ذي العشيرة)، وغزوة بدر الأولى (سفوان) في طلب كرز بن جابر. ثم كانت سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، وفيها أصابوا عمرو بن الحضرمي وأخذوا عيرًا لقريش في آخر رجب، فكان فيها أول قتيلٍ وأول غنيمةٍ وأول أسرى، وأثارت جدلًا حول القتال في الشهر الحرام، فنزل فيها قرآن. وكانت هذه السرايا والغزوات تمهيدًا ومقدّمةً لغزوة بدر الكبرى في رمضان من السنة الثانية.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 146
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 591
العهد المدني المدينة الوسطى 624 CE

غزوة بدر الكبرى

📍 بدر

أول معركة فاصلة بين المسلمين وقريش، خرج النبي ﷺ في نحو ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا يعترض عير قريش، فخرجت قريش في نحو ألفٍ تحمي تجارتها، فالتقى الجمعان ببدر في السابع عشر من رمضان، فنصر الله المسلمين نصرًا مؤزّرًا وقُتل صناديد قريش.

خرج النبي ﷺ في رمضان من السنة الثانية في نحو ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلًا، معهم فرسان وسبعون بعيرًا يعتقبونها، يريدون عير قريش العظيمة المقبلة من الشام بقيادة أبي سفيان. فلمّا علم أبو سفيان بخروجهم نجا بالعير وأرسل إلى مكة يستنفرها، فخرجت قريش في نحو ألف مقاتل بكامل عُدّتها وخيلها بطرًا ورئاءً. فالتقى الجمعان عند ماء بدر في السابع عشر من رمضان. وكان النبي ﷺ قد استشار أصحابه فأجمع المهاجرون والأنصار على القتال، وقال سعد بن معاذ كلمته، وقال المقداد: لا نقول كما قال قوم موسى. فنزل المسلمون على الماء، وبنوا عريشًا للنبي ﷺ، فبات يدعو ربّه ويبتهل: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض». فأمدّه الله بالملائكة، وبدأت المعركة بالمبارزة، فبرز حمزة وعليّ وعبيدة فقتلوا أقرانهم، ثم حمي الوطيس، فأنزل الله نصره، فقُتل من قريش سبعون فيهم أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة وشيبة، وأُسر سبعون، واستُشهد من المسلمين أربعة عشر. وسمّى الله ذلك اليوم «يوم الفرقان»، ونزلت فيه سورة الأنفال.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 150
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 606
العهد المدني المدينة الوسطى 624 CE

زواج علي بفاطمة

📍 المدينة المنورة

زوّج النبي ﷺ ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها من ابن عمه علي بن أبي طالب بعد غزوة بدر في السنة الثانية، فكان زواجًا مباركًا ميسّرًا، ومنهما جاء الحسن والحسين سبطا النبي ﷺ.

بعد غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة، خطب عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فاطمة الزهراء بنت النبي ﷺ، وكان عليّ فقير المال، فباع درعه ليجهّز المهر، فزوّجه النبي ﷺ إياها. وكان زواجًا ميسّرًا متواضعًا، جهازها فيه فراشٌ من أدمٍ حشوه ليف، ووسادة، وقربة، ورحى. وبارك النبي ﷺ في زواجهما ودعا لهما. وكانت فاطمة أحبّ بناته إليه وأشبههنّ به، وكانت سيدة نساء أهل الجنة. وعاش عليّ وفاطمة في كنف النبوة، فولدت له الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، فكان من نسلهما ذرية النبي ﷺ. ولم يتزوّج عليّ عليها في حياتها.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — سيرة ابن هشام
  • — سير أعلام النبلاء
العهد المدني المدينة الوسطى 624 CE

إجلاء بني قينقاع

📍 المدينة المنورة

كان بنو قينقاع أول يهود المدينة نقضًا للعهد، فأظهروا البغي والاستفزاز بعد بدر، وآذوا امرأةً مسلمة في سوقهم، فحاصرهم النبي ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فأجلاهم عن المدينة إلى الشام.

كان بنو قينقاع من يهود المدينة، وكانوا صاغةً وتجارًا أهل بأسٍ، لهم سوقٌ مشهور. فلمّا انتصر المسلمون في بدر، حملهم الحسد والبغي على إظهار العداوة ونقض العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ، فجعلوا يستفزّون المسلمين ويتحرّشون بهم. وكان مما عجّل بأمرهم أن امرأةً مسلمة جاءت سوقهم فآذوها وكشفوا عورتها، فقتل مسلمٌ من فعل ذلك، فاجتمعوا عليه فقتلوه، فوقعت الفتنة. فسار إليهم النبي ﷺ فحاصرهم في حصونهم خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكمه، فأراد بعض المنافقين (عبد الله بن أبيّ) الشفاعة فيهم، فحقن النبي ﷺ دماءهم وأجلاهم عن المدينة بأموالهم المنقولة، فخرجوا إلى أذرعات بالشام. وكان هذا أول إجلاءٍ ليهود المدينة جزاءً على نقض العهد.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 201
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 47
العهد المدني المدينة الوسطى 625 CE

غزوة أحد

📍 جبل أحد، المدينة المنورة

خرجت قريش في العام الثالث بنحو ثلاثة آلاف للثأر من هزيمة بدر، فالتقوا بالمسلمين عند جبل أحد. وكاد المسلمون ينتصرون، لكن نزول الرماة عن الجبل مخالفين أمر النبي ﷺ قلب النصر، فاستُشهد سبعون منهم فيهم حمزة، وشُجّ وجه النبي ﷺ.

بعد عامٍ من بدر، خرجت قريش بقيادة أبي سفيان في نحو ثلاثة آلاف مقاتل ومعهم النساء يحرّضن، للثأر من هزيمة بدر. فاستشار النبي ﷺ أصحابه، فأشار الشباب بالخروج، فخرج في نحو ألف، رجع منهم عبد الله بن أبيّ بثلاثمئة من المنافقين، فبقي في سبعمئة. ونزل عند جبل أحد، وأقام خمسين راميًا على الجبل (جبل الرماة) بقيادة عبد الله بن جبير، وأمرهم ألا يبرحوا مكانهم سواء انتصر المسلمون أو هُزموا. فبدأت المعركة، فانتصر المسلمون أولًا وولّى المشركون، فلمّا رأى أكثر الرماة الغنائم نزلوا مخالفين أمر النبي ﷺ ظنًّا أن المعركة انتهت، فالتفّ خالد بن الوليد — وكان يومئذٍ مشركًا — بالخيل من خلف الجبل، فانقلب النصر هزيمة. فاستُشهد سبعون من المسلمين، منهم حمزة بن عبد المطلب (الذي مثّلت به هند) ومصعب بن عمير، وشُجّ وجه النبي ﷺ وكُسرت رباعيته ودخلت حلقتان من المغفر في وجنته، وأُشيع أنه قُتل، فثبت حوله نفرٌ. ثم تراجع المشركون ولم يستأصلوا المسلمين، ونزل في أحد آياتٌ من آخر سورة آل عمران تعالج الدرس والعبرة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 218
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 60
العهد المدني المدينة الوسطى 625 CE

يوم الرجيع

📍 الرجيع (ماء لهذيل قرب مكة)

بعث النبي ﷺ نفرًا من أصحابه نحو ستةٍ مع قومٍ زعموا أنهم يريدون الإسلام، فغدر بهم أولئك عند ماء الرجيع، فقتلوا أكثرهم، وأسروا خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فباعوهما لقريش بمكة فقتلتهما صبرًا.

قدم على النبي ﷺ نفرٌ من عضل والقارة زعموا أن فيهم إسلامًا، وطلبوا منه أن يبعث معهم من يعلّمهم الدين ويقرئهم القرآن. فبعث معهم النبي ﷺ ستةً (وقيل عشرة) من أصحابه، على رأسهم مرثد بن أبي مرثد أو عاصم بن ثابت. فلمّا بلغوا الرجيع — وهو ماءٌ لهذيل بين مكة والطائف — غدر بهم القوم واستصرخوا عليهم هذيلًا، فأحاطوا بهم. فقاتل بعضهم حتى قُتل، ومنهم عاصم بن ثابت الذي حمته الدبر (النحل) من أن يُمثّل به. واستأسر منهم خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، فبيعا لقريش بمكة ثأرًا لقتلى بدر، فقُتلا صبرًا. وكان خبيب أول من سنّ الركعتين عند القتل صبرًا، ودعا على قاتليه. فكان يوم الرجيع من مآسي الغدر التي حزن لها النبي ﷺ.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 245
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 169
العهد المدني المدينة الوسطى 625 CE

مأساة بئر معونة

📍 بئر معونة (بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم)

بعث النبي ﷺ نحو سبعين من القرّاء من خيار أصحابه إلى نجد بطلبٍ من أبي براء العامري، فغدر بهم عامر بن الطفيل واستنفر عليهم قبائل سليم عند بئر معونة، فقتلوهم جميعًا إلا واحدًا، فحزن النبي ﷺ حزنًا شديدًا.

قدم أبو براء عامر بن مالك — ملاعب الأسنّة — على النبي ﷺ، فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، وطلب أن يبعث النبي ﷺ نفرًا من أصحابه إلى أهل نجد يدعونهم إلى الإسلام، وضمن لهم جواره. فبعث النبي ﷺ نحو سبعين رجلًا من خيار أصحابه وقرّائهم، يقال لهم «القرّاء»، عليهم المنذر بن عمرو. فلمّا نزلوا بئر معونة، قدّموا كتاب النبي ﷺ مع حرام بن ملحان إلى عامر بن الطفيل (ابن أخي أبي براء)، فقتل الرسول، واستنفر عليهم بني عامر فأبوا أن يخفروا جوار أبي براء، فاستنفر قبائل من سليم (عُصية ورِعل وذكوان) فأحاطوا بالقرّاء فقاتلوهم حتى قُتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد، ونجا عمرو بن أمية الضمري. فبلغ النبيَّ ﷺ الخبر فاشتدّ حزنه، وقنت شهرًا يدعو على القبائل التي غدرت (رِعل وذكوان وعُصية). فكانت بئر معونة والرجيع في شهرٍ واحد من أعظم ما حزن له النبي ﷺ.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 246
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 183
العهد المدني المدينة الوسطى 625 CE

إجلاء بني النضير

📍 المدينة المنورة

همّ بنو النضير بالغدر بالنبي ﷺ حين ذهب إليهم في دية، فأرادوا أن يطرحوا عليه رحى من فوق جدار، فأطلعه الله على مكرهم، فأمرهم بالجلاء، فتحصّنوا بتحريض المنافقين، فحاصرهم حتى نزلوا على الجلاء، فخرجوا إلى خيبر والشام.

كان بنو النضير من يهود المدينة، بينهم وبين النبي ﷺ عهد. فذهب إليهم النبي ﷺ في نفرٍ من أصحابه يستعينهم في دية قتيلين قتلهما عمرو بن أمية خطأً، فأظهروا الموافقة، وأضمروا الغدر، وائتمروا أن يُلقوا على النبي ﷺ رحى أو صخرة من أعلى الجدار وهو جالسٌ تحته. فأطلع الله نبيَّه على مكرهم، فقام مسرعًا وعاد إلى المدينة. ثم أرسل إليهم يأمرهم بالجلاء عن المدينة جزاء نقضهم العهد، فهمّوا بالخروج، لكن عبد الله بن أبيّ المنافق أرسل إليهم يعدهم بالنصرة ويحرّضهم على التحصّن، فامتنعوا. فحاصرهم النبي ﷺ، وأمر بقطع بعض نخيلهم وتحريقه (وفيه نزل القرآن)، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على الجلاء، على أن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح. فخرجوا إلى خيبر وأذرعات بالشام، وقُسمت أموالهم بين المهاجرين خاصةً لأنها كانت فيئًا لم يُوجف عليه بخيلٍ ولا ركاب. ونزلت فيهم سورة الحشر.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 249
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 190
العهد المدني المدينة الوسطى 626 CE

غزوة ذات الرقاع

📍 نجد (أرض غطفان)

خرج النبي ﷺ إلى نجد لقتال جموعٍ من غطفان تجمّعت تريد المدينة، فلم يقع قتال، وفيها شُرعت صلاة الخوف لأول مرة، وسُمّيت ذات الرقاع لما لفّ الصحابة على أقدامهم من الخرق من شدة وعورة الطريق.

بلغ النبيَّ ﷺ أن جموعًا من بني محارب وبني ثعلبة من غطفان قد تجمّعوا بنجد يريدون الإغارة على المدينة، فخرج إليهم في جمعٍ من أصحابه حتى بلغ أرضهم، فلم يلقَ كيدًا، إذ فرّ القوم إلى رؤوس الجبال، فلم يقع قتالٌ كبير، لكن حصل التوجّس من العدو. وفي هذه الغزوة شُرعت «صلاة الخوف» لأول مرة على المشهور، إذ صلّى النبي ﷺ بأصحابه على هيئةٍ خاصة تحفظ الصلاة والحراسة معًا، ونزل في ذلك قوله: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾. واختُلف في سبب تسميتها «ذات الرقاع»: قيل لجبلٍ هناك فيه بياضٌ وحمرة وسواد كالرّقاع، وقيل لأن أقدام الصحابة نقبت من الحفاء ووعورة الأرض فلفّوا عليها الخِرَق (الرقاع). وفيها وقعت قصة الحارس الذي رماه المشرك بالسهام وهو يصلّي فلم يقطع صلاته.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 248
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 203
العهد المدني المدينة الوسطى 627 CE

غزوة الخندق / الأحزاب

📍 المدينة المنورة

حزّبت قريش وغطفان ويهود بني النضير الأحزاب، فزحفوا على المدينة في نحو عشرة آلاف. فأشار سلمان الفارسي بحفر خندقٍ حول المدينة، فحاصر الأحزابُ المدينةَ نحو شهر، حتى أرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا فرجعوا خائبين.

لمّا أُجلي بنو النضير إلى خيبر، سعى زعماؤهم في تحزيب الأحزاب على المسلمين، فخرجوا إلى قريش وغطفان وقبائل العرب يحرّضونهم، فاجتمع جمعٌ عظيم بلغ نحو عشرة آلاف من قريش وغطفان وأتباعهم، وزحفوا على المدينة لاستئصال المسلمين. فلمّا علم النبي ﷺ، استشار أصحابه، فأشار سلمان الفارسي بحفر خندقٍ (وكانت خطة فارسية) على الجهة المكشوفة من المدينة، فعمل النبي ﷺ والمسلمون في حفره في بردٍ وجوعٍ شديد، وظهرت في الحفر معجزات (كإطعام الجابر القليل للجمع، وكسر الصخرة وبشارات الفتوح). فلمّا قدم الأحزاب فوجئوا بالخندق فلم يستطيعوا اقتحامه، فضربوا الحصار نحو شهر. وغدر بنو قريظة بنقض عهدهم بتحريض حُيي بن أخطب، فاشتدّ الكرب: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾. وخذّل نعيم بن مسعود (وقد أسلم سرًّا) بين الأحزاب وقريظة. ثم أرسل الله على الأحزاب ريحًا صرصرًا في ليلةٍ باردة قلعت خيامهم وأكفأت قدورهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فارتحلوا خائبين. فقال النبي ﷺ: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا». وفيها نزلت سورة الأحزاب.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 256
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 214
العهد المدني المدينة الوسطى 627 CE

غزوة بني قريظة

📍 المدينة المنورة (حصون بني قريظة)

لمّا انصرف الأحزاب بعد الخندق، أمر جبريل النبيَّ ﷺ بالمسير إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد وقت الحصار، فحاصرهم نحو خمسٍ وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بحكمه، فنُفّذ.

لمّا رجع النبي ﷺ من الخندق ووضع السلاح، أتاه جبريل عليه السلام يأمره بالمسير إلى بني قريظة الذين نقضوا عهدهم وتمالؤوا مع الأحزاب على المسلمين في أشدّ ساعات المحنة. فنادى النبي ﷺ في الناس: «لا يصلّينّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة». فسار إليهم المسلمون فحاصروهم في حصونهم خمسًا وعشرين ليلة حتى اشتدّ عليهم الحصار، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ سيّد الأوس الذين كانوا حلفاءهم في الجاهلية، رضوا به حَكَمًا. وكان سعد قد أصابه سهمٌ في الخندق. فحكم سعد فيهم بحكمه: أن تُقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم ونساؤهم وتُقسم أموالهم، فقال النبي ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة». فنُفّذ الحكم جزاءً على خيانتهم العظمى في وقت الحرب. وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، وتُوفّي سعد بن معاذ بعدها من جرحه، واهتزّ لموته عرش الرحمن.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 266
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 233
العهد المدني المدينة الوسطى 627 CE

غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك

📍 المُرَيسيع (ماء لبني المصطلق)

غزا النبي ﷺ بني المصطلق لمّا تجمّعوا لحربه، فهزمهم على ماء المريسيع. وفي عودته أشاع المنافقون الإفك على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فمكث الناس شهرًا في القيل والقال، حتى أنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات.

بلغ النبيَّ ﷺ أن الحارث بن أبي ضرار سيّد بني المصطلق (من خزاعة) يجمع قومه لحرب المسلمين، فخرج إليهم فأغار عليهم على ماء المريسيع، فهزمهم وسبى منهم، وكان في السبي جويرية بنت الحارث فتزوّجها النبي ﷺ، فأعتق المسلمون بسببها مئة أهل بيتٍ من السبي. وفي هذه الغزوة وقعت فتنتان: أولاهما أن منافقًا تشاجر مع مهاجري فنادى كلٌّ قومه، فأراد عبد الله بن أبيّ إثارة العصبية وقال: «ليُخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ»، فنزلت سورة المنافقون. والثانية «حادثة الإفك»: إذ تخلّفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن الجيش في منزلٍ تلتمس عقدًا لها، فأقبل صفوان بن المعطّل فحملها على بعيره وردّها، فاتّخذ المنافقون ذلك ذريعةً، فأشاع رأس النفاق عبد الله بن أبيّ الإفك والبهتان على عائشة، وخاض فيه بعض المؤمنين. فمكث النبي ﷺ والمسلمون نحو شهرٍ في كربٍ عظيم، حتى أنزل الله براءتها في عشر آياتٍ من سورة النور تُتلى إلى يوم القيامة، فظهر فضلها وطُهرها، وحُدّ من خاض في الإفك.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 274
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 289
العهد المدني المدينة الوسطى 627 CE

نزول آيات الحجاب

📍 المدينة المنورة

نزلت آيات الحجاب في السنة الخامسة تأمر أمهات المؤمنين والمؤمنات بالستر والاحتشام، وضرب الحجاب، وغضّ البصر. وكان نزول آية الحجاب مقترنًا بوليمة زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش.

في السنة الخامسة للهجرة شُرع الحجاب وأُنزلت آياته، تنظيمًا لشأن المرأة المسلمة وصيانةً لها. فنزل قوله تعالى في أمهات المؤمنين: ﴿وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ﴾، وقد نزلت هذه الآية يوم بنى النبي ﷺ بزينب بنت جحش وأطال بعض الضيوف الجلوس بعد الوليمة. ونزل في عموم المؤمنات قوله: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجهنّ... وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ﴾، وقوله: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ﴾. فالتزم نساء الصحابة بذلك امتثالًا لأمر الله، حتى قالت عائشة: «يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل، لمّا أنزل الله ﴿وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ﴾ شققن أكنف مروطهنّ فاختمرن بها». فكان الحجاب من خصائص هذه الأمة وعنوان عفّتها وطهرها.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب التفسير
  • — تفسير ابن كثير
العهد المدني المدينة الوسطى 628 CE

صلح الحديبية

📍 الحديبية (قرب مكة)

خرج النبي ﷺ في نحو ألفٍ وأربعمئة معتمرًا لا يريد قتالًا، فصدّته قريش عند الحديبية. فتفاوضوا وعُقد صلحٌ على وضع الحرب عشر سنين ورجوع المسلمين ذلك العام على أن يعتمروا في القابل، فبدا في ظاهره إجحافًا، وكان فتحًا مبينًا.

خرج النبي ﷺ في ذي القعدة من السنة السادسة في نحو ألفٍ وأربعمئة من أصحابه، معتمرين سَوقوا الهَدْي مُحرمين، لا يريدون حربًا. فلمّا علمت قريش خرجت تصدّه وبعثت خالد بن الوليد في الخيل، فعدل النبي ﷺ عن طريقهم حتى نزل بالحديبية على أطراف الحرم. فجرت بينهم رسلٌ ومفاوضات، وأرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان إلى مكة، فاحتُبس فشاع أنه قُتل، فبايع النبيُّ ﷺ أصحابه تحت الشجرة على الموت أو ألا يفرّوا (بيعة الرضوان). ثم قدم سهيل بن عمرو مفاوضًا، فاصطلحوا على بنود بدت في ظاهرها مجحفة: وضع الحرب عشر سنين، ورجوع المسلمين هذا العام دون عمرة على أن يعتمروا في القابل ويقيموا ثلاثًا، وأن من جاء من قريش مسلمًا يُردّ ومن ذهب من المسلمين إليهم لا يُردّ، وأن من أراد دخول حلف محمد دخل ومن أراد حلف قريش دخل. فشقّ ذلك على المسلمين حتى راجع عمرُ النبيَّ ﷺ. ثم أمر النبي ﷺ بنحر الهدي والحلق ففعلوا بعد تردّد، فرجعوا. فأنزل الله في الطريق: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾، فكان الصلح فتحًا عظيمًا أثمر انتشار الإسلام وإسلام خلقٍ كثير في مدّة الهدنة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 289
  • — صحيح البخاري، كتاب الشروط
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 308
العهد المدني المدينة الوسطى 628 CE

بيعة الرضوان

📍 الحديبية (تحت الشجرة)

لمّا شاع بالحديبية أن عثمان قُتل بمكة، دعا النبي ﷺ أصحابه إلى البيعة تحت شجرة، فبايعوه على الموت أو ألا يفرّوا، فرضي الله عنهم، فسُمّيت بيعة الرضوان، ونزل فيها قرآنٌ يثني على أهلها.

في أثناء مفاوضات الحديبية، أرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قريش بمكة ليبلّغهم أنهم جاؤوا معتمرين لا محاربين، فاحتبسته قريش، فأُشيع في المسلمين أن عثمان قد قُتل. فلمّا بلغ النبيَّ ﷺ ذلك قال: «لا نبرح حتى نناجز القوم»، ودعا أصحابه إلى البيعة، فبايعوه تحت شجرة (سَمُرة) على القتال والموت، وفي رواية: على ألا يفرّوا. فبايعه نحو ألفٍ وأربعمئة، وضرب بيده على يده عن عثمان. فأنزل الله رضاه عنهم: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا﴾. فسُمّيت «بيعة الرضوان» و«بيعة الشجرة»، وكان أهلها من خير الناس، شهد لهم النبي ﷺ بأنه لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة. ثم تبيّن أن عثمان لم يُقتل، وقدم سهيل بن عمرو للصلح.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 291
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 315
العهد المدني المدينة الوسطى 628 CE

نزول سورة الفتح

📍 الطريق بين الحديبية والمدينة (كراع الغميم)

بينما النبي ﷺ راجعٌ من الحديبية، أنزل الله سورة الفتح يبشّره بأن صلح الحديبية فتحٌ مبين، ويثني على أهل بيعة الرضوان، ويبشّر بفتوحٍ قادمة ومغفرةٍ ورضوان. فكانت تثبيتًا للمسلمين الذين شقّ عليهم الصلح.

لمّا فرغ النبي ﷺ من صلح الحديبية وانصرف راجعًا إلى المدينة، نزل عليه في الطريق — عند كراع الغميم — سورة الفتح كاملةً، يفتتحها الله بقوله: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا * ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا﴾. فقال النبي ﷺ: «لقد أُنزلت عليّ الليلة سورةٌ لهي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس». وقد سمّى الله الصلح فتحًا قبل أن يظهر أثره، فكان كذلك، إذ أثمرت الهدنة أمنًا واختلاطًا بالناس، فدخل في الإسلام في تلك السنتين أضعاف من دخل فيه من قبل. واشتملت السورة على الثناء على أهل بيعة الرضوان، وذمّ المنافقين والأعراب المتخلّفين، والبشارة بفتح خيبر ودخول المسجد الحرام آمنين، ووصف أصحاب النبي ﷺ في خاتمتها: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفار رحماء بينهم﴾.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 293
  • — صحيح البخاري، كتاب التفسير
العهد المدني المدينة الوسطى 628 CE

الرسائل إلى الملوك

📍 المدينة المنورة

بعد صلح الحديبية، أرسل النبي ﷺ رسله بكتبٍ إلى ملوك عصره وعظمائه يدعوهم إلى الإسلام، منهم هرقل عظيم الروم، وكسرى ملك فارس، والنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس عظيم القبط، وغيرهم. فتفاوتت مواقفهم بين الإيمان والإعراض.

لمّا أمن النبي ﷺ جانب قريش بصلح الحديبية، اتّجه إلى نشر الدعوة خارج جزيرة العرب، فأرسل رسله بكتبٍ مختومةٍ بخاتمه «محمد رسول الله» إلى ملوك الأرض وعظمائها يدعوهم إلى الإسلام. فبعث دحية الكلبي إلى هرقل قيصر الروم، فعظّم الكتاب واستدعى أبا سفيان فسأله عن النبي ﷺ، وكاد يسلم لكن أبى عليه قومه، فأقرّ بصدقه ولم يسلم. وبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى ملك فارس، فمزّق الكتاب استكبارًا، فدعا عليه النبي ﷺ بأن يُمزّق مُلكه، فكان كذلك. وبعث عمرو بن أمية إلى النجاشي (أصحمة) ملك الحبشة، فأسلم وأكرم الرسول. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس عظيم القبط بمصر، فلم يسلم لكنه قارب وأهدى للنبي ﷺ هدايا ومارية القبطية. وبعث إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين، وإلى ملوك عُمان (جيفر وعبد ابني الجلندى)، وإلى الحارث الغساني وغيرهم. فكانت هذه الرسائل إعلانًا بعالمية الدعوة الإسلامية.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 388
  • — صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي
  • — زاد المعاد لابن القيم
العهد المدني المدينة الوسطى 628 CE

غزوة خيبر

📍 خيبر

غزا النبي ﷺ خيبر معقل يهود الجزيرة الذين حزّبوا الأحزاب وآووا المحرّضين، ففتح الله حصونها حصنًا بعد حصن، وكان الفتح الأكبر على يد علي بن أبي طالب. فأقرّ النبي ﷺ اليهود على العمل في الأرض بنصف الثمر.

بعد رجوعه من الحديبية، سار النبي ﷺ في مطلع السنة السابعة إلى خيبر — وهي مدينة حصينة شمالي المدينة، معقل يهود كانوا قد أجّجوا نار الأحزاب وآووا من حُورب من بني النضير. فحاصرهم النبي ﷺ، وفتح الله حصونهم المنيعة واحدًا بعد واحد (ناعم، القموص، الصعب بن معاذ، وغيرها). وكان من أعظم أيامها فتح حصن القموص (حصن ابن أبي الحقيق)، إذ أعطى النبي ﷺ الراية عليَّ بن أبي طالب وقال: «لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه»، فبرز عليّ وقتل مرحبًا اليهودي وفتح الحصن. فلمّا تمّ الفتح، سأل يهود خيبر النبيَّ ﷺ أن يُقرّهم في الأرض يعملون فيها ولهم نصف الثمر، ففعل، وكانت أول مزارعةٍ في الإسلام. وقدم في أثناء الفتح أو بعده جعفر بن أبي طالب ومن معه من مهاجرة الحبشة، ففرح النبي ﷺ بفتح خيبر وقدوم جعفر معًا.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 369
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 328
العهد المدني المدينة الوسطى 628 CE

قصة الشاة المسمومة

📍 خيبر

بعد فتح خيبر، أهدت امرأةٌ يهودية للنبي ﷺ شاةً مشويةً مسمومة، فأخبره الله بأمرها قبل أن يأكل، فلفظ اللقمة، ومات بشر بن البراء الذي بلع منها. فعفا النبي ﷺ عن المرأة في حقّه، وبقي أثر السمّ معه.

لمّا اطمأنّ النبي ﷺ بعد فتح خيبر، أهدت إليه امرأةٌ يهودية اسمها زينب بنت الحارث (امرأة سلّام بن مشكم) شاةً مصليّةً (مشويّة)، وقد سألت أيّ عضوٍ أحبّ إلى النبي ﷺ فقيل لها الذراع، فأكثرت فيه من السمّ. فلمّا تناول النبي ﷺ منها لقمةً ومضغها لم يبتلعها، وأخبره الله أن الذراع مسمومة، فلفظها وقال: «إن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة». وكان قد أكل معه بشر بن البراء بن معرور فبلع لقمته، فمات منها. فدعا النبي ﷺ المرأة فاعترفت وقالت: أردتُ أن أعرف، إن كنتَ نبيًّا فلن يضرّك، وإن كنتَ ملكًا أرحتُ الناس منك. فعفا النبي ﷺ عنها في حقّه، وقيل قُتلت قصاصًا ببشر بن البراء. وقد بقي أثر تلك الأكلة في جسد النبي ﷺ، حتى قال في مرض موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان قطعت أبهري»، فعُدّ من شهداء النبوة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 378
  • — صحيح البخاري، كتاب الطب
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 337
العهد المدني المدينة الوسطى 628 CE

رجوع مهاجرة الحبشة

📍 خيبر / المدينة المنورة

بعد سنين من إقامتهم في الحبشة في جوار النجاشي، رجع جعفر بن أبي طالب ومن معه من مهاجرة الحبشة إلى النبي ﷺ، فوافوه عند فتح خيبر، ففرح النبي ﷺ بقدومهم فرحًا عظيمًا وقال: ما أدري بأيّهما أُسرّ.

كان جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعةٌ من المهاجرين قد بقوا في الحبشة منذ الهجرة الثانية في جوار النجاشي سنين طويلة، يعبدون الله في أمان. فلمّا استقرّ أمر المسلمين بالمدينة وقوي الإسلام، أرسل النبي ﷺ إلى النجاشي يطلب من بقي عنده، فجهّزهم النجاشي ورحّلهم في سفينتين، فقدموا على النبي ﷺ وهو بخيبر بعد فتحها في السنة السابعة. فلمّا رأى النبي ﷺ جعفرًا تلقّاه والتزمه وقبّل بين عينيه، وقال كلمته المشهورة: «ما أدري بأيّهما أنا أُسرّ: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟». وأسهم لهم النبي ﷺ من غنائم خيبر. فاجتمع شمل المهاجرين بعد فرقةٍ دامت سنين، وكان جعفر «أبا المساكين» يحبّه النبي ﷺ ويشبهه خَلقًا وخُلقًا، ثم استُشهد بعد ذلك في مؤتة.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 379
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام
العهد المدني المدينة الوسطى 629 CE

عمرة القضاء

📍 مكة المكرمة

في العام السابع خرج النبي ﷺ ومن صُدّوا معه بالحديبية فأدّوا العمرة قضاءً عمّا فاتهم، فدخلوا مكة معتمرين، وخلت لهم قريش ثلاثة أيام حسب الصلح، فطافوا واعتمروا، ثم خرجوا. فكانت إظهارًا لقوة المسلمين.

كان من بنود صلح الحديبية أن يرجع المسلمون ذلك العام دون عمرة، على أن يعودوا في العام القابل فيعتمروا ويقيموا بمكة ثلاثة أيام، وتخلو لهم قريش. فلمّا كان ذو القعدة من السنة السابعة، خرج النبي ﷺ ومعه نحو ألفين ممن كانوا صُدّوا بالحديبية وغيرهم، معتمرين، يسوقون الهدي، متأهّبين بالسلاح حذرًا من غدر قريش، فجعلوه على حدود الحرم. فدخل النبي ﷺ مكة على راحلته القصواء، وعبد الله بن رواحة آخذٌ بزمامها يرتجز، والمسلمون يلبّون، وقد خرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال تنظر إليهم. فطاف النبي ﷺ بالبيت واضطبع ورمل في الأشواط الثلاثة الأُوَل إظهارًا للقوة، وسعى بين الصفا والمروة، ونحر هديه، وحلق. وأقام بمكة ثلاثًا، وفي هذه العمرة تزوّج ميمونة بنت الحارث. فلمّا انقضت الأيام الثلاثة طلبت منه قريش الخروج وفاءً بالشرط، فخرج. فسُمّيت «عمرة القضاء» أو «عمرة القضية» لأنها وقعت قضاءً عن العمرة التي صُدّ عنها، أو وفاءً بما تقاضى عليه في الصلح.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 383
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 370
العهد المدني المدينة الوسطى 629 CE

زواجه من ميمونة بنت الحارث

📍 سَرِف (قرب مكة)

في عمرة القضاء تزوّج النبي ﷺ ميمونة بنت الحارث الهلالية، وكانت قد وهبت نفسها له، فتزوّجها وبنى بها بسَرِف قرب مكة. وكانت آخر من تزوّج من أمهات المؤمنين، وأختها أم الفضل زوج العباس.

في أثناء عمرة القضاء في ذي القعدة من السنة السابعة، تزوّج النبي ﷺ ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها، وكان العباس بن عبد المطلب عمّ النبي ﷺ قد سعى في هذا الزواج، إذ كانت ميمونة أخت زوجه أم الفضل. وقيل إنها وهبت نفسها للنبي ﷺ فنزل فيها قوله: ﴿وامرأةً مؤمنةً إن وهبت نفسها للنبي﴾. فتزوّجها النبي ﷺ، وبنى بها في موضعٍ يقال له «سَرِف» على نحو عشرة أميال من مكة في طريق المدينة، بعد خروجه من مكة عند انقضاء أيام العمرة. وكانت ميمونة آخر امرأةٍ تزوّجها النبي ﷺ على المشهور، وكانت من فاضلات أمهات المؤمنين، عابدةً واصلةً للرحم. وتُوفّيت رضي الله عنها في الموضع نفسه «سَرِف» الذي بنى بها فيه، بعد سنين طويلة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سير أعلام النبلاء
العهد المدني المدينة الوسطى 629 CE

غزوة مؤتة

📍 مؤتة (جنوب الأردن، قرب الكرك)

بعث النبي ﷺ جيشًا قوامه ثلاثة آلاف إلى مؤتة بأرض الشام لمّا قُتل رسوله إلى بصرى، فلقيهم جموعٌ عظيمة من الروم والعرب. فاستُشهد الأمراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة، ثم تولّى خالد الراية فانحاز بالجيش.

لمّا قتل شُرحبيل الغسّاني عاملُ قيصر رسولَ النبي ﷺ (الحارث بن عمير) المتوجّه إلى بصرى، جهّز النبي ﷺ جيشًا قوامه ثلاثة آلاف، وأمّر عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن قُتل زيدٌ فجعفر، فإن قُتل جعفرٌ فعبد الله بن رواحة»، فإن أُصيب فليرتضِ المسلمون رجلًا. فساروا حتى بلغوا مؤتة من أرض الشام، فلقوا جمعًا عظيمًا من الروم وحلفائهم من العرب يُقال إنهم مئتا ألف. فالتقى الجمعان على تفاوتٍ هائل في العدد، فقاتل زيد حتى استُشهد، فأخذ الراية جعفر فقاتل حتى قُطعت يداه فاحتضن اللواء حتى قُتل، فعوّضه الله جناحين يطير بهما في الجنة فسُمّي «الطيار». ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى استُشهد. فاصطلح المسلمون على خالد بن الوليد، فأخذ الراية، وكان قد أسلم قبلها، فقاتل ببراعة، ثم خدع العدو ليلًا بتغيير مواقع الجيش فظنّوا أن مددًا جاءهم، فانحاز خالد بالجيش وحماه من الاستئصال. فسمّاه النبي ﷺ «سيف الله المسلول». فكانت مؤتة أول لقاءٍ بين المسلمين والروم، ومقدّمة لفتوح الشام.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 393
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 373
العهد المدني المدينة الوسطى 629 CE

سرية ذات السلاسل

📍 ذات السلاسل (أرض بلي وقضاعة شمالي الجزيرة)

بعث النبي ﷺ عمرو بن العاص على رأس سريةٍ إلى بلاد قضاعة وبلي شمالي الجزيرة، لمّا بلغه تجمّعهم، فاستمدّ عمرو فأمدّه النبي ﷺ بأبي عبيدة في جمعٍ من المهاجرين، فأمّر عمرًا عليهم، فهابهم العدو فتفرّقوا.

بلغ النبيَّ ﷺ أن جمعًا من قبائل قضاعة وبلي في أطراف الشام شمالي الجزيرة قد تجمّعوا يهمّون بالدنوّ من أطراف المدينة. فبعث النبي ﷺ عمرو بن العاص رضي الله عنه — وكان حديث عهدٍ بإسلام — على رأس سريةٍ نحو ثلاثمئة، واستعمله لأن أمّ جدّه كانت من تلك القبائل تأليفًا لهم. فلمّا بلغ أرض القوم ورأى كثرتهم، أرسل إلى النبي ﷺ يستمدّه، فأمدّه بأبي عبيدة بن الجرّاح في مئتين من خيار المهاجرين فيهم أبو بكر وعمر. فلمّا التقى الجيشان أراد كلٌّ أن يكون الأمير، فتنازل أبو عبيدة لعمرو حقنًا للخلاف وحفاظًا على الجماعة، فأمّ عمرٌو الناس. وسُمّيت «ذات السلاسل» لماءٍ هناك بهذا الاسم، أو لأن العدو ارتبط بعضهم ببعض بالسلاسل. فلمّا بلغهم مسير المسلمين تفرّقوا ولم يقع قتالٌ كبير، ورجع الجيش. وفي هذه السرية سأل عمرٌو النبيَّ ﷺ: أيّ الناس أحبّ إليك؟ فقال: «عائشة»، قال: من الرجال؟ قال: «أبوها».

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة
  • — سيرة ابن هشام
العهد المدني المدينة الوسطى 630 CE

فتح مكة

📍 مكة المكرمة

لمّا نقضت قريش صلح الحديبية بإعانتها بني بكر على خزاعة، سار النبي ﷺ في عشرة آلاف ففتح مكة في رمضان من السنة الثامنة فتحًا يكاد يكون بلا قتال، فدخلها مطأطئًا رأسه تواضعًا لله، فكان الفتح الأعظم.

كان من بنود صلح الحديبية أن من شاء دخل في عهد محمد ومن شاء دخل في عهد قريش، فدخلت خزاعة في عهد النبي ﷺ وبنو بكر في عهد قريش. فأعانت قريش حلفاءها بني بكر على خزاعة فبيّتوهم وقتلوا منهم في الحرم، فكان هذا نقضًا للعهد. فاستصرخت خزاعة النبيَّ ﷺ، فعزم على المسير إلى مكة، وكتم خبره واستعدّ، ودعا الله أن يأخذ على قريش العيون والأخبار. فخرج في رمضان من السنة الثامنة في عشرة آلاف، فلمّا نزل مرّ الظهران خرج إليه عمّه العباس، وأُتي بأبي سفيان فأسلم، فقال النبي ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن». ثم دخل النبي ﷺ مكة من أعلاها، وقد قسّم الجيش أربع كتائب، فلم يلقَ مقاومةً تُذكر إلا عند كتيبة خالد فقُتل نفر. ودخل النبي ﷺ متواضعًا حتى كادت ذؤابته تمسّ واسطة الرحل، يقرأ سورة الفتح، شكرًا لله وتواضعًا. فكان فتح مكة الفتح الأعظم الذي دانت به العرب للإسلام.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 401
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 389
العهد المدني المدينة الوسطى 630 CE

تطهير الكعبة من الأصنام

📍 الكعبة، مكة المكرمة

لمّا دخل النبي ﷺ مكة فاتحًا، عمد إلى الكعبة وحولها ثلاثمئة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بقوسه ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾، فتساقطت الأصنام. ثم دخل البيت فمحا الصور، وأعاد للكعبة طهرها ومعناها التوحيدي.

بعد أن دخل النبي ﷺ مكة فاتحًا وأمن أهلها، توجّه إلى المسجد الحرام راكبًا، فطاف بالبيت على راحلته. وكان حول الكعبة وفي جوفها أصنامٌ نُصبت للعبادة، عددها ثلاثمئة وستون صنمًا. فجعل النبي ﷺ يطعنها بعودٍ (قوسٍ) كان في يده ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾، و﴿جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾، فتتساقط الأصنام على وجوهها. ثم أمر بها فأُخرجت من المسجد وكُسرت وأُحرقت. ودخل النبي ﷺ جوف الكعبة، وكان فيها صورٌ، فأمر بها فمُحيت، ووجد فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فقال: «قاتلهم الله، ما لإبراهيم وللأزلام؟». ثم صلّى في البيت وكبّر في نواحيه ووحّد الله. فطهّر الله بيته الحرام من رجس الأوثان والشرك، وأعاده إلى ما بُني عليه من التوحيد على ملّة إبراهيم.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 415
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 416
العهد المدني المدينة الوسطى 630 CE

أذان بلال على الكعبة

📍 الكعبة، مكة المكرمة

لمّا حانت الصلاة يوم الفتح، أمر النبي ﷺ بلال بن رباح أن يعلو ظهر الكعبة فيؤذّن، فارتفع صوت التوحيد من فوق البيت الذي طالما عُذّب بلال دونه، فكان أذانه إعلانًا بانتصار الإسلام في مكة.

لمّا فتح النبي ﷺ مكة وطهّر الكعبة من الأصنام، وحانت الصلاة وقت الظهر، أمر بلال بن رباح المؤذّن رضي الله عنه أن يرقى فوق ظهر الكعبة فيرفع الأذان. فعلا بلالٌ — العبد الحبشي الذي كان يُعذّب في بطحاء مكة على إيمانه فيقول «أحدٌ أحد» — ظهرَ الكعبة، فرفع صوته بالتوحيد: «الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله»، في الموضع الذي طالما سُجد فيه للأوثان. وكان منظرًا عظيمًا تتجلّى فيه عزّة الإسلام وكرامة المؤمن مهما كان أصله، إذ ارتفع المستضعف الأمس فوق أشرف بقعةٍ في الأرض يعلن كلمة الحق. ونظر بعض صناديد قريش ممن لم يُسلم بعد إلى ذلك بمرارة، لكنّ الله أعزّ دينه. فكان أذان بلال فوق الكعبة من أبلغ مشاهد الفتح ودلالاته.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام
العهد المدني المدينة الوسطى 630 CE

العفو العام يوم الفتح

📍 مكة المكرمة

بعد أن مكّنه الله من قريش التي آذته وأخرجته وحاربته عشرين عامًا، جمع النبي ﷺ أهل مكة عند الكعبة وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». فعفا عنهم عفوًا عامًّا، فدخلوا في الإسلام أفواجًا، فكان من أعظم مواقف الرحمة.

لمّا تمّ الفتح ودانت قريش، وقف أهل مكة ينتظرون ما يصنع بهم النبي ﷺ، وقد كانوا أخرجوه وكذّبوه وعذّبوا أصحابه وحاربوه ثلاثة عشر عامًا بمكة وثمانيًا بالمدينة، وقتلوا من قتلوا. فاجتمعوا عند الكعبة، فقام فيهم النبي ﷺ خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعلٌ بكم؟»، قالوا: خيرًا، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم. فقال كلمته الخالدة في الرحمة والعفو: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، مقتبسًا قول يوسف لإخوته: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾. فعفا عنهم عفوًا عامًّا إلا نفرًا قليلًا أهدر دمهم لجرائمهم، ثم عفا عن أكثرهم بعد ذلك. فكان هذا العفو العظيم في ساعة القدرة سببًا في دخول أهل مكة في دين الله أفواجًا، وتأليفًا للقلوب، ودرسًا في أن العفو عند المقدرة من شيم الكرام.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 417
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 412
  • — السنن الكبرى للبيهقي
العهد المدني المدينة الوسطى 630 CE

غزوة حنين

📍 وادي حنين (بين مكة والطائف)

بعد فتح مكة، جمعت هوازن وثقيف جموعها لحرب المسلمين، فخرج إليهم النبي ﷺ في اثني عشر ألفًا. فلمّا أعجبتهم كثرتهم فوجئوا بكمين العدو في الوادي فانهزموا أولًا، ثم ثبت النبي ﷺ ونادى أصحابه فكرّوا فنُصروا.

بعد فتح مكة بأيام، علم النبي ﷺ أن قبائل هوازن وثقيف قد جمعت جموعها بقيادة مالك بن عوف النصري لقتال المسلمين قبل أن يتوجّهوا إليها، وقد جاؤوا بأموالهم ونسائهم وأبنائهم ليحموا ظهورهم. فخرج إليهم النبي ﷺ في اثني عشر ألفًا (عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من مسلمة الفتح)، فلمّا رأى بعضهم كثرتهم قال قائل: «لن نُغلب اليوم من قلّة»، فأعجبتهم كثرتهم. فلمّا انحدروا في وادي حنين في غبش الفجر، كان العدو قد كمن لهم في مضايق الوادي، فرشقوهم بالنبل وحملوا عليهم حملةً واحدة، فانهزم المسلمون وولّوا مدبرين، وثبت النبي ﷺ على بغلته ينادي: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، والعباس يصيح بالأنصار وأهل بيعة الرضوان. فثاب المسلمون وكرّوا، وأنزل الله نصره وسكينته، فانهزم العدو هزيمةً منكرة، وغنم المسلمون مغانم عظيمة. وفيها نزل قوله: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تُغنِ عنكم شيئًا﴾.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 432
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 437
العهد المدني المدينة الوسطى 630 CE

حصار الطائف

📍 الطائف

لمّا انهزمت هوازن وثقيف في حنين، تحصّن فلّهم في الطائف، فسار إليهم النبي ﷺ فحاصرهم بضع عشرة ليلة، واستعمل المنجنيق، فلم تُفتح. فرفع الحصار ودعا لثقيف بالهداية، فأسلموا بعد ذلك بوفدهم.

بعد هزيمة هوازن وثقيف في حنين، فرّ كثيرٌ منهم وعلى رأسهم مالك بن عوف، فتحصّنوا في مدينة الطائف الحصينة المنيعة ذات الأسوار، وكانوا قد أعدّوا فيها القوت والسلاح لسنة. فسار النبي ﷺ في إثرهم فحاصر الطائف بضعًا وعشرين ليلة (وقيل أقل)، ونصب عليهم المنجنيق والدبّابات، ورماهم بالنبل، فرماه أهل الطائف من فوق الأسوار بالنبل المحمّاة فأصابوا نفرًا من المسلمين. فلمّا رأى النبي ﷺ شدّة تحصّنهم، وكان قد أعلن أن من نزل من عبيدهم فهو حرّ، شاور أصحابه ثم رأى رفع الحصار، فأمر بالرحيل. فقيل له: ادعُ على ثقيف، فقال برحمته: «اللهم اهدِ ثقيفًا وأتِ بهم»، فلم يُفتح الطائف عنوةً، لكن أسلمت ثقيف طوعًا بعد ذلك بنحو عام، إذ قدم وفدها على النبي ﷺ بالمدينة في السنة التاسعة فأسلموا، وهُدمت طاغيتهم اللات.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 439
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 478
العهد المدني المدينة الوسطى 630 CE

توزيع غنائم حنين بالجعرانة

📍 الجعرانة (قرب مكة)

بعد رفع حصار الطائف، رجع النبي ﷺ إلى الجعرانة فقسم غنائم حنين، وأعطى المؤلّفة قلوبهم من صناديد قريش عطايا عظيمة تأليفًا لهم، فوجد بعض الأنصار في أنفسهم، فخطبهم النبي ﷺ خطبةً عظيمة أرضاهم بها.

لمّا رفع النبي ﷺ الحصار عن الطائف، رجع إلى الجعرانة حيث كانت سبايا هوازن وأموالها محبوسة، فأقام بها يقسم الغنائم. وكان قد انتظر قدوم وفد هوازن، فلمّا قدموا مسلمين خيّرهم بين السبي والمال، فاختاروا نساءهم وأبناءهم، فردّ النبي ﷺ السبي عليهم وحضّ المسلمين على ذلك. ثم قسم الأموال، فأعطى «المؤلّفة قلوبهم» من سادة قريش وحديثي العهد بالإسلام عطايا جزيلة، فأعطى أبا سفيان وابنيه، وأعطى صفوان بن أمية ومالك بن عوف والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن مئةً مئةً من الإبل، تأليفًا لقلوبهم وتثبيتًا لإسلامهم. فوجد بعض الأنصار في أنفسهم إذ لم يُعطَوا مثل ذلك، وقالوا: يُعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فبلغ النبيَّ ﷺ ذلك، فجمع الأنصار وخطبهم خطبةً بليغة، ذكّرهم بفضل الله، وقال: «أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ ... الأنصار شعارٌ والناس دثار»، حتى بكوا وقالوا: رضينا برسول الله قَسمًا وحظًّا. ثم اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة ورجع إلى المدينة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 441
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 489
العهد المدني المدينة المتأخرة 630 CE

عام الوفود

📍 المدينة المنورة

بعد فتح مكة ودخول قريش في الإسلام، تتابعت وفود قبائل العرب على النبي ﷺ بالمدينة معلنةً إسلامها، فسُمّي العام التاسع «عام الوفود»، إذ دانت جزيرة العرب للإسلام وأقبل الناس فيه أفواجًا.

كانت العرب تتربّص بإسلامها أمر قريش لمكانتها وولايتها للبيت، فلمّا فُتحت مكة وأسلمت قريش، أدركت القبائل أنه لا طاقة لها بمحاربة النبي ﷺ، وأن الحق ظاهر، فأقبلت وفودها من كل صوبٍ على المدينة في السنة التاسعة معلنةً دخولها في الإسلام، فكان عامًا حافلًا بالوفود حتى سُمّي «عام الوفود»، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا﴾. فمن أشهر هذه الوفود: وفد ثقيف الذين أسلموا وهُدمت اللات، ووفد بني تميم، ووفد عبد القيس، ووفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة، ووفد طيّئ ومعهم عديّ بن حاتم، ووفد نجران من النصارى، ووفد همدان والأزد وكندة وغيرها. وكان النبي ﷺ يكرم الوفود ويعلّمهم الدين ويبعث معهم من يفقّههم، ويكتب لهم الكتب. فبهذه الوفود تمّ للإسلام دخول جزيرة العرب في طاعة الله ورسوله ﷺ.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 466
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 559
  • — زاد المعاد لابن القيم
العهد المدني المدينة المتأخرة 630 CE

غزوة تبوك

📍 تبوك

في السنة التاسعة بلغ النبيَّ ﷺ أن الروم تجمع لغزو المسلمين، فاستنفر الناس في حرٍّ شديد وعسرةٍ من الزاد، فخرج في نحو ثلاثين ألفًا إلى تبوك. فلم يلقَ الروم قتالًا، لكنه أظهر قوة المسلمين وعقد المعاهدات مع أهل تلك النواحي.

في رجب من السنة التاسعة، بلغ النبيَّ ﷺ أن الروم وحلفاءهم من العرب يحشدون جيشًا عظيمًا لغزو أطراف الجزيرة. فأراد النبي ﷺ أن يبادرهم، فاستنفر المسلمين وجلّى لهم وجهتهم خلافًا لعادته في التورية، لبُعد الشُّقّة وكثرة العدوّ. وكان الخروج في قيظٍ شديد، وحين طابت الثمار وأينعت الظلال، وفي عسرةٍ من المال والظهر، فسُمّي ذلك الجيش «جيش العُسرة». فحضّ النبي ﷺ على البذل، فأنفق أبو بكر ماله كله، وعمر نصف ماله، وجهّز عثمان جيش العسرة بمالٍ عظيم حتى قال النبي ﷺ: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم». وتخلّف المنافقون واعتذروا بالأعذار، وتخلّف ثلاثةٌ من المؤمنين صدقًا. فخرج النبي ﷺ في نحو ثلاثين ألفًا حتى بلغ تبوك، فلم يجد الروم قد زحفوا، فأقام بها أيامًا، وصالح أهل تلك النواحي (أيلة وأذرح ودومة الجندل) على الجزية. ثم رجع، ولم يقع قتال. وكانت تبوك آخر غزوات النبي ﷺ بنفسه، ونزل فيها كثيرٌ من سورة التوبة تكشف المنافقين.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 451
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 515
العهد المدني المدينة المتأخرة 630 CE

قصة كعب بن مالك ومن تخلفوا عن تبوك

📍 المدينة المنورة

تخلّف عن تبوك ثلاثةٌ من صادقي الإيمان بلا عذر: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع. فصدقوا النبيَّ ﷺ ولم يعتذروا بالكذب، فهجرهم المسلمون خمسين ليلة، حتى تاب الله عليهم وأنزل في توبتهم قرآنًا.

حين رجع النبي ﷺ من تبوك، جاءه المنافقون يعتذرون بالأعذار الكاذبة فقبل ظاهرهم ووكل سرائرهم إلى الله. وأما كعب بن مالك وصاحباه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع — وكانوا من أهل بدر أو من صالحي المؤمنين — فقد تخلّفوا من غير عذرٍ حقيقي، تثاقلًا وتسويفًا. فلمّا حضروا صدقوا النبيَّ ﷺ ولم يكذبوا، فقال كعب: «والله ما كان لي من عذر». فأمر النبي ﷺ المسلمين بهجرهم، فهجرهم الناس خمسين ليلة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وأُمروا باعتزال نسائهم. فصبروا واحتسبوا، ولم يلتمسوا رخصة المنافقين. حتى أنزل الله توبتهم في قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت... ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾. فبشّرهم النبي ﷺ بتوبة الله عليهم، ففرحوا فرحًا عظيمًا. وكانت قصتهم درسًا في الصدق وعاقبته الحميدة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 461
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — صحيح مسلم، كتاب التوبة
العهد المدني المدينة المتأخرة 631 CE

وفاة عبد الله بن أبي ونزول آيات المنافقين

📍 المدينة المنورة

مات عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين بالمدينة بعد تبوك، فأراد النبي ﷺ الصلاة عليه إكرامًا لابنه المؤمن، فنهاه الله عن الصلاة على المنافقين بقوله: ﴿ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا﴾.

كان عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين بالمدينة، أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وكان وراء كثيرٍ من الفتن: تخذيل ثلث الجيش يوم أُحد، وكلمته في غزوة بني المصطلق ﴿ليُخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ﴾، وإشاعته الإفك. ومع ذلك كان ابنه عبد الله مؤمنًا صالحًا. فلمّا مات ابن أبيّ بعد رجوع النبي ﷺ من تبوك، جاء ابنه يطلب من النبي ﷺ قميصه ليكفّنه فيه، وأن يصلّي عليه، فأعطاه القميص وهمّ بالصلاة عليه رحمةً ووفاءً وتأليفًا لقومه، فجذبه عمر وقال: أتصلّي عليه وقد قال كذا وكذا؟ فقال النبي ﷺ: «إنما خيّرني الله فاخترت». فلمّا صلّى عليه، أنزل الله: ﴿ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾. فلم يصلّ النبي ﷺ على منافقٍ بعدها. وكانت سورة التوبة قد كشفت أحوال المنافقين وفضحت أسرارهم حتى سُمّيت «الفاضحة».

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب الجنائز
  • — تفسير ابن كثير
العهد المدني المدينة المتأخرة 630 CE

هدم مسجد الضرار

📍 قباء، المدينة المنورة

بنى المنافقون مسجدًا بقباء أرادوا به الكيد للإسلام والتفريق بين المؤمنين والتجسّس، وطلبوا من النبي ﷺ الصلاة فيه. فأطلعه الله على نيّتهم، فلمّا رجع من تبوك أمر بهدمه وتحريقه، ونزل فيه قرآن.

كان نفرٌ من المنافقين بالمدينة قد بنوا مسجدًا بقرب مسجد قباء، أظهروا أنهم أرادوا التوسعة على الضعفاء وأهل العلّة في الليالي الباردة، وأبطنوا الكيد للإسلام: ضرارًا للمسجد الأول، وكفرًا، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا (ترقّبًا ومأوى) لمن حارب الله ورسوله من قبل (أبي عامر الفاسق الذي ذهب إلى الروم يحرّضهم). فطلبوا من النبي ﷺ — وهو متجهّز لتبوك — أن يصلّي فيه ليُضفي عليه الشرعية، فاعتذر بالسفر ووعدهم عند الرجوع. فلمّا قفل من تبوك ودنا من المدينة، أطلعه الله على حقيقة أمرهم، فأنزل: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل... لا تقم فيه أبدًا﴾. فبعث النبي ﷺ نفرًا أمرهم بهدم المسجد وتحريقه قبل أن يصل المدينة، فهُدم وأُحرق، وجُعل مكانه مزبلة. فكان مسجد الضرار رمزًا لكيد المنافقين الذي ردّه الله في نحورهم.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 530
  • — تفسير ابن كثير
العهد المدني المدينة المتأخرة 631 CE

مباهلة نصارى نجران

📍 المدينة المنورة

قدم وفد نصارى نجران على النبي ﷺ يجادلونه في عيسى عليه السلام، فدعاهم إلى الإسلام وبيّن لهم الحق، فأبوا، فدعاهم إلى المباهلة (الملاعنة)، فأحجموا خوفًا، وصالحوه على الجزية، فأقرّهم على دينهم.

قدم على النبي ﷺ وفدٌ من نصارى نجران (جنوبي الجزيرة) في نحو ستين راكبًا فيهم أساقفتهم وعلماؤهم، فأنزلهم النبي ﷺ في مسجده وأكرمهم، وجادلوه في شأن عيسى عليه السلام، وزعموا فيه ما زعموا من البنوّة والألوهية. فبيّن لهم النبي ﷺ الحق، وتلا عليهم ما أنزل الله في صدر سورة آل عمران من قوله: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾، ودعاهم إلى الإسلام. فلمّا أصرّوا على باطلهم، أمره الله أن يدعوهم إلى المباهلة، وهي أن يجتمع الفريقان فيدعوان الله أن تحلّ لعنته على الكاذبين منهما، قال تعالى: ﴿فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم... ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين﴾. فخرج النبي ﷺ للمباهلة ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين. فلمّا رأى النصارى صدقه وجدّه، وعلموا أنهم إن باهلوا هلكوا، أحجموا وأبوا المباهلة، وطلبوا الصلح، فصالحهم النبي ﷺ على الجزية وأقرّهم على دينهم.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 470
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 573
  • — تفسير ابن كثير
العهد المدني المدينة المتأخرة 631 CE

حج أبي بكر بالناس سنة 9 هـ

📍 مكة المكرمة

في السنة التاسعة أمّر النبي ﷺ أبا بكر الصديق على الحج ليقيم للناس مناسكهم، ثم أتبعه عليَّ بن أبي طالب ليبلّغ سورة براءة وينادي بأن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.

في ذي الحجة من السنة التاسعة، بعث النبي ﷺ أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميرًا على الحج بثلاثمئة من المسلمين، ليقيم للناس مناسكهم ويعلّمهم إياها، إذ لم يكن النبي ﷺ قد حجّ بعد. فلمّا سار أبو بكر، نزلت أوائل سورة براءة (التوبة) بنبذ العهود إلى المشركين، فأرسل النبي ﷺ عليَّ بن أبي طالب في إثره ليبلّغ عن النبي ﷺ، لأن العادة جرت ألا يبلّغ العهود إلا رجلٌ من أهل بيت صاحبها. فأدّى أبو بكر الحج بالناس وعلّمهم المناسك، وأذّن عليٌّ يوم النحر بمنى بما أُمر به: ألا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنة، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدّته. فكان هذا الحج إيذانًا بتطهير البيت الحرام من الشرك وأهله، تمهيدًا لحجة الوداع في العام التالي.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 469
  • — صحيح البخاري، كتاب التفسير
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 543
العهد المدني المدينة المتأخرة 631 CE

نزول سورة التوبة / براءة

📍 المدينة المنورة

نزلت سورة التوبة (براءة) في السنة التاسعة، فأعلنت البراءة من عهود المشركين الناقضين، وكشفت أحوال المنافقين، وفرضت أحكام الجهاد والجزية. وهي السورة الوحيدة التي لم تُفتتح بالبسملة لما فيها من الشدة على الكفر.

نزلت سورة التوبة — وتُسمّى «براءة» و«الفاضحة» و«المُبعثرة» — في أواخر العهد المدني، في السنة التاسعة، وكانت من آخر ما نزل من القرآن. تناولت السورة قضايا كبرى في تلك المرحلة: أعلنت البراءة من المشركين الذين نقضوا عهودهم، وأمهلتهم أربعة أشهر ثم أمرت بقتالهم إن لم يتوبوا، وحرّمت على المشركين قربان المسجد الحرام بعد عامهم، وفرضت الجزية على أهل الكتاب. كما كشفت السورة أحوال المنافقين وفضحت أسرارهم وتخلّفهم عن تبوك واعتذاراتهم الكاذبة وبناءهم مسجد الضرار، حتى قال ابن عباس: «هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنّوا أنها لن تُبقي أحدًا». وعالجت أمر الثلاثة الذين خُلّفوا وتوبتهم. ومن خصائصها أنها السورة الوحيدة التي لم تُفتتح بالبسملة، قيل لأنها نزلت بالسيف ورفع الأمان عن الناقضين، فلم تُناسبها بسملة الرحمة. وختمها الله بآيتين فيهما رأفة النبي ﷺ بأمته: ﴿لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتّم﴾.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب التفسير
  • — تفسير ابن كثير
العهد المدني المدينة المتأخرة 632 CE

تجهيز جيش أسامة بن زيد

📍 المدينة المنورة

في أواخر حياته أمر النبي ﷺ بتجهيز جيشٍ إلى أطراف الشام، وأمّر عليه أسامة بن زيد وهو شابّ، فطعن بعضهم في إمارته، فأكّد النبي ﷺ تأميره. ثم اشتدّ به المرض فتأخّر الجيش، حتى أنفذه أبو بكر بعد وفاته ﷺ.

في أواخر حياة النبي ﷺ، في صفر من السنة الحادية عشرة، أمر بتجهيز جيشٍ عظيم لغزو أطراف الشام (البلقاء والداروم) حيث استُشهد أبوه زيد ومن معه في مؤتة. وأمّر على هذا الجيش أسامة بن زيد بن حارثة، وكان شابًّا حدثًا في نحو الثامنة عشرة، وفي الجيش كبار المهاجرين والأنصار. فتكلّم بعض الناس في إمارة أسامة لحداثة سنّه، فبلغ النبيَّ ﷺ ذلك فغضب وخطب فقال: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة». فخرج الجيش وعسكر بالجُرف على أطراف المدينة. ثم اشتدّ بالنبي ﷺ مرض موته، فتوقّف إنفاذ الجيش انتظارًا لما يكون من أمره ﷺ، وكان النبي ﷺ يحضّ على إنفاذه ويقول: «أنفذوا جيش أسامة». فلمّا توفّي النبي ﷺ وتولّى أبو بكر الخلافة، أصرّ على إنفاذ الجيش رغم ارتداد كثيرٍ من العرب، وقال: «لا أحلّ راية عقدها رسول الله ﷺ»، فأنفذه فكان فيه خيرٌ وبركة.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 477
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 642
العهد المدني المدينة المتأخرة 632 CE

حجة الوداع

📍 مكة وعرفة ومنى

في السنة العاشرة حجّ النبي ﷺ حجّته الوحيدة، فخرج معه نحو مئة ألفٍ من المسلمين، فعلّمهم مناسك الحج بفعله وقوله، وأكمل الله به الدين. وكانت توديعًا للأمة، فسُمّيت «حجة الوداع».

بعد أن تمهّدت الجزيرة ودخلت في الإسلام، أراد النبي ﷺ أن يحجّ ويعلّم الناس مناسكهم، فأذّن في الناس بالحج في السنة العاشرة، فاجتمع إليه خلقٌ عظيم قيل نحو مئة ألفٍ أو أكثر. فخرج من المدينة في ذي القعدة، وأحرم من ذي الحليفة بالحج والعمرة معًا (قارنًا)، ولبّى بتلبيته المشهورة: «لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك». فلمّا قدم مكة طاف وسعى، ثم خرج إلى منى فعرفة، فوقف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة على راحلته القصواء، وخطب الناس خطبة الوداع العظيمة. ثم دفع إلى مزدلفة فبات بها، ثم إلى منى فرمى ونحر وحلق وطاف طواف الإفاضة، وعلّم الناس مناسكهم قولًا وفعلًا، وكان يقول: «خذوا عنّي مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحجّ بعد حجّتي هذه». فكانت حجّته الوحيدة بعد الهجرة، وفيها أكمل الله الدين، وودّع النبي ﷺ أمته تلميحًا، فسُمّيت «حجة الوداع» و«حجة البلاغ» و«حجة الإسلام».

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 478
  • — صحيح مسلم، كتاب الحج
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 601
العهد المدني المدينة المتأخرة 632 CE

خطبة الوداع

📍 عرفة، مكة المكرمة

خطب النبي ﷺ في حجة الوداع يوم عرفة خطبةً جامعة قرّر فيها أصول الإسلام: حرمة الدماء والأموال والأعراض، وإبطال الربا والثأر الجاهلي، والوصية بالنساء، والأخوّة والمساواة، والاعتصام بكتاب الله، وأشهد الله على بلاغه.

في يوم عرفة من حجة الوداع، وقف النبي ﷺ على راحلته في وادٍ بعرفة، فخطب الناس خطبةً جامعةً عظيمة، بلّغها عنه من يردّدها على الجموع. افتتحها بحمد الله، ثم قرّر فيها قواعد الإسلام الكبرى: فأعلن حرمة الدماء والأموال والأعراض: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». وأبطل ربا الجاهلية ووضع أول ربًا يضعه ربا عمّه العباس، وأبطل دماء الجاهلية وبدأ بدم ابن ربيعة. وأوصى بالنساء خيرًا: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله». وقرّر أخوّة المسلمين ومساواتهم: «لا فضل لعربيّ على عجميّ إلا بالتقوى». وحذّر من الشيطان، وأمر بالاعتصام بكتاب الله: «وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله». ثم أشهد الله على أنه بلّغ، فجعل يقول: «ألا هل بلّغت؟»، فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء ويقول: «اللهم اشهد». فكانت خطبةً جامعةً لأصول الدين وحقوق الإنسان، ووثيقةً خالدة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 480
  • — صحيح مسلم، كتاب الحج
  • — مسند أحمد
العهد المدني المدينة المتأخرة 632 CE

نزول آية «اليوم أكملت لكم دينكم»

📍 عرفة، مكة المكرمة

نزل قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ يوم عرفة في حجة الوداع، إيذانًا بكمال الدين وتمام النعمة. فبكى عمر لمّا سمعها، إذ فهم أنها إيذانٌ بقرب أجل النبي ﷺ.

بينما النبي ﷺ واقفٌ بعرفة يوم الجمعة في حجة الوداع، أنزل الله عليه قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾. فكانت إعلانًا بأن الله قد أكمل للأمة دينها شرعًا وعقيدةً وأحكامًا، وأتمّ عليها نعمته بالهداية والتمكين وفتح مكة وظهور الإسلام، ورضي لها الإسلام دينًا لا يقبل سواه. وقد عرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما وراء هذه الآية من المعنى، فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان»، أي أن كمال الدين وتمام النعمة إيذانٌ بقرب انتهاء مهمة النبي ﷺ ودنوّ أجله. وقد جاء في الحديث أن يهوديًّا قال لعمر: لو علينا نزلت هذه الآية لاتّخذنا يومها عيدًا، فقال عمر: قد نزلت في يوم عيدين: يوم جمعةٍ ويوم عرفة. وتُوفّي النبي ﷺ بعدها بنحو ثمانين يومًا أو أقل، فكانت من آخر ما نزل من الأحكام.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب الإيمان
  • — تفسير ابن كثير
العهد المدني المدينة المتأخرة 632 CE

بداية مرض النبي ﷺ

📍 المدينة المنورة

في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة بدأ بالنبي ﷺ وجع الموت، فاشتكى رأسه وحُمّ، واشتدّ به المرض، فاستأذن أزواجه أن يُمرّض في بيت عائشة فأذنّ له، فمكث فيه أيامًا يعالج سكرات الموت.

بعد رجوع النبي ﷺ من حجة الوداع بأشهر، في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة، بدأت عليه أعراض المرض الذي توفّي فيه. خرج ليلًا إلى البقيع فاستغفر لأهله، ثم رجع فبدأ به الصداع والحمّى الشديدة، حتى كان يُوضع عليه الماء البارد ليُخفّف عنه. واشتدّ به الوجع وهو يدور على بيوت نسائه، فلمّا ثقُل عليه ذلك استأذنهنّ أن يُمرّض في بيت عائشة رضي الله عنها، فأذنّ له. فخرج إليه يُهادى بين رجلين (العباس وعليّ) تخطّ قدماه الأرض من شدة الضعف، حتى دخل بيت عائشة. ومع شدة المرض كان ﷺ يصبر ويحتسب، ويذكّر بقرب أجله، ويوصي بالصلاة وما ملكت الأيمان، ويقول: «إن الله خيّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله»، ففهم أبو بكر أنه يعني نفسه فبكى. وكان من آخر ما أوصى به: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم».

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 488
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
العهد المدني المدينة المتأخرة 632 CE

تقديم أبي بكر للصلاة

📍 المسجد النبوي، المدينة المنورة

لمّا اشتدّ المرض بالنبي ﷺ ولم يستطع إمامة الناس، أمر أن يصلّي أبو بكر بالناس، فصلّى بهم أيام مرضه. فكان ذلك إشارةً إلى تقديمه وأهليته للخلافة من بعده، إذ رضيه النبي ﷺ لدينهم.

لمّا ثقُل النبي ﷺ في مرضه وعجز عن الخروج لإمامة الناس في الصلاة، أمر أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يصلّي بالناس، فقال: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس». فراجعته عائشة شفقةً على أبيها من تأثّره ورقّة قلبه ومن أن يتشاءم الناس به، وأشارت بعمر، فأبى النبي ﷺ وأكّد: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس، فإنكنّ صواحب يوسف». فصلّى أبو بكر بالناس بقية أيام مرض النبي ﷺ، نحو سبع عشرة صلاة. وفي بعض الصلوات وجد النبي ﷺ خفّةً فخرج يُهادى بين رجلين، فأراد أبو بكر أن يتأخّر، فأشار إليه النبي ﷺ أن مكانك، وجلس عن يسار أبي بكر يأتمّ به الناس وأبو بكر يأتمّ بالنبي ﷺ ويُسمع الناس التكبير. وقد فهم الصحابة من تقديم النبي ﷺ لأبي بكر في الصلاة — وهي عماد الدين — رضاه به للإمامة الكبرى، فكان ذلك من أقوى ما احتجّوا به على خلافته بعد وفاته ﷺ، وقالوا: «رضيه النبي ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟».

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 490
  • — صحيح البخاري، كتاب الأذان
العهد المدني المدينة المتأخرة 632 CE

وفاة النبي ﷺ

📍 بيت عائشة، المدينة المنورة

تُوفّي النبي ﷺ يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ضحى، في بيت عائشة رضي الله عنها وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة. فكان آخر كلامه: «بل الرفيق الأعلى». فحزن المسلمون حزنًا عظيمًا، وثبّتهم أبو بكر.

في صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وجد النبي ﷺ خفّةً، فكشف ستر حجرة عائشة ونظر إلى المسلمين يصلّون صفوفًا خلف أبي بكر، فتبسّم وكاد المسلمون يفتنون فرحًا، وأشار إليهم أن أتمّوا صلاتكم. ثم رجع واشتدّ به الوجع في ضحى ذلك اليوم. وكان رأسه الشريف بين سحر عائشة ونحرها، وكان بين يديه قدحٌ فيه ماء يدخل يديه فيمسح وجهه ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». ثم جعل يرفع إصبعه إلى السماء ويقول: «اللهم الرفيق الأعلى»، يكرّرها، حتى قُبضت روحه الشريفة ﷺ وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة. فلمّا شاع الخبر، اضطرب المسلمون اضطرابًا شديدًا، حتى أنكر عمر بن الخطاب الوفاة من شدة الصدمة وقال: لم يمت. فأقبل أبو بكر الصديق فكشف عن وجه النبي ﷺ وقبّله وقال: «طبتَ حيًّا وميتًا»، ثم خرج إلى الناس فثبّتهم بكلمته الخالدة: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت»، وتلا قوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 491
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 649
العهد المدني المدينة المتأخرة 632 CE

الغسل والصلاة عليه ودفنه

📍 الحجرة النبوية، المدينة المنورة

غُسّل النبي ﷺ في ثيابه على يد عليّ والعباس وأبنائه، ثم صلّى عليه المسلمون أفرادًا بلا إمام، ودُفن في حجرة عائشة في الموضع الذي قُبض فيه، بعد أن قال أبو بكر إن الأنبياء يُدفنون حيث يموتون.

لمّا ثبتت وفاة النبي ﷺ، تولّى أمر غسله أهل بيته: عليّ بن أبي طالب، والعباس وابناه الفضل وقثم، وأسامة بن زيد وشُقران مولاه، وغسّلوه ﷺ ولم يجرّدوه من ثيابه بل غسّلوه وعليه قميصه، إكرامًا له، ووجدوا منه أطيب الرائحة. ثم كُفّن في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة ليس فيها قميصٌ ولا عمامة. ثم دخل الناس يصلّون عليه أرسالًا (أفرادًا وجماعاتٍ صغيرة) بلا إمامٍ واحد، إجلالًا لمقامه، فصلّى عليه الرجال ثم النساء ثم الصبيان. واختلف الصحابة في موضع دفنه، حتى روى أبو بكر عن النبي ﷺ قوله: «ما قبض الله نبيًّا إلا دُفن حيث يُقبض»، فرفعوا فراشه الذي تُوفّي عليه في حجرة عائشة وحفروا تحته. وكان دفنه ﷺ ليلة الأربعاء (أو الثلاثاء)، تولّى إنزاله في قبره أهل بيته ومواليه. ودُفن في حجرة عائشة، حيث دُفن بعده صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فصار الموضع أشرف بقعةٍ على وجه الأرض.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 493
  • — صحيح البخاري، كتاب الجنائز
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 662
العهد المدني المدينة المتأخرة 632 CE

موقف أبي بكر بعد الوفاة

📍 المسجد النبوي، المدينة المنورة

لمّا اضطرب المسلمون لوفاة النبي ﷺ وأنكر عمر موته، أقبل أبو بكر فثبّتهم بكلمته العظيمة: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت»، فثاب الناس إلى رشدهم. ثم بُويع بالخلافة في سقيفة بني ساعدة.

كان وقع وفاة النبي ﷺ على المسلمين عظيمًا، فمنهم من دُهش فلم يستطع الكلام، ومنهم من أُقعد، ومنهم من أنكر الوفاة كعمر بن الخطاب الذي قام يقول: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ مات، وإنه والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى. فأقبل أبو بكر الصديق رضي الله عنه — وكان غائبًا في منزله بالسُّنح — فدخل على النبي ﷺ فكشف عن وجهه وقبّله وبكى وقال: «بأبي أنت وأمي، طبتَ حيًّا وميتًا». ثم خرج إلى الناس والمسجد يموج، فقام خطيبًا وثبّتهم، فحمد الله وقال كلمته الفاصلة: «أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت»، ثم تلا: ﴿وما محمد إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم﴾. فلمّا سمعها الناس كأنهم لم يعلموا أنها نزلت حتى تلاها، فتلقّوها منه، وسقطت من يد عمر حتى عرف أن النبي ﷺ قد مات. ثم اجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة وتشاوروا في الخلافة، فبايعوا أبا بكر الصديق خليفةً لرسول الله ﷺ، فاجتمعت عليه الكلمة، وأنفذ جيش أسامة، وقاتل المرتدّين، فحفظ الله به الدين.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 492
  • — صحيح البخاري، كتاب المغازي
  • — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 655