— the prophetic biography

السيرة النبوية

47 حدث من حياة النبي محمد ﷺ

الكل العهد المكي الهجرة العهد المدني
العهد المكي قبل البعثة 570 CE

عام الفيل

📍 مكة المكرمة

في العام الذي وُلد فيه النبي محمد ﷺ زحف أبرهة الحبشي حاكم اليمن بجيشٍ فيه الفيلة قاصدًا هدم الكعبة وصرف العرب عن حجها إلى كنيسته في صنعاء. فلما بلغ مشارف مكة بَرَك الفيل وامتنع عن دخول الحرم، وأرسل الله عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارةٍ من سجّيل فأهلكتهم، فصار العام يُؤرَّخ به ويُعرف بعام الفيل.

بنى أبرهة بن الصبّاح الأشرم، نائب النجاشي على اليمن، كنيسةً عظيمةً في صنعاء سمّاها «القُلَّيس» ليصرف إليها حجّ العرب. فلمّا أهانها بعضهم أقسم أن يهدم الكعبة، فجهّز جيشًا ضخمًا تتقدّمه الفيلة. ولمّا قارب مكة أرسل من نهب أطرافها فأُخذت مئتا بعير لعبد المطلب جدّ النبي ﷺ، فخرج إليه عبد المطلب يطلب إبله، فتعجّب أبرهة من اهتمامه بها دون الكعبة، فأجابه: «أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربًّا سيمنعه». وأمر قريشًا بالخروج إلى الجبال، فلمّا توجّه الجيش إلى مكة بَرَك الفيل «محمود» وامتنع عن التقدّم، فأرسل الله عليهم طيرًا أبابيل تحمل حجارةً من سجّيل فجعلتهم كعصفٍ مأكول، وأصيب أبرهة فمات منصرفًا. وذكر الله ذلك في سورة الفيل.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 41
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 43
العهد المكي قبل البعثة 570 CE

المولد الشريف

📍 مكة المكرمة

وُلد النبي محمد ﷺ بمكة في عام الفيل، يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وكان أبوه عبد الله قد توفي قبل مولده، فوُلد يتيمًا. وكفله جدّه عبد المطلب الذي فرح به فرحًا عظيمًا، وسمّاه «محمدًا»، وطاف به الكعبة شاكرًا لله.

وُلد النبي ﷺ في مكة سنة 570م تقريبًا، في عام الفيل، يوم الاثنين، والمشهور عند الجمهور أنه الثاني عشر من ربيع الأول. كان أبوه عبد الله بن عبد المطلب قد توفي وأمه آمنة بنت وهب حامل به، فوُلد يتيم الأب. ولمّا وُلد أرسلت أمه إلى جدّه عبد المطلب تبشّره، فجاء مسرورًا وأدخله الكعبة ودعا الله وشكره، وسمّاه «محمدًا» وهو اسمٌ لم يكن مألوفًا عند العرب آنذاك. وقد رافقت ولادته إرهاصاتٌ ذكرتها كتب السيرة. واختلف العلماء في تحديد يوم مولده وشهره، والمشهور الثاني عشر من ربيع الأول، وقيل التاسع.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 45
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 158
  • — البداية والنهاية لابن كثير، ج2
العهد المكي قبل البعثة 570 CE

رضاعة حليمة السعدية

📍 بادية بني سعد

جرت عادة العرب أن يسترضعوا أبناءهم في البادية، فأخذت حليمة السعدية النبيَّ ﷺ رضيعًا إلى ديار بني سعد. وقد رأت من البركة في عيشها وغنمها ما لم تعهده، فبقي عندها نحو أربع سنين تنعم بخيره ﷺ قبل أن تردّه إلى أمه.

كان من عادة أشراف العرب بمكة أن يدفعوا أبناءهم إلى مراضع البادية ليشبّوا أقوياء فصحاء بعيدًا عن أمراض الحاضرة. فقدمت نساءٌ من بني سعد بن بكر يلتمسن الرضعاء، فلم ترغب إحداهن أوّلًا في أخذ النبي ﷺ لأنه يتيم لا يُرجى من أهله عطاء. ولمّا لم تجد حليمة بنت أبي ذؤيب غيره أخذته، فرأت البركة تحلّ بها: درَّ ضرعُ شاتها، وامتلأ ثديها، وسمنت دابّتها بعد هزال. فبقي عندها في بني سعد نحو أربع سنين ينعم أهلها ببركته، حتى حدثت حادثة شقّ الصدر فردّته إلى أمه آمنة.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 46
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 162
العهد المكي قبل البعثة 574 CE

شق الصدر الأول

📍 بادية بني سعد

بينما كان النبي ﷺ صغيرًا في بني سعد، أتاه جبريل عليه السلام فشقّ صدره الشريف واستخرج منه علقةً وقال إنها حظّ الشيطان منه، ثم غسل قلبه وأعاده. ففزعت حليمة على ابنها وردّته إلى أمه خشيةً عليه.

روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام أتى النبيَّ ﷺ وهو يلعب مع الغلمان في بني سعد، فأخذه فصرعه وشقّ عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقةً وقال: «هذا حظّ الشيطان منك»، ثم غسله في طستٍ من ذهبٍ بماء زمزم، ثم لأمه وأعاده مكانه. وجاء الغلمان إلى أمه — يعني ظئره حليمة — يقولون: قد قُتل محمد، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. وقد خافت حليمة من تبعة ما حدث فردّته إلى أمه آمنة بمكة. وهذه أولى حوادث شقّ الصدر، وتكرر قبل الإسراء.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 47
  • — صحيح مسلم، كتاب الإيمان
العهد المكي قبل البعثة 576 CE

وفاة أمه آمنة بالأبواء

📍 الأبواء

لمّا بلغ النبي ﷺ نحو السادسة، خرجت به أمه آمنة إلى المدينة لتزور أخواله وقبر أبيه، فلمّا رجعت توفيت في الطريق بمكان يُقال له الأبواء بين مكة والمدينة، فعاد ﷺ يتيم الأب والأم.

خرجت آمنة بنت وهب بابنها محمد ﷺ — وهو ابن ست سنين تقريبًا — من مكة إلى يثرب (المدينة) لتزور أخواله من بني عدي بن النجار وتزور قبر زوجها عبد الله المدفون هناك، ومعهم الحاضنة أم أيمن. فأقامت بالمدينة شهرًا، ثم رجعت بها، فلمّا بلغت الأبواء — وهو موضعٌ بين مكة والمدينة — مرضت وتوفيت ودُفنت هناك. فصار النبي ﷺ يتيمًا فاقدًا للأبوين، وعادت به أم أيمن إلى مكة حيث كفله جدّه عبد المطلب.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 47
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 168
العهد المكي قبل البعثة 578 CE

وفاة جده عبد المطلب

📍 مكة المكرمة

بعد وفاة أمه كفل النبيَّ ﷺ جدّه عبد المطلب وأحاطه بعطفٍ ورعاية، وكان يؤثره على أبنائه. فلمّا بلغ النبي ﷺ نحو الثامنة توفي جدّه، فانتقلت كفالته إلى عمه أبي طالب بوصيةٍ من عبد المطلب.

تولّى عبد المطلب بن هاشم كفالة حفيده محمد ﷺ بعد وفاة أمه، وكان يحبّه حبًّا شديدًا ويقدّمه على أبنائه، حتى إنه كان يجلسه على فراشه عند الكعبة. فلمّا بلغ النبي ﷺ نحو الثامنة من عمره توفي عبد المطلب بمكة وهو ابن نحو ثمانين سنة أو أكثر. وقد أوصى قبل موته بكفالة محمد ﷺ إلى ابنه أبي طالب — شقيق عبد الله والد النبي لأبيه وأمه — فقام أبو طالب بكفالته خير قيام.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 48
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 168
العهد المكي قبل البعثة 578 CE

كفالة عمه أبي طالب

📍 مكة المكرمة

بعد وفاة عبد المطلب كفل النبيَّ ﷺ عمه أبو طالب، فأحسن كفالته وقدّمه على أولاده، وظلّ يحوطه بالرعاية والحماية حتى بعد البعثة، ووقف في وجه قريش يدفع عنه الأذى وإن لم يدخل في الإسلام.

قام أبو طالب بكفالة ابن أخيه محمد ﷺ بعد موت عبد المطلب، وكان يحبّه حبًّا عظيمًا لا يحبّه مثله أحدًا من ولده، فكان يقدّمه عليهم في الطعام والمنام والرعاية، ويلمس فيه بركةً ظاهرة. ورغم فقره وكثرة عياله بذل له ما يستطيع. وامتدّت رعايته للنبي ﷺ سنين طويلة، حتى بعد البعثة، إذ ظلّ يدافع عنه أمام قريش ويمنعهم من إيذائه، وتحمّل في سبيل ذلك مقاطعة بني هاشم في الشِّعب، وبقي على ذلك حتى وفاته في العام العاشر من البعثة، وإن لم يُعلن إسلامه.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 48
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 180
العهد المكي قبل البعثة 582 CE

سفره إلى الشام مع عمه ولقاء الراهب بحيرى

📍 بُصرى، الشام

لمّا بلغ النبي ﷺ نحو الثانية عشرة خرج مع عمه أبي طالب في رحلة تجارة إلى الشام، فمرّوا ببُصرى حيث كان الراهب بحيرى. فعرف بحيرى علامات النبوة في الغلام من صفته وما رآه من الغمامة تظلّله، وأوصى عمه أن يحفظه من اليهود.

خرج أبو طالب في ركبٍ تاجرًا إلى الشام، فتعلّق به النبي ﷺ وهو غلامٌ في نحو الثانية عشرة، فأخذه معه. فلمّا نزلوا بُصرى من أرض الشام، كان بها راهبٌ نصراني يُعرف ببحيرى في صومعته، وكان عالمًا بكتب النصارى. فرأى الركب وقد أظلّت الغمامة الغلام دون غيره، فدعاهم إلى طعامٍ صنعه، وتأمّل النبيَّ ﷺ، وسأله عن أحواله، ونظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه، فعرف فيه صفة النبي المنتظر الموافقة لما عنده. فأقبل على أبي طالب يوصيه بحفظه والرجوع به، محذّرًا من أن يراه اليهود فيؤذوه. فأسرع أبو طالب بردّه إلى مكة.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 49
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 180
العهد المكي قبل البعثة 585 CE

شهوده حرب الفجار

📍 عكاظ، نجد

حرب الفجار حربٌ وقعت بين قريش وكنانة من جهة وقيس عيلان من جهة أخرى، سُمّيت بذلك لانتهاك حرمة الأشهر الحرم فيها. وشهدها النبي ﷺ وهو شابّ مع أعمامه، وكان دوره أن يردّ على أعمامه نبل العدوّ دون أن يقاتل.

حرب الفجار قتالٌ نشب بين قبيلتي قريش وكنانة من جهة، وقبيلة قيس عيلان (هوازن) من جهة أخرى، وسُمّيت «الفجار» لأنها وقعت في الأشهر الحرم فاستُحلّت حرمتها. حضرها النبي ﷺ وهو في نحو الخامسة عشرة أو العشرين مع أعمامه. وكان دوره محدودًا، إذ كان يجمع نبال العدوّ التي تُرمى نحو أعمامه ويناولهم إياها، ولم يثبت أنه قتل أحدًا. وقد ذكر ﷺ بعد ذلك أنه شهدها، وكانت من الحروب التي عرّفته بسوء الجاهلية وانتهاك الحرمات.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 50
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 184
العهد المكي قبل البعثة 585 CE

حلف الفضول

📍 مكة المكرمة

حلف الفضول حلفٌ عقدته قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان بعد حرب الفجار، تعاهدوا فيه على نصرة المظلوم بمكة وردّ الحقوق إلى أهلها. شهده النبي ﷺ وأثنى عليه بعد الإسلام، وقال إنه لو دُعي إلى مثله لأجاب.

بعد حرب الفجار، وعقب واقعةٍ ظُلم فيها رجلٌ من زبيد قدم مكة فاغتُصب حقّه، اجتمعت بطونٌ من قريش — بنو هاشم والمطلب وأسد وزهرة وتيم — في دار عبد الله بن جدعان التيمي، وتعاقدوا وتحالفوا على أن ينصروا كلّ مظلومٍ بمكة حتى تُردّ إليه مظلمته، وألا يتركوا ظالمًا. وحضر النبي ﷺ هذا الحلف وهو شابّ، وكان من أشرف الأحلاف وأعدلها. وقد أثنى عليه ﷺ بعد البعثة فقال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحبّ أن لي به حُمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت».

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 50
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 133
  • — مسند أحمد
العهد المكي قبل البعثة 595 CE

سفره بتجارة خديجة إلى الشام

📍 الشام

كانت خديجة بنت خويلد امرأةً تاجرةً ذات شرفٍ ومال، تستأجر الرجال في تجارتها. فلمّا بلغها صدق النبي ﷺ وأمانته دفعت إليه مالها ليتّجر به إلى الشام، فربح ربحًا عظيمًا، ورأى غلامها ميسرة منه عجبًا، فرغّبت في الزواج منه.

كانت خديجة بنت خويلد سيدةً من سيدات قريش، ذات مالٍ وشرف، تستأجر الرجال ليتّجروا بمالها مضاربةً. فلمّا سمعت بما عُرف عن محمد ﷺ من الصدق والأمانة وكرم الأخلاق، عرضت عليه أن يخرج بمالها تاجرًا إلى الشام، وأعطته أفضل ما كانت تعطي غيره، وأرسلت معه غلامها ميسرة. فسافر النبي ﷺ وباع واشترى وربح ربحًا وفيرًا فاق ما كانت ترجو. ورأى ميسرة في سفره من بركته وأخلاقه ما حدّث به خديجة، ومن ذلك ما رواه من تظليل الملكين له. فوقع ذلك في نفس خديجة وكان سببًا في رغبتها في الزواج منه.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 51
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 187
العهد المكي قبل البعثة 595 CE

الزواج من خديجة

📍 مكة المكرمة

تزوّج النبي ﷺ من خديجة بنت خويلد وهو في نحو الخامسة والعشرين وهي في نحو الأربعين، فكانت أول زوجاته وخير سندٍ له. ولم يتزوّج عليها حتى ماتت، وآزرته عند نزول الوحي، ووُلد له منها أكثر أولاده.

بعد أن رأت خديجة بنت خويلد من أمانة النبي ﷺ وحسن أخلاقه ما رأت، رغبت في الزواج منه، فعرضت عليه ذلك عن طريق صديقتها نفيسة بنت منية، فقبل النبي ﷺ وكلّم أعمامه. فخطبها إليه عمه أبو طالب، وتزوّجها وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة، وكانت هي في نحو الأربعين، ثيّبًا قد تزوّجت قبله. وكانت خديجة رضي الله عنها خير زوجة، عاقلةً شريفةً، آزرت النبي ﷺ وثبّتته يوم نزول الوحي بحراء. ولم يتزوّج عليها ما دامت حيّة وفاءً لها. ووُلد له منها جميع أولاده إلا إبراهيم: القاسم وعبد الله والبنات الأربع زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 52
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 189
العهد المكي قبل البعثة 605 CE

إعادة بناء الكعبة وقصة الحكم في الحجر الأسود

📍 مكة المكرمة

لمّا بلغ النبي ﷺ نحو الخامسة والثلاثين، أعادت قريش بناء الكعبة بعد أن أوهنها السيل، فتنازعوا فيمن يضع الحجر الأسود في موضعه حتى كادوا يقتتلون. فاتفقوا على تحكيم أول داخل، فكان النبيَّ ﷺ، فحكم بأن يضعوه في ثوبٍ ويرفعوه جميعًا، فرضوا بحكمه.

تصدّعت الكعبة بفعل السيول والحريق، فأجمعت قريش على هدمها وإعادة بنائها من مالٍ طيّب، فاقتسمت القبائل العمل. فلمّا بلغ البناء موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يكون له شرف وضعه في مكانه، واشتدّ النزاع حتى أعدّ بعضهم للقتال وتحالفوا. ثم اتفقوا على أن يحكّموا أول من يدخل عليهم من باب المسجد، فكان الداخل محمدًا ﷺ، فلمّا رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا به. فلمّا أخبروه أمر بثوبٍ، فوضع الحجر في وسطه، وأمر سادة القبائل أن يأخذ كلٌّ بطرفٍ منه فيرفعوه جميعًا، حتى إذا بلغوا موضعه أخذه ﷺ بيده فوضعه في مكانه. فحقن بذلك الدماء وأرضى الجميع، وظهرت حكمته ومكانته قبل البعثة.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 54
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 192
العهد المكي قبل البعثة 609 CE

التحنث في غار حراء

📍 غار حراء، جبل النور

قبيل البعثة حُبّب إلى النبي ﷺ الخلاء والعزلة، فكان يخلو بغار حراء في جبل النور الليالي ذوات العدد يتعبّد ويتفكّر، ويتزوّد لذلك. وكان ذلك تمهيدًا لنزول الوحي عليه، حتى جاءه الحقّ وهو في الغار.

لمّا قاربت سنّ النبي ﷺ الأربعين، حُبّب إليه الخلاء والانفراد بنفسه بعيدًا عن أهل مكة وما هم فيه من عبادة الأوثان وفساد الحياة. فكان يخرج إلى غار حراء في جبل النور القريب من مكة، فيخلو فيه الليالي ذوات العدد — وكانت تبلغ شهرًا أحيانًا — يتعبّد ويتحنّث، أي يتعبّد على ملّة إبراهيم بما يُلهَم من ذكرٍ وتفكّر. وكان يتزوّد لخلوته الطعام، فإذا نفد رجع إلى خديجة فتزوّده مثلها. واستمرّ على ذلك حتى فاجأه الوحي في الغار في شهر رمضان وهو ابن أربعين سنة، فكان التحنّث تهيئةً وتمهيدًا للنبوة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي
العهد المكي مكة المبكرة 610 CE

نزول الوحي

📍 غار حراء، جبل النور

بينما كان النبي ﷺ متعبّدًا في غار حراء في رمضان وهو ابن أربعين سنة، جاءه جبريل عليه السلام فقال له: «اقرأ»، فردّ ﷺ: «ما أنا بقارئ»، فغطّه ثلاثًا ثم تلا عليه أول ما نزل من القرآن: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. فرجع ﷺ يرجف فؤاده إلى خديجة، فثبّتته، وأخذته إلى ورقة بن نوفل فبشّره بأنه نبيّ هذه الأمة.

لمّا تمّ للنبي ﷺ أربعون سنة، وهو معتكفٌ يتحنّث في غار حراء في شهر رمضان، فاجأه الحقّ، فجاءه المَلَك جبريل عليه السلام فقال: «اقرأ»، قال ﷺ: «ما أنا بقارئ». فأخذه فغطّه — أي ضمّه وعصره — حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله، وكرّر ذلك ثلاثًا، ثم قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علّم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم﴾. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة فقال: «زمّلوني زمّلوني»، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرَّوع، وأخبرها الخبر وقال: «لقد خشيت على نفسي». فقالت خديجة كلمتها المشهورة في تثبيته: «كلّا والله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان امرأً تنصّر وقرأ الكتب، فأخبره النبي ﷺ بما رأى، فقال ورقة: «هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى»، وتمنّى أن يكون حيًّا حين يخرجه قومه. وبهذا بدأت النبوة.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 57
  • — صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 235
العهد المكي مكة المبكرة 610 CE

فترة الوحي

📍 مكة المكرمة

بعد نزول الوحي الأول احتبس الوحي مدةً، فحزن النبي ﷺ حزنًا شديدًا واشتاق إلى عودة جبريل. ثم رآه جبريل بين السماء والأرض، ونزلت سورة المدثر تأمره بالقيام للدعوة: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾، فتتابع الوحي بعد ذلك.

بعد أول لقاءٍ بجبريل في حراء، فتر الوحي وانقطع مدةً اختُلف في تقديرها، فأصاب النبيَّ ﷺ من ذلك حزنٌ وشوقٌ إلى تجدّد العهد بالوحي. ثم بينما هو يمشي سمع صوتًا من السماء، فرفع رأسه فإذا المَلَك الذي جاءه بحراء جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فرجع ﷺ مذعورًا وقال: «دثّروني دثّروني»، فأنزل الله: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبّر * وثيابك فطهّر * والرجز فاهجر﴾. فكان هذا إيذانًا ببدء مرحلة الإنذار والدعوة، وتتابع الوحي بعدها ولم ينقطع. وهذه «فترة الوحي» التي طمأن الله بعدها نبيّه ﷺ بقوله في سورة الضحى: ﴿ما ودّعك ربك وما قلى﴾.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 60
  • — صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي
العهد المكي مكة المبكرة 610 CE

السابقون الأولون إلى الإسلام

📍 مكة المكرمة

كان أول من آمن بالنبي ﷺ زوجه خديجة بنت خويلد من النساء، ومن الرجال أبو بكر الصديق، ومن الصبيان علي بن أبي طالب، ومن الموالي زيد بن حارثة. فكان هؤلاء السابقين الأولين إلى الإسلام الذين آمنوا في مطلع الدعوة.

لمّا بدأ النبي ﷺ يدعو إلى الإسلام، كان أسبق الناس إليه أهل بيته وأقرب أصحابه. فأول من آمن به على الإطلاق زوجه أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فصدّقته وثبّتته. وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فلم يتردّد حين عرض عليه النبي ﷺ الإسلام. وأول من أسلم من الصبيان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان غلامًا في كفالة النبي ﷺ. وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة رضي الله عنه، وكان مولى النبي ﷺ ومتبنّاه قبل تحريم التبنّي. وهؤلاء هم الطليعة الأولى من السابقين، آمنوا في أول الدعوة قبل أن يفشو أمرها.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 62
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 245
العهد المكي مكة المبكرة 610 CE

إسلام أبي بكر ومن أسلم على يديه

📍 مكة المكرمة

أسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول الدعوة، وكان رجلًا محبوبًا في قومه ذا مكانة، فلم يكتم إسلامه بل دعا إلى الله، فأسلم على يديه نفرٌ من خيار الصحابة، منهم عثمان بن عفان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله.

كان أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه رجلًا مألوفًا محبّبًا في قريش، سهلًا كريمًا، عالمًا بأنسابهم وأخبارهم، تاجرًا ذا خلقٍ ومال. فلمّا عرض عليه النبي ﷺ الإسلام أسلم من غير تردّد، فكان خير سندٍ للدعوة. ولم يقتصر على إيمانه، بل أخذ يدعو من يثق به ويأنس منه رشدًا، فأسلم على يديه جماعةٌ من السابقين الذين صاروا من العشرة المبشّرين بالجنة، منهم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم. فكان أبو بكر مفتاح خيرٍ لكثيرٍ من الناس في مطلع الإسلام، وبذل ماله وجاهه في نصرة الدعوة وعتق المستضعفين من المسلمين.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 62
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 250
العهد المكي مكة المبكرة 610-613 CE

الدعوة السرية

📍 مكة المكرمة

دعا النبي ﷺ إلى الإسلام في مطلع أمره سرًّا نحو ثلاث سنين، يعرضه على من يثق به من أهله وأصحابه، حذرًا من بطش قريش. فدخل في الإسلام في هذه المرحلة نفرٌ من السابقين كانوا نواة الجماعة المسلمة الأولى قبل الجهر بالدعوة.

حين بُعث النبي ﷺ كانت قريش على شركٍ متأصّل وعصبيةٍ شديدة، فاقتضت الحكمة أن تكون الدعوة في أولها سرًّا، تجنّبًا لمفاجأة قريش بما يثير عداءها قبل أن يقوى عود المسلمين. فكان النبي ﷺ يدعو من يرجو فيه خيرًا من أهله وأقاربه وخلصائه فردًا فردًا، ويعرض عليه الإسلام في كتمان. واستمرّت هذه المرحلة نحو ثلاث سنين، أسلم خلالها نفرٌ من السابقين الأولين رجالًا ونساءً، وكانوا يستخفون بعبادتهم ويصلّون في شعاب مكة بعيدًا عن أعين قريش. وقد بلغ عدد من أسلم في هذه الفترة بضعةً وثلاثين أو أكثر، فكوّنوا نواة المجتمع المسلم الأول، حتى أُمر النبي ﷺ بالجهر بالدعوة.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 63
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 262
العهد المكي مكة المبكرة 614 CE

دار الأرقم بن أبي الأرقم

📍 دار الأرقم، الصفا، مكة المكرمة

اتّخذ النبي ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي عند الصفا مقرًّا يجتمع فيه بالمسلمين سرًّا، يعلّمهم القرآن وأمور دينهم، بعيدًا عن أذى قريش. وفيها أسلم كثيرٌ من السابقين، فكانت أول مدرسةٍ في الإسلام.

في مرحلة الدعوة السرية، اتّخذ النبي ﷺ من دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي — وكانت في أصل جبل الصفا قريبًا من المسجد الحرام — مركزًا يلتقي فيه بأصحابه، يقرئهم القرآن، ويفقّههم في الدين، ويربّيهم على الإيمان، في خفاءٍ عن قريش. وكان موقعها ومكانة صاحبها يجعلانها أنسب مكانٍ للاجتماع دون أن تثير الريبة، إذ كان الأرقم فتى حدثًا لا يُظنّ به الميل إلى محمد ﷺ. وفي هذه الدار أسلم خلقٌ كثير من السابقين، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المشهور. فكانت دار الأرقم بمثابة أول دارٍ للدعوة ومدرسةٍ تربّى فيها الجيل الأول من المسلمين.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 63
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 264
العهد المكي مكة الوسطى 613 CE

آية «وأنذر عشيرتك الأقربين» ودعوة الصفا

📍 جبل الصفا، مكة المكرمة

لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، صعد النبي ﷺ جبل الصفا فنادى بطون قريش، وسألهم: لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقيّ؟ قالوا: نعم، فأنذرهم عذاب الله، فردّ عليه عمّه أبو لهب بالكلمة المشهورة.

حين أُمر النبي ﷺ بإنذار أقربيه بقوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، صعد على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي» لبطون قريش، حتى اجتمعوا إليه. فقال لهم: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدّقيّ؟»، قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلا صدقًا. قال: «فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد». فقال أبو لهب: «تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟»، فأنزل الله سورة المسد: ﴿تبّت يدا أبي لهب وتب﴾. وقد جمعهم النبي ﷺ كذلك بطونًا بطونًا يدعوهم إلى التوحيد ويحذّرهم من الشرك، فكانت دعوة الصفا أول إعلانٍ عامّ للدعوة بعد سنوات السرية.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 65
  • — صحيح البخاري، كتاب التفسير
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 280
العهد المكي مكة الوسطى 613 CE

الجهر بالدعوة

📍 مكة المكرمة

بعد ثلاث سنين من الدعوة السرية، أمر الله نبيَّه ﷺ بالصدع بالدعوة والجهر بها بقوله: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾. فجهر النبي ﷺ بالتوحيد، وعاب آلهة قريش، ودعا الناس علانيةً إلى عبادة الله وحده.

لمّا مضت سنوات الدعوة السرية وتكوّنت نواةٌ صلبةٌ من المؤمنين، نزل أمر الله بالجهر بالدعوة في قوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾، وقوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. فبدأ النبي ﷺ يدعو إلى الإسلام علانيةً في نوادي قريش ومجامعها، يتلو القرآن، ويدعو إلى توحيد الله ونبذ عبادة الأصنام، ويبيّن بطلان ما كان عليه الآباء. وكان يعرض نفسه على القبائل، ويصدع بالحق غير هيّابٍ ولا وَجِل. وعند هذا الجهر تغيّر موقف قريش، وانتقلوا من التغافل إلى المواجهة والعداء، لمّا مسّت الدعوة آلهتهم وموروثهم.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 64
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 280
العهد المكي مكة الوسطى 613 CE

موقف قريش وسخريتها

📍 مكة المكرمة

لمّا جهر النبي ﷺ بالدعوة وعاب آلهة قريش، قابلوه بالاستهزاء والتكذيب، فرموه بالسحر والجنون والكهانة والشعر، وآذوه بالقول، وأغروا به سفهاءهم، وحاولوا صرف الناس عنه بشتى الوسائل.

حين أعلن النبي ﷺ دعوته وسفّه أحلام قريش وعاب آلهتهم، اشتدّ نكيرهم وانتقلوا إلى محاربته. فسلكوا في ذلك وسائل شتى: الاستهزاء والسخرية والتكذيب، فوصفوه بالساحر والكاهن والمجنون والشاعر، كما حكى القرآن عنهم. وأثاروا الشبهات حول القرآن، وعارضوه بأساطير الأولين، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم يؤذونه في الطريق. ومشى أشرافهم إلى أبي طالب يطلبون منه أن يكفّ ابن أخيه، فأبى النبي ﷺ قائلًا كلمته: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه». فلمّا عجزوا عن السخرية انتقلوا إلى الإيذاء والتعذيب.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 70
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 282
العهد المكي مكة الوسطى 614 CE

تعذيب الضعفاء من الصحابة

📍 مكة المكرمة

لمّا عجزت قريش عن النيل من النبي ﷺ لحماية بني هاشم له، انصبّ بطشها على المستضعفين من المسلمين، لا سيّما الموالي والعبيد ومن لا عشيرة لهم تحميه، فعذّبوهم بأنواع العذاب ليردّوهم عن دينهم.

حين رأت قريش انتشار الإسلام وعجزها عن النيل من النبي ﷺ بسبب منعة بني هاشم وأبي طالب، أخذ كلّ بطنٍ من بطون قريش يعذّب من أسلم من قومه ومواليه. فوقع أشدّ العذاب على المستضعفين الذين لا عشائر لهم تذود عنهم، من العبيد والموالي وضعفاء الناس. فكانوا يُعذّبون بالضرب والتجويع والتعطيش، ويُلقَون على الرمضاء في حرّ الهجير، ويُلبَسون أدراع الحديد في الشمس، ويُكوون بالنار، ليُفتنوا عن دينهم. فصبر كثيرٌ منهم صبرًا عظيمًا وثبتوا على الإيمان، وكان النبي ﷺ يمرّ بهم فيثبّتهم ويبشّرهم بالجنة، كما قال لآل ياسر: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة».

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 72
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 317
العهد المكي مكة الوسطى 614 CE

قصة بلال وسمية وياسر وعمار

📍 مكة المكرمة

من أشهر من عُذّب في الله بلال بن رباح الذي كان يُلقى على الرمضاء ويوضع على صدره الحجر وهو يقول: «أحدٌ أحد»، حتى اشتراه أبو بكر فأعتقه. وآل ياسر — ياسر وزوجه سمية وابنه عمار — عُذّبوا أشدّ العذاب، فكانت سميّة أول شهيدةٍ في الإسلام.

كان بلال بن رباح الحبشي مولى لأمية بن خلف، فلمّا أسلم أخرجه سيّده إلى رمضاء مكة في شدة الحرّ، وألقاه على ظهره ووضع على صدره الصخرة العظيمة، وقال له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، فيأبى ويقول: «أحدٌ أحد». فمرّ به أبو بكر الصديق فاشتراه وأعتقه في الله. وأما آل ياسر فكانوا حلفاء بني مخزوم: ياسر بن عامر، وزوجه سمية بنت خياط، وابنهما عمار. عُذّبوا في بطحاء مكة في حرّ الرمضاء ليرجعوا عن دينهم، وكان النبي ﷺ يمرّ بهم فيقول: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». فأما سميّة فطعنها أبو جهل بحربةٍ فقتلها، فكانت أول شهيدةٍ في الإسلام. ومات ياسر تحت العذاب، وبقي عمار رضي الله عنه، فأُكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان، فنزل فيه قوله تعالى: ﴿إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 72
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 317
العهد المكي مكة الوسطى 615 CE

الهجرة الأولى إلى الحبشة

📍 الحبشة (مملكة أكسوم)

لمّا اشتدّ أذى قريش على المسلمين، أذن لهم النبي ﷺ بالهجرة إلى الحبشة، إذ بها ملكٌ عادلٌ لا يُظلم عنده أحد. فخرج في رجب من السنة الخامسة للبعثة نحو خمسة عشر من المسلمين — أحد عشر رجلًا وأربع نسوة — على رأسهم عثمان بن مظعون، وكانت أول هجرةٍ في الإسلام.

حين عظم بلاء المسلمين بمكة واشتدّ تعذيب قريش لهم، قال لهم النبي ﷺ: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه». فخرج في رجب من السنة الخامسة من البعثة (نحو 615م) فوجٌ من المسلمين، عدّتهم نحو أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، فيهم عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت النبي ﷺ، وعليهم عثمان بن مظعون. خرجوا مستخفين إلى ساحل البحر عند الشُّعيبة، فركبوا سفينتين إلى الحبشة، فأمنوا على دينهم وعبدوا الله في أمان. وقد تتبّعتهم قريش إلى الساحل فلم تدركهم. وهذه أول هجرةٍ في الإسلام فرارًا بالدين.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 76
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 321
العهد المكي مكة الوسطى 615 CE

وفد قريش إلى النجاشي

📍 الحبشة (مملكة أكسوم)

لمّا علمت قريش بأمان المسلمين عند النجاشي، أرسلت وفدًا فيه عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بالهدايا إلى النجاشي وبطارقته، يطلبون ردّ المهاجرين، زاعمين أنهم سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك.

لمّا رأت قريش أن المسلمين قد أمنوا واستقرّوا في الحبشة، شقّ عليها ذلك، فأجمعت أن تبعث إلى النجاشي من يردّهم إليها. فاختارت رجلين جلدين هما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وحمّلتهما الهدايا النفيسة إلى النجاشي وإلى بطارقته (حاشيته من القساوسة) ليكسبوا ودّهم. فقدّموا الهدايا للبطارقة أولًا واستمالوهم، ثم قدّموا للنجاشي هداياه، وقالوا له: إنه قد ضوى إلى بلدك غلمانٌ سفهاءُ فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدينٍ مبتدع، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم لتردّهم. وأيّد البطارقة كلامهم. لكن النجاشي أبى أن يسلّمهم حتى يسمع منهم.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 76
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 334
  • — مسند أحمد
العهد المكي مكة الوسطى 615 CE

موقف النجاشي وحكمه

📍 الحبشة (مملكة أكسوم)

دعا النجاشي المسلمين فتكلّم باسمهم جعفر بن أبي طالب، فبيّن حالهم في الجاهلية وما جاءهم به النبي ﷺ، وتلا عليه صدرًا من سورة مريم، فبكى النجاشي وأساقفته، وردّ هدايا قريش، وأبى أن يسلّم المسلمين، فأمنوا في جواره.

أرسل النجاشي إلى المسلمين فدعاهم، وسألهم عن دينهم، فتقدّم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فتكلّم باسمهم فقال كلمته البليغة: «أيها الملك، كنّا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد من دونه...». ثم سأله النجاشي أن يقرأ عليه مما جاء به نبيّهم، فقرأ جعفر صدرًا من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته. فقال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاةٍ واحدة. ثم ردّ على عمرو بن العاص ورفيقه هداياهما، وأبى أن يسلّم المسلمين، وأمّنهم في أرضه، فأقاموا عنده بخير دار. وأسلم النجاشي بعد ذلك، وصلّى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب حين مات.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 77
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 334
العهد المكي مكة الوسطى 615 CE

إسلام حمزة بن عبد المطلب

📍 مكة المكرمة

أسلم حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي ﷺ غضبًا حين بلغه أن أبا جهل شتم النبيَّ ﷺ وآذاه، فضربه حمزة بقوسه وأعلن إسلامه، فكان إسلامه عزًّا للمسلمين، إذ كان من أشراف قريش وأشدّائها.

كان حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي ﷺ وأخاه من الرضاعة، من أعزّ فتيان قريش وأشدّهم، وكان صاحب صيدٍ ورمي. وفي يومٍ مرّ أبو جهل بالنبي ﷺ عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه، والنبي ﷺ ساكت، فرأت ذلك مولاةٌ لعبد الله بن جدعان. فلمّا أقبل حمزة من قنصه متوشّحًا قوسه، أخبرته المولاة بما لقي ابن أخيه من أبي جهل، فاحتمله الغضب، فأقبل حتى وقف على أبي جهل في نادي قريش فرفع قوسه فضربه بها ضربةً شجّته، وقال: «أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول؟ فردّ ذلك عليّ إن استطعت». فأراد رجالٌ من بني مخزوم نصرة أبي جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبًّا قبيحًا. فثبت حمزة على إسلامه، وكان إسلامه في نحو السنة السادسة، فعزّ به المسلمون، وكفّت قريش عن بعض ما كانت تنال من النبي ﷺ.

المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 291
العهد المكي مكة الوسطى 616 CE

إسلام عمر بن الخطاب

📍 مكة المكرمة

أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة السادسة للبعثة بعد أن خرج متقلّدًا سيفه يريد قتل النبي ﷺ، فوُجّه إلى بيت أخته فسمع القرآن، فلانَ قلبه، فجاء النبيَّ ﷺ فأسلم، فاستجاب الله دعوة نبيّه، وكان إسلامه فتحًا وعزًّا للإسلام.

كان النبي ﷺ قد دعا الله أن يعزّ الإسلام بأحبّ الرجلين إليه: أبي جهل أو عمر بن الخطاب. وكان عمر من أشدّ الناس على المسلمين، فخرج يومًا متقلّدًا سيفه يريد قتل النبي ﷺ، فلقيه نُعيم بن عبد الله فأخبره أن أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما، فرجع إلى أختها مغضبًا، فسمعها تقرأ صدرًا من سورة طه، فضربها وزوجها، ثم ندم لمّا رأى الدم، وطلب الصحيفة فقرأها، فلمّا قرأ ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ رقّ قلبه وقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه. فدُلّ على النبي ﷺ في دار الأرقم، فأتاه فأعلن إسلامه. فكبّر أهل الدار تكبيرةً سُمعت في المسجد الحرام. وكان إسلام عمر عزًّا للمسلمين، إذ جهروا بالصلاة عند الكعبة بعد أن كانوا مستخفين، وقال ابن مسعود: «ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر».

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 74
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 342
العهد المكي مكة الوسطى 616 CE

الهجرة الثانية إلى الحبشة

📍 الحبشة (مملكة أكسوم)

بعد عودة بعض مهاجري الحبشة الأولى ثم اشتداد أذى قريش من جديد، هاجر المسلمون إلى الحبشة هجرةً ثانية أكبر من الأولى، بلغوا نحو ثلاثٍ وثمانين رجلًا وعددًا من النساء، على رأسهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

كان بعض مهاجري الحبشة الأولى قد رجعوا إلى مكة لمّا بلغهم أن قريشًا أسلمت، فلمّا قدموها وجدوا الخبر غير صحيح، وأن أذى قريش قد اشتدّ من جديد. فأذن النبي ﷺ للمسلمين بالهجرة الثانية إلى الحبشة، فخرج فيها عددٌ أكبر من الأولى، بلغ نحو ثلاثة وثمانين رجلًا — على خلافٍ في العدد — ومعهم نحو ثمانٍ عشرة أو تسعَ عشرة امرأة، وكان أميرهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه. فأقاموا في الحبشة في جوار النجاشي وأمانه سنين، ولم يرجع أكثرهم إلا بعد فتح خيبر في المدينة. وهذه الهجرة الثانية كانت أوسع وأبقى من الأولى.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 78
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 322
العهد المكي مكة المتأخرة 616 CE

عروض قريش على أبي طالب

📍 مكة المكرمة

لمّا عجزت قريش عن ثني النبي ﷺ عن دعوته، مشت إلى عمّه أبي طالب مرارًا تطلب منه أن يكفّه أو يسلّمه إليهم، حتى عرضوا أن يبدلوه بأشدّ فتيانهم. فأبى أبو طالب خذلانه، وثبت النبي ﷺ على دعوته بكلمته المشهورة في الشمس والقمر.

حين رأت قريش إصرار النبي ﷺ على دعوته وانتشار الإسلام، فزعت إلى أبي طالب أكثر من مرة. جاؤوه أولًا يطلبون أن يكفّ ابن أخيه عن عيب آلهتهم، فلاطفهم أبو طالب ولم يسلّم النبيَّ ﷺ. ثم عادوا إليه ثانيةً يهدّدونه بالقتال إن لم يكفّه، فاشتدّ الأمر على أبي طالب، فأرسل إلى النبي ﷺ يقول له: «يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني... فأبقِ عليّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق». فظنّ النبي ﷺ أن عمّه خاذله، فقال كلمته الخالدة: «يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». ثم استعبر وقام، فناداه أبو طالب: «اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيءٍ أبدًا». وفي محاولةٍ أخرى عرضوا على أبي طالب أن يأخذ عُمارة بن الوليد — أشبّ فتى في قريش — ويسلّم إليهم محمدًا ليقتلوه، فأبى ذلك أشدّ الإباء.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 82
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 265
العهد المكي مكة المتأخرة 617 CE

الصحيفة وحصار شعب أبي طالب

📍 شعب أبي طالب، مكة المكرمة

لمّا أعيت قريشًا الحيل، تعاقدت على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب مقاطعةً شاملة: لا يبايعونهم ولا يناكحونهم ولا يكلّمونهم حتى يسلّموا النبيَّ ﷺ للقتل. وكتبوا بذلك صحيفةً علّقوها في الكعبة، فانحاز بنو هاشم إلى شعب أبي طالب، فحوصروا نحو ثلاث سنين.

لمّا يئست قريش من إيقاف الدعوة بالعروض والتهديد، اجتمع ملؤها وأبرموا ميثاقًا ظالمًا على بني هاشم وبني المطلب: ألا يناكحوهم ولا يزوّجوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم، ولا يجالسوهم ولا يكلّموهم، حتى يُسلموا إليهم رسول الله ﷺ ليقتلوه. وكتبوا بذلك صحيفةً، قيل كتبها منصور بن عكرمة، ودعوا عليها وعلّقوها في جوف الكعبة توكيدًا لها. فاضطرّ بنو هاشم وبنو المطلب — مسلمهم وكافرهم عصبيةً — إلى الانحياز إلى شعب أبي طالب، إلا أبا لهب فإنه ظاهر قريشًا عليهم. فحُصروا في الشعب نحو ثلاث سنين، ذاقوا فيها شدةً عظيمة من الجوع، حتى أكلوا أوراق الشجر والجلود، وسُمع بكاء الصبيان من الجوع، ولم يكن يصل إليهم شيءٌ إلا سرًّا من بعض من رقّ لهم. وكان النبي ﷺ يخرج في الموسم يدعو الناس وقريش تحذّرهم منه.

المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 83
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 350
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

نقض الصحيفة

📍 مكة المكرمة

بعد نحو ثلاث سنين من الحصار، قام نفرٌ من قريش رحموا بني هاشم ونقموا ظلم الصحيفة، فسعوا في نقضها. وأخبر النبي ﷺ عمَّه أن الله أرسل الأرضة على الصحيفة فأكلتها إلا اسم الله، فلمّا فُتحت وُجدت كما قال، فنُقضت المقاطعة.

طال أمد الحصار حتى بلغ بني هاشم الجهد، فتحرّكت النخوة في رجالٍ من قريش لم يرضوا بهذا الظلم، على رأسهم هشام بن عمرو الذي كان يُدخل الطعام إلى الشعب ليلًا سرًّا. فاجتمع هو وزهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأبو البختري وزمعة بن الأسود، وتعاهدوا على نقض الصحيفة، فقام زهير في الكعبة ينكر القطيعة علانية، وأيّده أصحابه. وفي تلك الأثناء كان الله قد أطلع نبيَّه ﷺ على أمر الصحيفة، فأخبر أبا طالب أن الله سلّط الأرضة (دودة الخشب) على صحيفتهم فأكلت كلّ ما فيها من قطيعةٍ وظلم، ولم تُبقِ إلا اسم الله. فخرج أبو طالب إلى قريش وأخبرهم بذلك وقال: إن كان كما قال ابن أخي فأنهوا قطيعتنا، وإن كان كاذبًا دفعته إليكم. فلمّا أنزلوا الصحيفة وفتحوها وجدوها كما قال النبي ﷺ، قد أكلتها الأرضة إلا لفظ الجلالة. فازداد المؤمنون يقينًا، وانتقض الحصار، وخرج بنو هاشم من الشعب.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 84
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 375
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

وفاة أبي طالب

📍 مكة المكرمة

بعد نقض الصحيفة بقليل توفي أبو طالب عمّ النبي ﷺ وحاميه، وكان النبي ﷺ يحبّه ويرجو إسلامه، فعرض عليه كلمة التوحيد عند موته، لكنه مات على ملّة قومه. فكان موته ثلمةً عظيمة، إذ جرّأ قريشًا على النبي ﷺ.

بعد خروج بني هاشم من الشعب بأشهرٍ قليلة، اشتدّ المرض بأبي طالب وحضرته الوفاة، وكان عمر النبي ﷺ نحو الخمسين، وذلك في السنة العاشرة من البعثة. فدخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال له: «يا عمّ، قل لا إله إلا الله، كلمةً أحاجّ لك بها عند الله»، فجعل أبو جهل وصاحبه يقولان له: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزالا به حتى كان آخر ما قال: هو على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال النبي ﷺ: «لأستغفرنّ لك ما لم أُنه عنك»، فأنزل الله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾، وأنزل: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾. وكان موت أبي طالب مصيبةً على الدعوة، إذ فقد النبي ﷺ حاميه الذي كان يذود عنه قريشًا، فاجترأت عليه بعد موته بما لم تكن تجترئ في حياته.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 85
  • — صحيح البخاري، كتاب الجنائز
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 416
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

وفاة خديجة وعام الحزن

📍 مكة المكرمة

بعد وفاة أبي طالب بأيامٍ يسيرة توفّيت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، أول من آمن بالنبي ﷺ وأعظم من آزره. فاجتمع على النبي ﷺ فقد ناصره وفقد زوجه في عامٍ واحد، فسُمّي «عام الحزن».

لم تمضِ على وفاة أبي طالب إلا أيامٌ قلائل — قيل نحو شهرٍ أو خمسةٍ وثلاثين يومًا — حتى توفّيت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وكانت في نحو الخامسة والستين من عمرها. وكانت خديجة أول من آمن بالنبي ﷺ وصدّقه، وآزرته بمالها ونفسها، وثبّتته يوم نزول الوحي، وواسته في أحلك الأوقات، وولدت له أكثر ولده، ولم يتزوّج عليها ما دامت حيّة. فكان فقدها مصيبةً عظيمة على النبي ﷺ، إذ فقد السكن والمؤازرة في البيت كما فقد الحماية في الخارج بموت أبي طالب. فاجتمع عليه الحزنان في عامٍ واحد، فعُرف ذلك العام بـ«عام الحزن». وقد عوّض الله نبيَّه ﷺ خيرًا، إذ بشّره جبريل لخديجة ببيتٍ في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب، وظلّ النبي ﷺ يذكرها بالخير ويثني عليها بعد موتها.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 86
  • — صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 415
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

رحلة الطائف

📍 الطائف

بعد عام الحزن واشتداد أذى قريش، خرج النبي ﷺ إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ويدعوهم إلى الإسلام. فردّوه أقبح ردّ، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم يرمونه بالحجارة حتى أدميت قدماه الشريفتان.

لمّا اشتدّ البلاء بالنبي ﷺ بعد موت أبي طالب وخديجة، واجترأت عليه قريش، خرج إلى الطائف — وحده على المشهور أو ومعه زيد بن حارثة — يرجو أن يقبل أهلها دعوته أو ينصروه. فعمد إلى سادة ثقيف من بني عمرو بن عمير، وهم ثلاثة إخوة، فعرض عليهم الإسلام واستنصرهم، فردّوا عليه ردًّا قبيحًا وآذوه بالقول، وقال أحدهم: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ وأبوا أن يجيبوه، وخشوا أن يفسد عليهم سفهاؤهم، فأغروا به غلمانهم وسفهاءهم يسبّونه ويرمونه بالحجارة، حتى اصطفّوا له صفّين في طريقه، فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه وقدميه الشريفتين، وزيدٌ يقيه بنفسه. فخرج النبي ﷺ مثقلًا بالهمّ والحزن، حتى أوى إلى ظلّ حائطٍ (بستان) لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فجلس فيه يستريح.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 87
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 419
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

دعاء الطائف وملك الجبال

📍 قرن الثعالب (وادي قرب الطائف)

بعد أن آذاه أهل الطائف، رفع النبي ﷺ دعاءه المشهور يشكو إلى الله ضعف قوته وهوانه على الناس، مفوّضًا أمره إليه راضيًا. فأرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال يعرض أن يطبق عليهم الجبلين، فأبى النبي ﷺ ورجا أن يخرج من أصلابهم من يوحّد الله.

لمّا انصرف النبي ﷺ من الطائف مثقلًا بالحزن، وجلس في ظلّ البستان، رفع يديه إلى ربّه بدعائه المشهور الذي يفيض تذلّلًا وتفويضًا: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهّمني، أم إلى عدوٍّ ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي... لا حول ولا قوة إلا بك». ثم بعث الله إليه جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال، فسلّم عليه ملك الجبال وقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربّك إليك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين — أي الجبلين المحيطين بمكة — فعلت. فقال النبي ﷺ بعظيم رحمته: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا». ثم اتجه عائدًا نحو مكة، فأسلم في طريقه عدّاس النصراني غلام عتبة وشيبة لمّا رأى من حاله.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 88
  • — صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق
  • — صحيح مسلم
العهد المكي مكة المتأخرة 619 CE

دخول مكة في جوار المطعم بن عدي

📍 مكة المكرمة

لمّا قفل النبي ﷺ راجعًا من الطائف، لم يستطع دخول مكة إلا بجوار، فبعث إلى المطعم بن عدي يستجيره، فأجاره ودخل به مكة وقام بنو المطعم بالسلاح حول الكعبة حتى طاف النبي ﷺ وصلّى وعاد إلى بيته آمنًا.

حين رجع النبي ﷺ من الطائف وبلغ قريبًا من مكة، خشي أن تمنعه قريش من دخولها بعد أن علمت بخروجه يستنصر ثقيف، فلم يكن له أن يدخل إلا في جوار أحد أشرافها على عادة العرب. فأرسل رجلًا إلى المطعم بن عدي — وكان من أشراف قريش وممن سعى في نقض الصحيفة — يستجيره، فأجابه المطعم، ولبس سلاحه وخرج هو وبنوه وقومه متقلّدين السلاح حتى وقفوا عند الكعبة، وأعلن المطعم في قريش أنه قد أجار محمدًا. فدخل النبي ﷺ مكة في جواره، فطاف بالبيت وصلّى، ثم انصرف إلى منزله آمنًا. ولم ينسَ النبي ﷺ هذا الجميل، فذكر المطعم بخيرٍ بعد بدر فقال في أسرى قريش: «لو كان المطعم بن عدي حيًّا ثم كلّمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له».

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 89
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 381
العهد المكي مكة المتأخرة 620 CE

عرض النبي نفسه على القبائل

📍 منى وعكاظ، مكة المكرمة

بعد رجوعه من الطائف، أخذ النبي ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج والأسواق، يدعوها إلى الإسلام ويطلب منها أن تؤويه وتنصره ليبلّغ رسالة ربّه. فردّته القبائل واحدةً بعد أخرى، حتى هيّأ الله له نفرًا من الأنصار.

اتّخذ النبي ﷺ من مواسم الحج والأسواق — كعكاظ ومجنّة وذي المجاز ومنى — ميدانًا لعرض دعوته، فكان يأتي القبائل في منازلها أيام الموسم، يدعوها إلى عبادة الله وحده ونبذ الأوثان، ويعرض عليها أن تمنعه وتؤويه حتى يبلّغ كلمة ربّه، وأبو لهب يتبعه يكذّبه ويحذّر الناس منه. فعرض نفسه على قبائل كثيرة، منها بنو كلب وبنو حنيفة وبنو عامر بن صعصعة وكندة وغيرها، فردّوه ولم يستجب له منهم أحد، وبعضهم ردّ ردًّا قبيحًا، وبعضهم اشترط الملك بعده فأبى النبي ﷺ أن يجعل الأمر لغير الله. فصبر النبي ﷺ على ذلك سنين، حتى كان موسم الحج الذي لقي فيه نفرًا من الخزرج من أهل يثرب، فكانوا مفتاح الفرج وبداية نصرة الأنصار.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 90
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 422
العهد المكي مكة المتأخرة 621 CE

الإسراء والمعراج

📍 المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم السماوات العُلى

أسرى الله بنبيّه ﷺ ليلًا من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس على البُراق، فصلّى بالأنبياء إمامًا، ثم عُرج به إلى السماوات السبع حتى بلغ سدرة المنتهى، وكلّمه ربّه وفرض عليه الصلوات، ثم رجع إلى مكة في ليلته.

بعد عام الحزن وما لقيه النبي ﷺ من الشدائد، أكرمه الله بمعجزة الإسراء والمعراج تثبيتًا له. فأُسري به ليلًا من المسجد الحرام — وكان نائمًا في بيت أم هانئ أو في الحِجر — على دابةٍ تُسمى البُراق، يقوده جبريل عليه السلام، إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس، فنزل فصلّى بالأنبياء إمامًا. ثم عُرج به من بيت المقدس إلى السماء الدنيا، فاستُفتح له، فلقي في كل سماءٍ نبيًّا: آدم في الأولى، وعيسى ويحيى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة عند البيت المعمور. ثم رُفع إلى سدرة المنتهى، وفُرضت عليه الصلوات، ورأى من آيات ربّه الكبرى. ثم رجع في ليلته إلى مكة. فلمّا أخبر قريشًا كذّبه أكثرهم واستبعدوا الأمر، وارتدّ بعض ضعاف الإيمان، وثبت أبو بكر فصدّقه فسُمّي الصدّيق، وسألوا النبيَّ ﷺ عن وصف بيت المقدس فوصفه لهم وهو ينظر إليه.

أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 93
  • — صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 396
العهد المكي مكة المتأخرة 621 CE

فرض الصلوات الخمس

📍 سدرة المنتهى

في ليلة المعراج فرض الله على النبي ﷺ خمسين صلاة في اليوم والليلة، فلم يزل يراجع ربّه بمشورة موسى عليه السلام يسأله التخفيف، حتى صارت خمسًا في الفعل خمسين في الأجر. فكانت الصلوات الخمس فريضةً فُرضت في السماء تكريمًا.

تميّزت فريضة الصلاة عن سائر الفرائض بأنها فُرضت في السماء ليلة المعراج مباشرةً من الله لنبيّه ﷺ من غير واسطة. فلمّا بلغ النبي ﷺ سدرة المنتهى، فرض الله عليه خمسين صلاة في كل يومٍ وليلة. فلمّا رجع مرّ على موسى عليه السلام، فسأله: بماذا أُمرت؟ فقال: بخمسين صلاة. فقال موسى: إن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد جرّبت الناس قبلك، فارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف. فلم يزل النبي ﷺ يتردّد بين ربّه وموسى، يسأل التخفيف ويُحطّ عنه في كل مرة خمس، حتى صارت خمس صلوات. فقال الله: «هي خمسٌ وهي خمسون، لا يُبدّل القول لديّ»، أي خمسٌ في العمل وخمسون في الأجر والثواب. فاستحيا النبي ﷺ أن يعود لطلب التخفيف. فكانت الصلوات الخمس أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وعماد الدين.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 94
  • — صحيح البخاري، كتاب الصلاة
  • — صحيح مسلم، كتاب الإيمان
العهد المكي مكة المتأخرة 620 CE

إسلام النفر الستة من يثرب

📍 العقبة، منى

في موسم الحج لقي النبي ﷺ عند العقبة ستة نفرٍ من الخزرج من أهل يثرب، فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه، وكانوا قد سمعوا من يهود يثرب بقرب خروج نبيّ، فأسلموا ورجعوا إلى قومهم يدعونهم، فكانوا أول الأنصار.

ظلّ النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، حتى كان موسم الحج في السنة الحادية عشرة من البعثة، فلقي عند العقبة بمنى ستة نفرٍ من الخزرج من أهل يثرب، فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكان هؤلاء قد سمعوا من جيرانهم يهود يثرب أن نبيًّا يُبعث في هذا الزمان سيتّبعونه فيقتلونهم به، فلمّا دعاهم النبي ﷺ قال بعضهم لبعض: تعلموا والله إنه للنبي الذي توعّدكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه. فأجابوه وصدّقوه وأسلموا، وقالوا: إنّا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشرّ ما بينهم — يعنون حروب الأوس والخزرج — فعسى أن يجمعهم الله بك. ثم انصرفوا إلى يثرب يدعون قومهم إلى الإسلام، فلم تبقَ دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ لرسول الله ﷺ. فكان هؤلاء الستة طليعة الأنصار وبذرة الإسلام في المدينة.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 96
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 428
العهد المكي مكة المتأخرة 621 CE

بيعة العقبة الأولى

📍 العقبة، منى

في موسم الحج التالي قدم اثنا عشر رجلًا من الأوس والخزرج، فبايعوا النبيَّ ﷺ عند العقبة على ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يعصوه في معروف. وهي «بيعة النساء» لأنها كانت قبل فرض القتال.

لمّا عاد النفر الذين أسلموا إلى يثرب وفشا فيهم الإسلام، قدم في موسم الحج من العام التالي (السنة الثانية عشرة من البعثة) اثنا عشر رجلًا — عشرة من الخزرج واثنان من الأوس — فلقوا النبيَّ ﷺ عند العقبة بمنى، فبايعوه على بنود سُمّيت فيما بعد «بيعة النساء» لموافقتها ما بُويعت عليه النساء يوم الفتح، إذ لم يكن فيها ذكر القتال. بايعوه على: ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتانٍ يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه في معروف. وقال لهم النبي ﷺ: «فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفّارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له». فلمّا انصرفوا بعث معهم النبي ﷺ مصعب بن عمير يعلّمهم.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 97
  • — صحيح البخاري، كتاب الإيمان
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 433
العهد المكي مكة المتأخرة 621 CE

إرسال مصعب بن عمير إلى المدينة

📍 يثرب (المدينة)

أرسل النبي ﷺ مع وفد العقبة الأولى مصعب بن عمير ليُقرئ أهل يثرب القرآن ويعلّمهم الإسلام ويصلّي بهم، فكان أول سفير في الإسلام. فأبلى في الدعوة بلاءً حسنًا، فأسلم على يديه خلقٌ كثير، منهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير.

لمّا انصرف أهل بيعة العقبة الأولى إلى يثرب، طلبوا من النبي ﷺ أن يبعث معهم من يعلّمهم أمور دينهم ويقرئهم القرآن، فاختار لهم مصعب بن عمير رضي الله عنه — وكان من فتيان قريش المترفين الذين تركوا النعيم في سبيل الإسلام — فكان أول من هاجر للدعوة وأول سفيرٍ في الإسلام. نزل مصعب على أسعد بن زرارة، وأخذ يدعو الناس ويقرئهم ويصلّي بهم، حتى لُقّب «المقرئ». وكان من أعظم ما حقّقه إسلام سيّدي الأوس: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فلمّا أسلما أسلم معهما عامة بني عبد الأشهل في يومٍ واحد. فانتشر الإسلام في دور الأنصار حتى لم تبقَ دارٌ إلا وفيها رجالٌ ونساءٌ مسلمون. ثم رجع مصعب إلى مكة قبل الموسم يبشّر النبيَّ ﷺ بما فتح الله على يديه.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 98
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 434
العهد المكي مكة المتأخرة 622 CE

بيعة العقبة الثانية

📍 العقبة، منى

في موسم الحج من السنة الثالثة عشرة قدم نحو ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين من الأنصار، فبايعوا النبيَّ ﷺ سرًّا ليلًا عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، فكانت بيعة حربٍ ونصرة، واختار منهم اثني عشر نقيبًا.

في موسم الحج من السنة الثالثة عشرة للبعثة، خرج من يثرب نحو خمسمائة حاجّ فيهم ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان من المسلمين، مع حجّاج قومهم المشركين. فواعدهم النبي ﷺ العقبة في أوسط أيام التشريق، وأن يأتوه سرًّا بعد أن ينام الناس. فاجتمعوا في الشِّعب ليلًا خفيةً، وحضر معهم العباس عمّ النبي ﷺ — وكان على دين قومه — ليتوثّق لابن أخيه. فتكلّم العباس أولًا محذّرًا لهم من عاقبة هذه البيعة، ثم تكلّم النبي ﷺ وتلا القرآن ودعا إلى الله، ثم بايعهم البراء بن معرور وغيره على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقولوا في الله لا يخافون لومة لائم، وأن ينصروه ويمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، ولهم الجنة. فبايعوه على ذلك، فكانت «بيعة الحرب». واختار النبي ﷺ منهم اثني عشر نقيبًا — تسعةً من الخزرج وثلاثة من الأوس — ليكونوا كفلاء على قومهم. وعلمت قريش بالبيعة بعد ذلك فحاولت تتبّعهم فلم تدرك إلا سعد بن عبادة فآذته ثم خلّته.

آيات ذات صلة
أحاديث ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 438
العهد المكي مكة المتأخرة 622 CE

مؤامرة دار الندوة

📍 دار الندوة، مكة المكرمة

لمّا علمت قريش بهجرة المسلمين إلى يثرب وخشيت اجتماع أمر النبي ﷺ هناك، اجتمع ملؤها في دار الندوة يأتمرون به، فاتفقوا — برأي أبي جهل — على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى ليضربوه ضربة رجلٍ واحد، فيتفرّق دمه في القبائل، فأطلع الله نبيَّه على مكرهم.

لمّا تتابع المسلمون في الهجرة إلى يثرب، وأدركت قريش أن النبي ﷺ قد صار له منعةٌ ودارٌ خارج مكة، خافت أن يجتمع أمره ويقوى فيغزوها. فاجتمع أشرافها في دار الندوة — وهي دار قصيّ التي كانوا يتشاورون فيها — في يومٍ سمّوه «يوم الزحمة»، وحضرهم إبليس في صورة شيخٍ نجدي. فتشاوروا في أمر النبي ﷺ: فقائلٌ يقول نحبسه في الحديد، وقائلٌ يقول نخرجه وننفيه، فردّ الشيخ النجدي كلّ رأيٍ مبيّنًا خطره. حتى قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلةٍ فتى شابًّا جلدًا، ونعطي كل فتى سيفًا، فيضربوه ضربة رجلٍ واحد فيقتلوه، فيتفرّق دمه في القبائل، فلا يقدر بنو هاشم على حرب قريش جميعًا، فيرضون بالدية. فاستحسن الشيخ النجدي هذا الرأي، وأجمعوا عليه. فأطلع الله نبيَّه ﷺ على مكرهم، وأذن له بالهجرة، وأنزل: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾.

آيات ذات صلة
المصادر
  • — الرحيق المختوم، ص. 100
  • — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 480