— the prophetic biography
السيرة النبوية
58 حدث من حياة النبي محمد ﷺ
النزول بقباء وبناء مسجد قباء
📍 قباء، المدينة المنورة
قدم النبي ﷺ على المدينة فنزل أولًا بقباء على بني عمرو بن عوف، وكان أهل المدينة قد خرجوا كل يومٍ ينتظرون قدومه. فأقام بقباء أيامًا أسّس فيها مسجد قباء، وهو أول مسجدٍ بُني في الإسلام على التقوى.
لمّا بلغ الأنصار خروج النبي ﷺ من مكة، كانوا يخرجون كل يومٍ بعد صلاة الصبح إلى ظاهر المدينة (الحرّة) ينتظرون قدومه، حتى تشتدّ الشمس فيرجعون. فلمّا قدم ﷺ نزل بقباء — في عوالي المدينة — على بني عمرو بن عوف، وقيل في بيت كلثوم بن الهدم، وكان ذلك يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول. فرآه يهوديٌّ من فوق أُطُمٍ فنادى بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدّكم الذي تنتظرون. فخرج الناس واستبشروا. وأقام النبي ﷺ بقباء بضعة أيام (أربعة أو أكثر)، أسّس خلالها مسجد قباء، فكان أول مسجدٍ أُسّس في الإسلام، وهو المسجد الذي قال الله فيه: ﴿لمسجدٌ أُسّس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾. ولحق به عليّ بن أبي طالب بعد أن أدّى الودائع وردّها إلى أهلها.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 106
- — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 492
دخول المدينة
📍 المدينة المنورة
بعد إقامته بقباء، ركب النبي ﷺ ناقته فدخل المدينة، فخرج الأنصار يستقبلونه فرحين، وكلٌّ يدعوه أن ينزل عنده. فقال: «دعوها فإنها مأمورة»، فبركت ناقته في موضع مسجده، فنزل على أبي أيوب الأنصاري، وبهذا بدأ عهد المدينة.
لمّا أقام النبي ﷺ بقباء أيامًا وأسّس مسجدها، ركب راحلته يوم الجمعة متوجّهًا إلى المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ، فصلّى الجمعة، فكانت أول جمعةٍ صلّاها في الإسلام بالمدينة وخطب فيها. ثم سار فدخل المدينة، فكان يومًا مشهودًا، خرج إليه الأنصار رجالًا ونساءً وصبيانًا، وعلت أصوات الجواري والغلمان فرحًا، يقولون: طلع البدر علينا. وجعل كل بطنٍ من الأنصار يعرض على النبي ﷺ النزول عندهم ويأخذون بزمام ناقته، فيقول لهم: «دعوها فإنها مأمورة»، حتى بركت الناقة في موضع مسجده اليوم، في مِربدٍ لغلامين يتيمين. فنزل النبي ﷺ على أبي أيوب الأنصاري خالد بن زيد، وكان بيته أقرب البيوت، فأقام عنده حتى بُني المسجد ومساكنه. وبدخوله المدينة بدأ التاريخ الهجري، وتحوّل اسمها من يثرب إلى «المدينة» و«طيبة»، وانفتح عهدٌ جديد للإسلام والمسلمين.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 107
- — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 494
بناء المسجد النبوي
📍 المسجد النبوي، المدينة المنورة
أول ما بدأ به النبي ﷺ بعد دخوله المدينة بناء المسجد في الموضع الذي بركت فيه ناقته، فاشترى الأرض من الغلامين اليتيمين، وعمل فيه بيده مع أصحابه، فبنوه من اللبن والجريد، وجعل سواريه من جذوع النخل. فكان مركز الدولة الجديدة.
كان المسجد النبوي أول مؤسسةٍ أقامها النبي ﷺ في المدينة، إيذانًا بأن الدين والدولة يقومان على العبادة وذكر الله. فلمّا بركت ناقته في مِربدٍ (موضع تجفيف التمر) لغلامين يتيمين من بني النجار هما سهل وسهيل، اشترى منهما الأرض، وأبى أن يقبلها هبةً. ثم شرع في بنائه، فكان ﷺ يعمل بيده الشريفة وينقل اللبن مع أصحابه، وهم يرتجزون: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة». بُني المسجد من اللبن، وجُعل سقفه من جريد النخل، وعُمده من جذوعه، وأرضه من الرمل والحصباء، وجُعلت له ثلاثة أبواب. وبُنيت بجانبه حجرات لأزواج النبي ﷺ، وألحق به موضعٌ مظلّل (الصُّفّة) يأوي إليه فقراء المهاجرين. فكان المسجد مكان الصلاة، ومجلس العلم والقضاء، ودار الشورى، ومنطلق الجيوش، وقلب الدولة الإسلامية الناشئة.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 109
- — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 496
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
📍 المدينة المنورة
آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فجعل كل مهاجرٍ أخًا لأنصاري يواسيه ويناصره، حتى كانوا يتوارثون بهذه الأخوة في أول الأمر. فآثر الأنصار إخوانهم على أنفسهم إيثارًا عجيبًا، فكانت المؤاخاة من أعظم أسس بناء المجتمع.
لمّا قدم المهاجرون المدينة تاركين أموالهم وديارهم بمكة، غرباء لا مال لهم ولا مأوى، آخى النبي ﷺ بينهم وبين الأنصار في دار أنس بن مالك، فجعل كل مهاجرٍ أخًا لرجلٍ من الأنصار، أخوّةً حقيقيةً تقوم على المواساة والنصرة، حتى كانوا يتوارثون بها دون ذوي الأرحام في أول الإسلام قبل أن يُنسخ ذلك بآية المواريث. فبلغ من إيثار الأنصار أن عرض الواحد منهم على أخيه المهاجر أن يقاسمه ماله وداره، بل عرض سعد بن الربيع على عبد الرحمن بن عوف أن ينزل له عن إحدى زوجتيه، فأبى عبد الرحمن وقال: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دلّني على السوق». فكانت المؤاخاة حلًّا لمشكلة المهاجرين الاقتصادية والاجتماعية، وأذابت العصبيات القبلية، ووحّدت صفّ المسلمين على الإيمان، وضربت أروع الأمثلة في الأخوّة والإيثار، كما قال الله في الأنصار: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 110
- — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 504
وثيقة المدينة
📍 المدينة المنورة
كتب النبي ﷺ وثيقةً نظّمت العلاقات في المدينة بين المهاجرين والأنصار ومن معهم، وحدّدت حقوق المسلمين وواجباتهم، وجعلتهم أمةً واحدة. فكانت أول دستورٍ مكتوب لدولةٍ في الإسلام ينظّم شؤون المجتمع الجديد.
بعد أن أرسى النبي ﷺ بناء المسجد والمؤاخاة، عمد إلى تنظيم العلاقات داخل المدينة في وثيقةٍ مكتوبة تُعدّ أول دستورٍ مدوّن في الإسلام. نظّمت هذه الوثيقة العلاقة بين المهاجرين والأنصار ومن تبعهم ولحق بهم، فجعلتهم «أمةً واحدة من دون الناس»، وقرّرت مبدأ التكافل بينهم، وحدّدت أحكام الدماء والديات والفداء، ونصّت على أن المؤمنين يدٌ على من سواهم، وأن سلمهم واحدٌ لا يُسالم مؤمنٌ دون مؤمن، وأن مردّ ما اختُلف فيه إلى الله ورسوله ﷺ. وبهذه الوثيقة تحوّلت المدينة من قبائل متناحرة إلى مجتمعٍ تحكمه شريعةٌ واحدة ومرجعيةٌ واحدة، وأرست أصول الدولة الإسلامية الأولى من حيث الوحدة والمرجعية والتكافل والدفاع المشترك.
- — الرحيق المختوم، ص. 111
- — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 501
معاهدة اليهود
📍 المدينة المنورة
عاهد النبي ﷺ يهود المدينة — وفيهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة — وضمّن ذلك وثيقة المدينة، على أن لهم دينهم وللمسلمين دينهم، وأن يتناصروا على من حارب المدينة، وألا يعين بعضهم على بعض. فأقرّهم على دينهم وأموالهم ما داموا على العهد.
كان في المدينة وما حولها قبائل من اليهود، أشهرها بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، فأراد النبي ﷺ أن يقيم معهم علاقةً سلميةً تكفل الأمن والاستقرار للدولة الناشئة. فعاهدهم وكتب بينه وبينهم كتابًا — جُعل ضمن بنود وثيقة المدينة — نصّ على أصولٍ عادلة: أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأن عليهم النفقة وعلى المسلمين النفقة، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة دون الإثم، وأن يردّوا ما اختلفوا فيه إلى الله ورسوله، وألا يُعين أحدٌ منهم عدوًّا على المدينة. فأقرّهم النبي ﷺ على ديارهم وأموالهم ما وفوا بالعهد. لكن طوائف منهم نقضت العهد فيما بعد، فكان لكل ناقضٍ حكمه في حينه.
- — الرحيق المختوم، ص. 112
- — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 501
الإذن بالقتال
📍 المدينة المنورة
بعد سنواتٍ من الصبر على أذى قريش بمكة دون قتال، أذن الله للمسلمين بالقتال بعد الهجرة دفعًا للظلم ونصرةً للمظلومين، فنزل قوله تعالى: ﴿أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا﴾، فكان أول إذنٍ بالجهاد بعد تمكّن المسلمين في المدينة.
ظلّ المسلمون في مكة ثلاثة عشر عامًا مأمورين بكفّ اليد والصبر على الأذى، لا يؤذن لهم في قتال، حِكمةً من الله في مرحلة التأسيس. فلمّا هاجروا إلى المدينة وأقاموا دولتهم، وصار لهم منعةٌ وأرضٌ يحمونها، وكانت قريش لا تزال متربّصةً بهم تتوعّدهم، أنزل الله أول آيةٍ في الإذن بالقتال، وهي قوله تعالى: ﴿أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ إلا أن يقولوا ربنا الله﴾. فكان هذا الإذن إيذانًا بمرحلةٍ جديدة، يُدفع فيها العدوان ويُحمى فيها الدين والدولة والمستضعفون. ثم نزل الأمر بالقتال صريحًا بعد ذلك في آياتٍ أخرى، مقيّدًا بالعدل والدفع وعدم الاعتداء.
- — الرحيق المختوم، ص. 145
- — تفسير ابن كثير، سورة الحج
تحويل القبلة
📍 المدينة المنورة
كان المسلمون يصلّون نحو بيت المقدس نحو ستة عشر شهرًا، وكان النبي ﷺ يحبّ أن يُوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله أمر تحويل القبلة في شعبان من السنة الثانية: ﴿فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾، فتحوّل المسلمون في صلاتهم إلى الكعبة.
لمّا قدم النبي ﷺ المدينة، كان يصلّي نحو بيت المقدس (المسجد الأقصى) بأمر الله، فمكث على ذلك نحو ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يهود المدينة يحتجّون بذلك. وكان النبي ﷺ يحبّ أن تُحوّل قبلته إلى الكعبة قبلة أبيه إبراهيم، فكان يقلّب وجهه في السماء يرجو ذلك. فأنزل الله في شعبان من السنة الثانية للهجرة قوله: ﴿قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّينّك قبلةً ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره﴾. فتحوّل المسلمون إلى الكعبة، حتى إن أهل مسجد قباء بلغهم الخبر وهم في صلاة الصبح فاستداروا في صلاتهم من بيت المقدس إلى الكعبة، فسُمّي «مسجد القبلتين». وكان تحويل القبلة أول نسخٍ في التشريع، وامتحانًا للإيمان، وتمييزًا للأمة المسلمة، وإرغامًا لمن في قلبه مرض.
- •
- — الرحيق المختوم
- — صحيح البخاري، كتاب الصلاة
- — سيرة ابن هشام
فرض صيام رمضان
📍 المدينة المنورة
فُرض صيام شهر رمضان على المسلمين في شعبان من السنة الثانية للهجرة، بنزول قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام﴾. فصام النبي ﷺ والمسلمون رمضان من تلك السنة، وكان قبله صيام عاشوراء.
كان النبي ﷺ حين قدم المدينة يصوم يوم عاشوراء وأيامًا من كل شهر، فلمّا كان شعبان من السنة الثانية للهجرة، فرض الله صيام شهر رمضان فريضةً على كل مسلمٍ بالغٍ قادر، بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، وقوله: ﴿شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن... فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. فصام النبي ﷺ والمسلمون رمضان لأول مرةٍ فرضًا في تلك السنة. وكان صيام عاشوراء قبل ذلك واجبًا أو مؤكّدًا، فلمّا فُرض رمضان صار عاشوراء تطوّعًا، من شاء صامه ومن شاء تركه. وشُرع مع صيام رمضان قيامه وزكاة الفطر في آخره. فكان الصوم ركنًا من أركان الإسلام، وتزكيةً للنفوس وتقوى لله.
- •
- — الرحيق المختوم
- — صحيح البخاري، كتاب الصوم
- — تفسير ابن كثير
فرض الزكاة
📍 المدينة المنورة
فُرضت الزكاة فريضةً محدّدة المقادير والأنصبة في السنة الثانية للهجرة، فكانت ركنًا من أركان الإسلام وحقًّا للفقراء في أموال الأغنياء. وقد ورد أصل الأمر بالإنفاق في مكة، ثم حُدّدت أنصبتها ومصارفها بالمدينة.
كان الأمر بالصدقة والإنفاق قد ورد في القرآن المكي مطلقًا، يحثّ على البذل وإطعام المسكين. فلمّا استقرّ المسلمون في المدينة وقامت دولتهم، فُرضت الزكاة فريضةً مقدّرةً بأنصبتها ومقاديرها ومصارفها في السنة الثانية للهجرة — على المشهور — مقترنةً غالبًا بزكاة الفطر في رمضان. فصارت ركنًا من أركان الإسلام الخمسة، وحقًّا معلومًا للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، كما بيّن الله مصارفها في آية: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين...﴾. وقد جعل الله الزكاة تطهيرًا للمال وتزكيةً للنفس من الشحّ، وتكافلًا بين أفراد المجتمع، فقرنها بالصلاة في مواضع كثيرة من القرآن، وقاتل أبو بكر مانعيها بعد ذلك لمّا فرّقوا بينها وبين الصلاة.
- •
- — الرحيق المختوم
- — صحيح البخاري، كتاب الزكاة
- — تفسير ابن كثير
السرايا والغزوات الأولى
📍 أطراف المدينة وطريق قريش التجاري
بعد الإذن بالقتال، بدأ النبي ﷺ يبعث السرايا ويقود الغزوات في أطراف المدينة وعلى طريق قريش التجاري إلى الشام، لتأمين المدينة وإظهار قوة المسلمين وملاحقة عدوان قريش، تمهيدًا لما كان من غزوة بدر الكبرى.
بعد أن أُذن للمسلمين بالقتال، شرع النبي ﷺ في سلسلةٍ من السرايا (وهي البعوث التي لا يخرج فيها بنفسه) والغزوات (وهي ما خرج فيها بنفسه)، استهدفت تأمين المدينة، ومراقبة تحرّكات قريش، واعتراض طريق تجارتها إلى الشام التي تمرّ قريبًا من المدينة، وعقد التحالفات مع القبائل المحيطة. فمن السرايا الأولى: سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر، وسرية عبيدة بن الحارث إلى رابغ، وسرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرّار. ومن الغزوات الأولى التي خرج فيها النبي ﷺ بنفسه: غزوة الأبواء (ودّان)، وغزوة بُواط، وغزوة العشيرة (ذي العشيرة)، وغزوة بدر الأولى (سفوان) في طلب كرز بن جابر. ثم كانت سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، وفيها أصابوا عمرو بن الحضرمي وأخذوا عيرًا لقريش في آخر رجب، فكان فيها أول قتيلٍ وأول غنيمةٍ وأول أسرى، وأثارت جدلًا حول القتال في الشهر الحرام، فنزل فيها قرآن. وكانت هذه السرايا والغزوات تمهيدًا ومقدّمةً لغزوة بدر الكبرى في رمضان من السنة الثانية.
- — الرحيق المختوم، ص. 146
- — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 591
غزوة بدر الكبرى
📍 بدر
أول معركة فاصلة بين المسلمين وقريش، خرج النبي ﷺ في نحو ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا يعترض عير قريش، فخرجت قريش في نحو ألفٍ تحمي تجارتها، فالتقى الجمعان ببدر في السابع عشر من رمضان، فنصر الله المسلمين نصرًا مؤزّرًا وقُتل صناديد قريش.
خرج النبي ﷺ في رمضان من السنة الثانية في نحو ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلًا، معهم فرسان وسبعون بعيرًا يعتقبونها، يريدون عير قريش العظيمة المقبلة من الشام بقيادة أبي سفيان. فلمّا علم أبو سفيان بخروجهم نجا بالعير وأرسل إلى مكة يستنفرها، فخرجت قريش في نحو ألف مقاتل بكامل عُدّتها وخيلها بطرًا ورئاءً. فالتقى الجمعان عند ماء بدر في السابع عشر من رمضان. وكان النبي ﷺ قد استشار أصحابه فأجمع المهاجرون والأنصار على القتال، وقال سعد بن معاذ كلمته، وقال المقداد: لا نقول كما قال قوم موسى. فنزل المسلمون على الماء، وبنوا عريشًا للنبي ﷺ، فبات يدعو ربّه ويبتهل: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض». فأمدّه الله بالملائكة، وبدأت المعركة بالمبارزة، فبرز حمزة وعليّ وعبيدة فقتلوا أقرانهم، ثم حمي الوطيس، فأنزل الله نصره، فقُتل من قريش سبعون فيهم أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة وشيبة، وأُسر سبعون، واستُشهد من المسلمين أربعة عشر. وسمّى الله ذلك اليوم «يوم الفرقان»، ونزلت فيه سورة الأنفال.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 150
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 606
زواج علي بفاطمة
📍 المدينة المنورة
زوّج النبي ﷺ ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها من ابن عمه علي بن أبي طالب بعد غزوة بدر في السنة الثانية، فكان زواجًا مباركًا ميسّرًا، ومنهما جاء الحسن والحسين سبطا النبي ﷺ.
بعد غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة، خطب عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فاطمة الزهراء بنت النبي ﷺ، وكان عليّ فقير المال، فباع درعه ليجهّز المهر، فزوّجه النبي ﷺ إياها. وكان زواجًا ميسّرًا متواضعًا، جهازها فيه فراشٌ من أدمٍ حشوه ليف، ووسادة، وقربة، ورحى. وبارك النبي ﷺ في زواجهما ودعا لهما. وكانت فاطمة أحبّ بناته إليه وأشبههنّ به، وكانت سيدة نساء أهل الجنة. وعاش عليّ وفاطمة في كنف النبوة، فولدت له الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، فكان من نسلهما ذرية النبي ﷺ. ولم يتزوّج عليّ عليها في حياتها.
- •
- — الرحيق المختوم
- — سيرة ابن هشام
- — سير أعلام النبلاء
إجلاء بني قينقاع
📍 المدينة المنورة
كان بنو قينقاع أول يهود المدينة نقضًا للعهد، فأظهروا البغي والاستفزاز بعد بدر، وآذوا امرأةً مسلمة في سوقهم، فحاصرهم النبي ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فأجلاهم عن المدينة إلى الشام.
كان بنو قينقاع من يهود المدينة، وكانوا صاغةً وتجارًا أهل بأسٍ، لهم سوقٌ مشهور. فلمّا انتصر المسلمون في بدر، حملهم الحسد والبغي على إظهار العداوة ونقض العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ، فجعلوا يستفزّون المسلمين ويتحرّشون بهم. وكان مما عجّل بأمرهم أن امرأةً مسلمة جاءت سوقهم فآذوها وكشفوا عورتها، فقتل مسلمٌ من فعل ذلك، فاجتمعوا عليه فقتلوه، فوقعت الفتنة. فسار إليهم النبي ﷺ فحاصرهم في حصونهم خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكمه، فأراد بعض المنافقين (عبد الله بن أبيّ) الشفاعة فيهم، فحقن النبي ﷺ دماءهم وأجلاهم عن المدينة بأموالهم المنقولة، فخرجوا إلى أذرعات بالشام. وكان هذا أول إجلاءٍ ليهود المدينة جزاءً على نقض العهد.
- — الرحيق المختوم، ص. 201
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 47
غزوة أحد
📍 جبل أحد، المدينة المنورة
خرجت قريش في العام الثالث بنحو ثلاثة آلاف للثأر من هزيمة بدر، فالتقوا بالمسلمين عند جبل أحد. وكاد المسلمون ينتصرون، لكن نزول الرماة عن الجبل مخالفين أمر النبي ﷺ قلب النصر، فاستُشهد سبعون منهم فيهم حمزة، وشُجّ وجه النبي ﷺ.
بعد عامٍ من بدر، خرجت قريش بقيادة أبي سفيان في نحو ثلاثة آلاف مقاتل ومعهم النساء يحرّضن، للثأر من هزيمة بدر. فاستشار النبي ﷺ أصحابه، فأشار الشباب بالخروج، فخرج في نحو ألف، رجع منهم عبد الله بن أبيّ بثلاثمئة من المنافقين، فبقي في سبعمئة. ونزل عند جبل أحد، وأقام خمسين راميًا على الجبل (جبل الرماة) بقيادة عبد الله بن جبير، وأمرهم ألا يبرحوا مكانهم سواء انتصر المسلمون أو هُزموا. فبدأت المعركة، فانتصر المسلمون أولًا وولّى المشركون، فلمّا رأى أكثر الرماة الغنائم نزلوا مخالفين أمر النبي ﷺ ظنًّا أن المعركة انتهت، فالتفّ خالد بن الوليد — وكان يومئذٍ مشركًا — بالخيل من خلف الجبل، فانقلب النصر هزيمة. فاستُشهد سبعون من المسلمين، منهم حمزة بن عبد المطلب (الذي مثّلت به هند) ومصعب بن عمير، وشُجّ وجه النبي ﷺ وكُسرت رباعيته ودخلت حلقتان من المغفر في وجنته، وأُشيع أنه قُتل، فثبت حوله نفرٌ. ثم تراجع المشركون ولم يستأصلوا المسلمين، ونزل في أحد آياتٌ من آخر سورة آل عمران تعالج الدرس والعبرة.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 218
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 60
يوم الرجيع
📍 الرجيع (ماء لهذيل قرب مكة)
بعث النبي ﷺ نفرًا من أصحابه نحو ستةٍ مع قومٍ زعموا أنهم يريدون الإسلام، فغدر بهم أولئك عند ماء الرجيع، فقتلوا أكثرهم، وأسروا خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فباعوهما لقريش بمكة فقتلتهما صبرًا.
قدم على النبي ﷺ نفرٌ من عضل والقارة زعموا أن فيهم إسلامًا، وطلبوا منه أن يبعث معهم من يعلّمهم الدين ويقرئهم القرآن. فبعث معهم النبي ﷺ ستةً (وقيل عشرة) من أصحابه، على رأسهم مرثد بن أبي مرثد أو عاصم بن ثابت. فلمّا بلغوا الرجيع — وهو ماءٌ لهذيل بين مكة والطائف — غدر بهم القوم واستصرخوا عليهم هذيلًا، فأحاطوا بهم. فقاتل بعضهم حتى قُتل، ومنهم عاصم بن ثابت الذي حمته الدبر (النحل) من أن يُمثّل به. واستأسر منهم خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، فبيعا لقريش بمكة ثأرًا لقتلى بدر، فقُتلا صبرًا. وكان خبيب أول من سنّ الركعتين عند القتل صبرًا، ودعا على قاتليه. فكان يوم الرجيع من مآسي الغدر التي حزن لها النبي ﷺ.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 245
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 169
مأساة بئر معونة
📍 بئر معونة (بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم)
بعث النبي ﷺ نحو سبعين من القرّاء من خيار أصحابه إلى نجد بطلبٍ من أبي براء العامري، فغدر بهم عامر بن الطفيل واستنفر عليهم قبائل سليم عند بئر معونة، فقتلوهم جميعًا إلا واحدًا، فحزن النبي ﷺ حزنًا شديدًا.
قدم أبو براء عامر بن مالك — ملاعب الأسنّة — على النبي ﷺ، فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، وطلب أن يبعث النبي ﷺ نفرًا من أصحابه إلى أهل نجد يدعونهم إلى الإسلام، وضمن لهم جواره. فبعث النبي ﷺ نحو سبعين رجلًا من خيار أصحابه وقرّائهم، يقال لهم «القرّاء»، عليهم المنذر بن عمرو. فلمّا نزلوا بئر معونة، قدّموا كتاب النبي ﷺ مع حرام بن ملحان إلى عامر بن الطفيل (ابن أخي أبي براء)، فقتل الرسول، واستنفر عليهم بني عامر فأبوا أن يخفروا جوار أبي براء، فاستنفر قبائل من سليم (عُصية ورِعل وذكوان) فأحاطوا بالقرّاء فقاتلوهم حتى قُتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد، ونجا عمرو بن أمية الضمري. فبلغ النبيَّ ﷺ الخبر فاشتدّ حزنه، وقنت شهرًا يدعو على القبائل التي غدرت (رِعل وذكوان وعُصية). فكانت بئر معونة والرجيع في شهرٍ واحد من أعظم ما حزن له النبي ﷺ.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 246
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 183
إجلاء بني النضير
📍 المدينة المنورة
همّ بنو النضير بالغدر بالنبي ﷺ حين ذهب إليهم في دية، فأرادوا أن يطرحوا عليه رحى من فوق جدار، فأطلعه الله على مكرهم، فأمرهم بالجلاء، فتحصّنوا بتحريض المنافقين، فحاصرهم حتى نزلوا على الجلاء، فخرجوا إلى خيبر والشام.
كان بنو النضير من يهود المدينة، بينهم وبين النبي ﷺ عهد. فذهب إليهم النبي ﷺ في نفرٍ من أصحابه يستعينهم في دية قتيلين قتلهما عمرو بن أمية خطأً، فأظهروا الموافقة، وأضمروا الغدر، وائتمروا أن يُلقوا على النبي ﷺ رحى أو صخرة من أعلى الجدار وهو جالسٌ تحته. فأطلع الله نبيَّه على مكرهم، فقام مسرعًا وعاد إلى المدينة. ثم أرسل إليهم يأمرهم بالجلاء عن المدينة جزاء نقضهم العهد، فهمّوا بالخروج، لكن عبد الله بن أبيّ المنافق أرسل إليهم يعدهم بالنصرة ويحرّضهم على التحصّن، فامتنعوا. فحاصرهم النبي ﷺ، وأمر بقطع بعض نخيلهم وتحريقه (وفيه نزل القرآن)، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على الجلاء، على أن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح. فخرجوا إلى خيبر وأذرعات بالشام، وقُسمت أموالهم بين المهاجرين خاصةً لأنها كانت فيئًا لم يُوجف عليه بخيلٍ ولا ركاب. ونزلت فيهم سورة الحشر.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 249
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 190
غزوة ذات الرقاع
📍 نجد (أرض غطفان)
خرج النبي ﷺ إلى نجد لقتال جموعٍ من غطفان تجمّعت تريد المدينة، فلم يقع قتال، وفيها شُرعت صلاة الخوف لأول مرة، وسُمّيت ذات الرقاع لما لفّ الصحابة على أقدامهم من الخرق من شدة وعورة الطريق.
بلغ النبيَّ ﷺ أن جموعًا من بني محارب وبني ثعلبة من غطفان قد تجمّعوا بنجد يريدون الإغارة على المدينة، فخرج إليهم في جمعٍ من أصحابه حتى بلغ أرضهم، فلم يلقَ كيدًا، إذ فرّ القوم إلى رؤوس الجبال، فلم يقع قتالٌ كبير، لكن حصل التوجّس من العدو. وفي هذه الغزوة شُرعت «صلاة الخوف» لأول مرة على المشهور، إذ صلّى النبي ﷺ بأصحابه على هيئةٍ خاصة تحفظ الصلاة والحراسة معًا، ونزل في ذلك قوله: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾. واختُلف في سبب تسميتها «ذات الرقاع»: قيل لجبلٍ هناك فيه بياضٌ وحمرة وسواد كالرّقاع، وقيل لأن أقدام الصحابة نقبت من الحفاء ووعورة الأرض فلفّوا عليها الخِرَق (الرقاع). وفيها وقعت قصة الحارس الذي رماه المشرك بالسهام وهو يصلّي فلم يقطع صلاته.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 248
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 203
غزوة الخندق / الأحزاب
📍 المدينة المنورة
حزّبت قريش وغطفان ويهود بني النضير الأحزاب، فزحفوا على المدينة في نحو عشرة آلاف. فأشار سلمان الفارسي بحفر خندقٍ حول المدينة، فحاصر الأحزابُ المدينةَ نحو شهر، حتى أرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا فرجعوا خائبين.
لمّا أُجلي بنو النضير إلى خيبر، سعى زعماؤهم في تحزيب الأحزاب على المسلمين، فخرجوا إلى قريش وغطفان وقبائل العرب يحرّضونهم، فاجتمع جمعٌ عظيم بلغ نحو عشرة آلاف من قريش وغطفان وأتباعهم، وزحفوا على المدينة لاستئصال المسلمين. فلمّا علم النبي ﷺ، استشار أصحابه، فأشار سلمان الفارسي بحفر خندقٍ (وكانت خطة فارسية) على الجهة المكشوفة من المدينة، فعمل النبي ﷺ والمسلمون في حفره في بردٍ وجوعٍ شديد، وظهرت في الحفر معجزات (كإطعام الجابر القليل للجمع، وكسر الصخرة وبشارات الفتوح). فلمّا قدم الأحزاب فوجئوا بالخندق فلم يستطيعوا اقتحامه، فضربوا الحصار نحو شهر. وغدر بنو قريظة بنقض عهدهم بتحريض حُيي بن أخطب، فاشتدّ الكرب: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾. وخذّل نعيم بن مسعود (وقد أسلم سرًّا) بين الأحزاب وقريظة. ثم أرسل الله على الأحزاب ريحًا صرصرًا في ليلةٍ باردة قلعت خيامهم وأكفأت قدورهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فارتحلوا خائبين. فقال النبي ﷺ: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا». وفيها نزلت سورة الأحزاب.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 256
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 214
غزوة بني قريظة
📍 المدينة المنورة (حصون بني قريظة)
لمّا انصرف الأحزاب بعد الخندق، أمر جبريل النبيَّ ﷺ بالمسير إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد وقت الحصار، فحاصرهم نحو خمسٍ وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بحكمه، فنُفّذ.
لمّا رجع النبي ﷺ من الخندق ووضع السلاح، أتاه جبريل عليه السلام يأمره بالمسير إلى بني قريظة الذين نقضوا عهدهم وتمالؤوا مع الأحزاب على المسلمين في أشدّ ساعات المحنة. فنادى النبي ﷺ في الناس: «لا يصلّينّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة». فسار إليهم المسلمون فحاصروهم في حصونهم خمسًا وعشرين ليلة حتى اشتدّ عليهم الحصار، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ سيّد الأوس الذين كانوا حلفاءهم في الجاهلية، رضوا به حَكَمًا. وكان سعد قد أصابه سهمٌ في الخندق. فحكم سعد فيهم بحكمه: أن تُقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم ونساؤهم وتُقسم أموالهم، فقال النبي ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة». فنُفّذ الحكم جزاءً على خيانتهم العظمى في وقت الحرب. وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، وتُوفّي سعد بن معاذ بعدها من جرحه، واهتزّ لموته عرش الرحمن.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 266
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 233
غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك
📍 المُرَيسيع (ماء لبني المصطلق)
غزا النبي ﷺ بني المصطلق لمّا تجمّعوا لحربه، فهزمهم على ماء المريسيع. وفي عودته أشاع المنافقون الإفك على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فمكث الناس شهرًا في القيل والقال، حتى أنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات.
بلغ النبيَّ ﷺ أن الحارث بن أبي ضرار سيّد بني المصطلق (من خزاعة) يجمع قومه لحرب المسلمين، فخرج إليهم فأغار عليهم على ماء المريسيع، فهزمهم وسبى منهم، وكان في السبي جويرية بنت الحارث فتزوّجها النبي ﷺ، فأعتق المسلمون بسببها مئة أهل بيتٍ من السبي. وفي هذه الغزوة وقعت فتنتان: أولاهما أن منافقًا تشاجر مع مهاجري فنادى كلٌّ قومه، فأراد عبد الله بن أبيّ إثارة العصبية وقال: «ليُخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ»، فنزلت سورة المنافقون. والثانية «حادثة الإفك»: إذ تخلّفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن الجيش في منزلٍ تلتمس عقدًا لها، فأقبل صفوان بن المعطّل فحملها على بعيره وردّها، فاتّخذ المنافقون ذلك ذريعةً، فأشاع رأس النفاق عبد الله بن أبيّ الإفك والبهتان على عائشة، وخاض فيه بعض المؤمنين. فمكث النبي ﷺ والمسلمون نحو شهرٍ في كربٍ عظيم، حتى أنزل الله براءتها في عشر آياتٍ من سورة النور تُتلى إلى يوم القيامة، فظهر فضلها وطُهرها، وحُدّ من خاض في الإفك.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 274
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 289
نزول آيات الحجاب
📍 المدينة المنورة
نزلت آيات الحجاب في السنة الخامسة تأمر أمهات المؤمنين والمؤمنات بالستر والاحتشام، وضرب الحجاب، وغضّ البصر. وكان نزول آية الحجاب مقترنًا بوليمة زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش.
في السنة الخامسة للهجرة شُرع الحجاب وأُنزلت آياته، تنظيمًا لشأن المرأة المسلمة وصيانةً لها. فنزل قوله تعالى في أمهات المؤمنين: ﴿وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهنّ من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ﴾، وقد نزلت هذه الآية يوم بنى النبي ﷺ بزينب بنت جحش وأطال بعض الضيوف الجلوس بعد الوليمة. ونزل في عموم المؤمنات قوله: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجهنّ... وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ﴾، وقوله: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ﴾. فالتزم نساء الصحابة بذلك امتثالًا لأمر الله، حتى قالت عائشة: «يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل، لمّا أنزل الله ﴿وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ﴾ شققن أكنف مروطهنّ فاختمرن بها». فكان الحجاب من خصائص هذه الأمة وعنوان عفّتها وطهرها.
- •
- — الرحيق المختوم
- — صحيح البخاري، كتاب التفسير
- — تفسير ابن كثير
صلح الحديبية
📍 الحديبية (قرب مكة)
خرج النبي ﷺ في نحو ألفٍ وأربعمئة معتمرًا لا يريد قتالًا، فصدّته قريش عند الحديبية. فتفاوضوا وعُقد صلحٌ على وضع الحرب عشر سنين ورجوع المسلمين ذلك العام على أن يعتمروا في القابل، فبدا في ظاهره إجحافًا، وكان فتحًا مبينًا.
خرج النبي ﷺ في ذي القعدة من السنة السادسة في نحو ألفٍ وأربعمئة من أصحابه، معتمرين سَوقوا الهَدْي مُحرمين، لا يريدون حربًا. فلمّا علمت قريش خرجت تصدّه وبعثت خالد بن الوليد في الخيل، فعدل النبي ﷺ عن طريقهم حتى نزل بالحديبية على أطراف الحرم. فجرت بينهم رسلٌ ومفاوضات، وأرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان إلى مكة، فاحتُبس فشاع أنه قُتل، فبايع النبيُّ ﷺ أصحابه تحت الشجرة على الموت أو ألا يفرّوا (بيعة الرضوان). ثم قدم سهيل بن عمرو مفاوضًا، فاصطلحوا على بنود بدت في ظاهرها مجحفة: وضع الحرب عشر سنين، ورجوع المسلمين هذا العام دون عمرة على أن يعتمروا في القابل ويقيموا ثلاثًا، وأن من جاء من قريش مسلمًا يُردّ ومن ذهب من المسلمين إليهم لا يُردّ، وأن من أراد دخول حلف محمد دخل ومن أراد حلف قريش دخل. فشقّ ذلك على المسلمين حتى راجع عمرُ النبيَّ ﷺ. ثم أمر النبي ﷺ بنحر الهدي والحلق ففعلوا بعد تردّد، فرجعوا. فأنزل الله في الطريق: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾، فكان الصلح فتحًا عظيمًا أثمر انتشار الإسلام وإسلام خلقٍ كثير في مدّة الهدنة.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 289
- — صحيح البخاري، كتاب الشروط
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 308
بيعة الرضوان
📍 الحديبية (تحت الشجرة)
لمّا شاع بالحديبية أن عثمان قُتل بمكة، دعا النبي ﷺ أصحابه إلى البيعة تحت شجرة، فبايعوه على الموت أو ألا يفرّوا، فرضي الله عنهم، فسُمّيت بيعة الرضوان، ونزل فيها قرآنٌ يثني على أهلها.
في أثناء مفاوضات الحديبية، أرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قريش بمكة ليبلّغهم أنهم جاؤوا معتمرين لا محاربين، فاحتبسته قريش، فأُشيع في المسلمين أن عثمان قد قُتل. فلمّا بلغ النبيَّ ﷺ ذلك قال: «لا نبرح حتى نناجز القوم»، ودعا أصحابه إلى البيعة، فبايعوه تحت شجرة (سَمُرة) على القتال والموت، وفي رواية: على ألا يفرّوا. فبايعه نحو ألفٍ وأربعمئة، وضرب بيده على يده عن عثمان. فأنزل الله رضاه عنهم: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا﴾. فسُمّيت «بيعة الرضوان» و«بيعة الشجرة»، وكان أهلها من خير الناس، شهد لهم النبي ﷺ بأنه لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة. ثم تبيّن أن عثمان لم يُقتل، وقدم سهيل بن عمرو للصلح.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 291
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 315
نزول سورة الفتح
📍 الطريق بين الحديبية والمدينة (كراع الغميم)
بينما النبي ﷺ راجعٌ من الحديبية، أنزل الله سورة الفتح يبشّره بأن صلح الحديبية فتحٌ مبين، ويثني على أهل بيعة الرضوان، ويبشّر بفتوحٍ قادمة ومغفرةٍ ورضوان. فكانت تثبيتًا للمسلمين الذين شقّ عليهم الصلح.
لمّا فرغ النبي ﷺ من صلح الحديبية وانصرف راجعًا إلى المدينة، نزل عليه في الطريق — عند كراع الغميم — سورة الفتح كاملةً، يفتتحها الله بقوله: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا * ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا﴾. فقال النبي ﷺ: «لقد أُنزلت عليّ الليلة سورةٌ لهي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس». وقد سمّى الله الصلح فتحًا قبل أن يظهر أثره، فكان كذلك، إذ أثمرت الهدنة أمنًا واختلاطًا بالناس، فدخل في الإسلام في تلك السنتين أضعاف من دخل فيه من قبل. واشتملت السورة على الثناء على أهل بيعة الرضوان، وذمّ المنافقين والأعراب المتخلّفين، والبشارة بفتح خيبر ودخول المسجد الحرام آمنين، ووصف أصحاب النبي ﷺ في خاتمتها: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفار رحماء بينهم﴾.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 293
- — صحيح البخاري، كتاب التفسير
الرسائل إلى الملوك
📍 المدينة المنورة
بعد صلح الحديبية، أرسل النبي ﷺ رسله بكتبٍ إلى ملوك عصره وعظمائه يدعوهم إلى الإسلام، منهم هرقل عظيم الروم، وكسرى ملك فارس، والنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس عظيم القبط، وغيرهم. فتفاوتت مواقفهم بين الإيمان والإعراض.
لمّا أمن النبي ﷺ جانب قريش بصلح الحديبية، اتّجه إلى نشر الدعوة خارج جزيرة العرب، فأرسل رسله بكتبٍ مختومةٍ بخاتمه «محمد رسول الله» إلى ملوك الأرض وعظمائها يدعوهم إلى الإسلام. فبعث دحية الكلبي إلى هرقل قيصر الروم، فعظّم الكتاب واستدعى أبا سفيان فسأله عن النبي ﷺ، وكاد يسلم لكن أبى عليه قومه، فأقرّ بصدقه ولم يسلم. وبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى ملك فارس، فمزّق الكتاب استكبارًا، فدعا عليه النبي ﷺ بأن يُمزّق مُلكه، فكان كذلك. وبعث عمرو بن أمية إلى النجاشي (أصحمة) ملك الحبشة، فأسلم وأكرم الرسول. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس عظيم القبط بمصر، فلم يسلم لكنه قارب وأهدى للنبي ﷺ هدايا ومارية القبطية. وبعث إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين، وإلى ملوك عُمان (جيفر وعبد ابني الجلندى)، وإلى الحارث الغساني وغيرهم. فكانت هذه الرسائل إعلانًا بعالمية الدعوة الإسلامية.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 388
- — صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي
- — زاد المعاد لابن القيم
غزوة خيبر
📍 خيبر
غزا النبي ﷺ خيبر معقل يهود الجزيرة الذين حزّبوا الأحزاب وآووا المحرّضين، ففتح الله حصونها حصنًا بعد حصن، وكان الفتح الأكبر على يد علي بن أبي طالب. فأقرّ النبي ﷺ اليهود على العمل في الأرض بنصف الثمر.
بعد رجوعه من الحديبية، سار النبي ﷺ في مطلع السنة السابعة إلى خيبر — وهي مدينة حصينة شمالي المدينة، معقل يهود كانوا قد أجّجوا نار الأحزاب وآووا من حُورب من بني النضير. فحاصرهم النبي ﷺ، وفتح الله حصونهم المنيعة واحدًا بعد واحد (ناعم، القموص، الصعب بن معاذ، وغيرها). وكان من أعظم أيامها فتح حصن القموص (حصن ابن أبي الحقيق)، إذ أعطى النبي ﷺ الراية عليَّ بن أبي طالب وقال: «لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه»، فبرز عليّ وقتل مرحبًا اليهودي وفتح الحصن. فلمّا تمّ الفتح، سأل يهود خيبر النبيَّ ﷺ أن يُقرّهم في الأرض يعملون فيها ولهم نصف الثمر، ففعل، وكانت أول مزارعةٍ في الإسلام. وقدم في أثناء الفتح أو بعده جعفر بن أبي طالب ومن معه من مهاجرة الحبشة، ففرح النبي ﷺ بفتح خيبر وقدوم جعفر معًا.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 369
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 328
قصة الشاة المسمومة
📍 خيبر
بعد فتح خيبر، أهدت امرأةٌ يهودية للنبي ﷺ شاةً مشويةً مسمومة، فأخبره الله بأمرها قبل أن يأكل، فلفظ اللقمة، ومات بشر بن البراء الذي بلع منها. فعفا النبي ﷺ عن المرأة في حقّه، وبقي أثر السمّ معه.
لمّا اطمأنّ النبي ﷺ بعد فتح خيبر، أهدت إليه امرأةٌ يهودية اسمها زينب بنت الحارث (امرأة سلّام بن مشكم) شاةً مصليّةً (مشويّة)، وقد سألت أيّ عضوٍ أحبّ إلى النبي ﷺ فقيل لها الذراع، فأكثرت فيه من السمّ. فلمّا تناول النبي ﷺ منها لقمةً ومضغها لم يبتلعها، وأخبره الله أن الذراع مسمومة، فلفظها وقال: «إن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة». وكان قد أكل معه بشر بن البراء بن معرور فبلع لقمته، فمات منها. فدعا النبي ﷺ المرأة فاعترفت وقالت: أردتُ أن أعرف، إن كنتَ نبيًّا فلن يضرّك، وإن كنتَ ملكًا أرحتُ الناس منك. فعفا النبي ﷺ عنها في حقّه، وقيل قُتلت قصاصًا ببشر بن البراء. وقد بقي أثر تلك الأكلة في جسد النبي ﷺ، حتى قال في مرض موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان قطعت أبهري»، فعُدّ من شهداء النبوة.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 378
- — صحيح البخاري، كتاب الطب
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 337
رجوع مهاجرة الحبشة
📍 خيبر / المدينة المنورة
بعد سنين من إقامتهم في الحبشة في جوار النجاشي، رجع جعفر بن أبي طالب ومن معه من مهاجرة الحبشة إلى النبي ﷺ، فوافوه عند فتح خيبر، ففرح النبي ﷺ بقدومهم فرحًا عظيمًا وقال: ما أدري بأيّهما أُسرّ.
كان جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعةٌ من المهاجرين قد بقوا في الحبشة منذ الهجرة الثانية في جوار النجاشي سنين طويلة، يعبدون الله في أمان. فلمّا استقرّ أمر المسلمين بالمدينة وقوي الإسلام، أرسل النبي ﷺ إلى النجاشي يطلب من بقي عنده، فجهّزهم النجاشي ورحّلهم في سفينتين، فقدموا على النبي ﷺ وهو بخيبر بعد فتحها في السنة السابعة. فلمّا رأى النبي ﷺ جعفرًا تلقّاه والتزمه وقبّل بين عينيه، وقال كلمته المشهورة: «ما أدري بأيّهما أنا أُسرّ: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟». وأسهم لهم النبي ﷺ من غنائم خيبر. فاجتمع شمل المهاجرين بعد فرقةٍ دامت سنين، وكان جعفر «أبا المساكين» يحبّه النبي ﷺ ويشبهه خَلقًا وخُلقًا، ثم استُشهد بعد ذلك في مؤتة.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 379
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام
عمرة القضاء
📍 مكة المكرمة
في العام السابع خرج النبي ﷺ ومن صُدّوا معه بالحديبية فأدّوا العمرة قضاءً عمّا فاتهم، فدخلوا مكة معتمرين، وخلت لهم قريش ثلاثة أيام حسب الصلح، فطافوا واعتمروا، ثم خرجوا. فكانت إظهارًا لقوة المسلمين.
كان من بنود صلح الحديبية أن يرجع المسلمون ذلك العام دون عمرة، على أن يعودوا في العام القابل فيعتمروا ويقيموا بمكة ثلاثة أيام، وتخلو لهم قريش. فلمّا كان ذو القعدة من السنة السابعة، خرج النبي ﷺ ومعه نحو ألفين ممن كانوا صُدّوا بالحديبية وغيرهم، معتمرين، يسوقون الهدي، متأهّبين بالسلاح حذرًا من غدر قريش، فجعلوه على حدود الحرم. فدخل النبي ﷺ مكة على راحلته القصواء، وعبد الله بن رواحة آخذٌ بزمامها يرتجز، والمسلمون يلبّون، وقد خرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال تنظر إليهم. فطاف النبي ﷺ بالبيت واضطبع ورمل في الأشواط الثلاثة الأُوَل إظهارًا للقوة، وسعى بين الصفا والمروة، ونحر هديه، وحلق. وأقام بمكة ثلاثًا، وفي هذه العمرة تزوّج ميمونة بنت الحارث. فلمّا انقضت الأيام الثلاثة طلبت منه قريش الخروج وفاءً بالشرط، فخرج. فسُمّيت «عمرة القضاء» أو «عمرة القضية» لأنها وقعت قضاءً عن العمرة التي صُدّ عنها، أو وفاءً بما تقاضى عليه في الصلح.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 383
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 370
زواجه من ميمونة بنت الحارث
📍 سَرِف (قرب مكة)
في عمرة القضاء تزوّج النبي ﷺ ميمونة بنت الحارث الهلالية، وكانت قد وهبت نفسها له، فتزوّجها وبنى بها بسَرِف قرب مكة. وكانت آخر من تزوّج من أمهات المؤمنين، وأختها أم الفضل زوج العباس.
في أثناء عمرة القضاء في ذي القعدة من السنة السابعة، تزوّج النبي ﷺ ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها، وكان العباس بن عبد المطلب عمّ النبي ﷺ قد سعى في هذا الزواج، إذ كانت ميمونة أخت زوجه أم الفضل. وقيل إنها وهبت نفسها للنبي ﷺ فنزل فيها قوله: ﴿وامرأةً مؤمنةً إن وهبت نفسها للنبي﴾. فتزوّجها النبي ﷺ، وبنى بها في موضعٍ يقال له «سَرِف» على نحو عشرة أميال من مكة في طريق المدينة، بعد خروجه من مكة عند انقضاء أيام العمرة. وكانت ميمونة آخر امرأةٍ تزوّجها النبي ﷺ على المشهور، وكانت من فاضلات أمهات المؤمنين، عابدةً واصلةً للرحم. وتُوفّيت رضي الله عنها في الموضع نفسه «سَرِف» الذي بنى بها فيه، بعد سنين طويلة.
- •
- — الرحيق المختوم
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سير أعلام النبلاء
غزوة مؤتة
📍 مؤتة (جنوب الأردن، قرب الكرك)
بعث النبي ﷺ جيشًا قوامه ثلاثة آلاف إلى مؤتة بأرض الشام لمّا قُتل رسوله إلى بصرى، فلقيهم جموعٌ عظيمة من الروم والعرب. فاستُشهد الأمراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة، ثم تولّى خالد الراية فانحاز بالجيش.
لمّا قتل شُرحبيل الغسّاني عاملُ قيصر رسولَ النبي ﷺ (الحارث بن عمير) المتوجّه إلى بصرى، جهّز النبي ﷺ جيشًا قوامه ثلاثة آلاف، وأمّر عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن قُتل زيدٌ فجعفر، فإن قُتل جعفرٌ فعبد الله بن رواحة»، فإن أُصيب فليرتضِ المسلمون رجلًا. فساروا حتى بلغوا مؤتة من أرض الشام، فلقوا جمعًا عظيمًا من الروم وحلفائهم من العرب يُقال إنهم مئتا ألف. فالتقى الجمعان على تفاوتٍ هائل في العدد، فقاتل زيد حتى استُشهد، فأخذ الراية جعفر فقاتل حتى قُطعت يداه فاحتضن اللواء حتى قُتل، فعوّضه الله جناحين يطير بهما في الجنة فسُمّي «الطيار». ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى استُشهد. فاصطلح المسلمون على خالد بن الوليد، فأخذ الراية، وكان قد أسلم قبلها، فقاتل ببراعة، ثم خدع العدو ليلًا بتغيير مواقع الجيش فظنّوا أن مددًا جاءهم، فانحاز خالد بالجيش وحماه من الاستئصال. فسمّاه النبي ﷺ «سيف الله المسلول». فكانت مؤتة أول لقاءٍ بين المسلمين والروم، ومقدّمة لفتوح الشام.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 393
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 373
سرية ذات السلاسل
📍 ذات السلاسل (أرض بلي وقضاعة شمالي الجزيرة)
بعث النبي ﷺ عمرو بن العاص على رأس سريةٍ إلى بلاد قضاعة وبلي شمالي الجزيرة، لمّا بلغه تجمّعهم، فاستمدّ عمرو فأمدّه النبي ﷺ بأبي عبيدة في جمعٍ من المهاجرين، فأمّر عمرًا عليهم، فهابهم العدو فتفرّقوا.
بلغ النبيَّ ﷺ أن جمعًا من قبائل قضاعة وبلي في أطراف الشام شمالي الجزيرة قد تجمّعوا يهمّون بالدنوّ من أطراف المدينة. فبعث النبي ﷺ عمرو بن العاص رضي الله عنه — وكان حديث عهدٍ بإسلام — على رأس سريةٍ نحو ثلاثمئة، واستعمله لأن أمّ جدّه كانت من تلك القبائل تأليفًا لهم. فلمّا بلغ أرض القوم ورأى كثرتهم، أرسل إلى النبي ﷺ يستمدّه، فأمدّه بأبي عبيدة بن الجرّاح في مئتين من خيار المهاجرين فيهم أبو بكر وعمر. فلمّا التقى الجيشان أراد كلٌّ أن يكون الأمير، فتنازل أبو عبيدة لعمرو حقنًا للخلاف وحفاظًا على الجماعة، فأمّ عمرٌو الناس. وسُمّيت «ذات السلاسل» لماءٍ هناك بهذا الاسم، أو لأن العدو ارتبط بعضهم ببعض بالسلاسل. فلمّا بلغهم مسير المسلمين تفرّقوا ولم يقع قتالٌ كبير، ورجع الجيش. وفي هذه السرية سأل عمرٌو النبيَّ ﷺ: أيّ الناس أحبّ إليك؟ فقال: «عائشة»، قال: من الرجال؟ قال: «أبوها».
- •
- — الرحيق المختوم
- — صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة
- — سيرة ابن هشام
فتح مكة
📍 مكة المكرمة
لمّا نقضت قريش صلح الحديبية بإعانتها بني بكر على خزاعة، سار النبي ﷺ في عشرة آلاف ففتح مكة في رمضان من السنة الثامنة فتحًا يكاد يكون بلا قتال، فدخلها مطأطئًا رأسه تواضعًا لله، فكان الفتح الأعظم.
كان من بنود صلح الحديبية أن من شاء دخل في عهد محمد ومن شاء دخل في عهد قريش، فدخلت خزاعة في عهد النبي ﷺ وبنو بكر في عهد قريش. فأعانت قريش حلفاءها بني بكر على خزاعة فبيّتوهم وقتلوا منهم في الحرم، فكان هذا نقضًا للعهد. فاستصرخت خزاعة النبيَّ ﷺ، فعزم على المسير إلى مكة، وكتم خبره واستعدّ، ودعا الله أن يأخذ على قريش العيون والأخبار. فخرج في رمضان من السنة الثامنة في عشرة آلاف، فلمّا نزل مرّ الظهران خرج إليه عمّه العباس، وأُتي بأبي سفيان فأسلم، فقال النبي ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن». ثم دخل النبي ﷺ مكة من أعلاها، وقد قسّم الجيش أربع كتائب، فلم يلقَ مقاومةً تُذكر إلا عند كتيبة خالد فقُتل نفر. ودخل النبي ﷺ متواضعًا حتى كادت ذؤابته تمسّ واسطة الرحل، يقرأ سورة الفتح، شكرًا لله وتواضعًا. فكان فتح مكة الفتح الأعظم الذي دانت به العرب للإسلام.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 401
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 389
تطهير الكعبة من الأصنام
📍 الكعبة، مكة المكرمة
لمّا دخل النبي ﷺ مكة فاتحًا، عمد إلى الكعبة وحولها ثلاثمئة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بقوسه ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾، فتساقطت الأصنام. ثم دخل البيت فمحا الصور، وأعاد للكعبة طهرها ومعناها التوحيدي.
بعد أن دخل النبي ﷺ مكة فاتحًا وأمن أهلها، توجّه إلى المسجد الحرام راكبًا، فطاف بالبيت على راحلته. وكان حول الكعبة وفي جوفها أصنامٌ نُصبت للعبادة، عددها ثلاثمئة وستون صنمًا. فجعل النبي ﷺ يطعنها بعودٍ (قوسٍ) كان في يده ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾، و﴿جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾، فتتساقط الأصنام على وجوهها. ثم أمر بها فأُخرجت من المسجد وكُسرت وأُحرقت. ودخل النبي ﷺ جوف الكعبة، وكان فيها صورٌ، فأمر بها فمُحيت، ووجد فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فقال: «قاتلهم الله، ما لإبراهيم وللأزلام؟». ثم صلّى في البيت وكبّر في نواحيه ووحّد الله. فطهّر الله بيته الحرام من رجس الأوثان والشرك، وأعاده إلى ما بُني عليه من التوحيد على ملّة إبراهيم.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 415
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 416
أذان بلال على الكعبة
📍 الكعبة، مكة المكرمة
لمّا حانت الصلاة يوم الفتح، أمر النبي ﷺ بلال بن رباح أن يعلو ظهر الكعبة فيؤذّن، فارتفع صوت التوحيد من فوق البيت الذي طالما عُذّب بلال دونه، فكان أذانه إعلانًا بانتصار الإسلام في مكة.
لمّا فتح النبي ﷺ مكة وطهّر الكعبة من الأصنام، وحانت الصلاة وقت الظهر، أمر بلال بن رباح المؤذّن رضي الله عنه أن يرقى فوق ظهر الكعبة فيرفع الأذان. فعلا بلالٌ — العبد الحبشي الذي كان يُعذّب في بطحاء مكة على إيمانه فيقول «أحدٌ أحد» — ظهرَ الكعبة، فرفع صوته بالتوحيد: «الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله»، في الموضع الذي طالما سُجد فيه للأوثان. وكان منظرًا عظيمًا تتجلّى فيه عزّة الإسلام وكرامة المؤمن مهما كان أصله، إذ ارتفع المستضعف الأمس فوق أشرف بقعةٍ في الأرض يعلن كلمة الحق. ونظر بعض صناديد قريش ممن لم يُسلم بعد إلى ذلك بمرارة، لكنّ الله أعزّ دينه. فكان أذان بلال فوق الكعبة من أبلغ مشاهد الفتح ودلالاته.
- •
- — الرحيق المختوم
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام
العفو العام يوم الفتح
📍 مكة المكرمة
بعد أن مكّنه الله من قريش التي آذته وأخرجته وحاربته عشرين عامًا، جمع النبي ﷺ أهل مكة عند الكعبة وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». فعفا عنهم عفوًا عامًّا، فدخلوا في الإسلام أفواجًا، فكان من أعظم مواقف الرحمة.
لمّا تمّ الفتح ودانت قريش، وقف أهل مكة ينتظرون ما يصنع بهم النبي ﷺ، وقد كانوا أخرجوه وكذّبوه وعذّبوا أصحابه وحاربوه ثلاثة عشر عامًا بمكة وثمانيًا بالمدينة، وقتلوا من قتلوا. فاجتمعوا عند الكعبة، فقام فيهم النبي ﷺ خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعلٌ بكم؟»، قالوا: خيرًا، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم. فقال كلمته الخالدة في الرحمة والعفو: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، مقتبسًا قول يوسف لإخوته: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾. فعفا عنهم عفوًا عامًّا إلا نفرًا قليلًا أهدر دمهم لجرائمهم، ثم عفا عن أكثرهم بعد ذلك. فكان هذا العفو العظيم في ساعة القدرة سببًا في دخول أهل مكة في دين الله أفواجًا، وتأليفًا للقلوب، ودرسًا في أن العفو عند المقدرة من شيم الكرام.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 417
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 412
- — السنن الكبرى للبيهقي
غزوة حنين
📍 وادي حنين (بين مكة والطائف)
بعد فتح مكة، جمعت هوازن وثقيف جموعها لحرب المسلمين، فخرج إليهم النبي ﷺ في اثني عشر ألفًا. فلمّا أعجبتهم كثرتهم فوجئوا بكمين العدو في الوادي فانهزموا أولًا، ثم ثبت النبي ﷺ ونادى أصحابه فكرّوا فنُصروا.
بعد فتح مكة بأيام، علم النبي ﷺ أن قبائل هوازن وثقيف قد جمعت جموعها بقيادة مالك بن عوف النصري لقتال المسلمين قبل أن يتوجّهوا إليها، وقد جاؤوا بأموالهم ونسائهم وأبنائهم ليحموا ظهورهم. فخرج إليهم النبي ﷺ في اثني عشر ألفًا (عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من مسلمة الفتح)، فلمّا رأى بعضهم كثرتهم قال قائل: «لن نُغلب اليوم من قلّة»، فأعجبتهم كثرتهم. فلمّا انحدروا في وادي حنين في غبش الفجر، كان العدو قد كمن لهم في مضايق الوادي، فرشقوهم بالنبل وحملوا عليهم حملةً واحدة، فانهزم المسلمون وولّوا مدبرين، وثبت النبي ﷺ على بغلته ينادي: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، والعباس يصيح بالأنصار وأهل بيعة الرضوان. فثاب المسلمون وكرّوا، وأنزل الله نصره وسكينته، فانهزم العدو هزيمةً منكرة، وغنم المسلمون مغانم عظيمة. وفيها نزل قوله: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تُغنِ عنكم شيئًا﴾.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 432
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 437
حصار الطائف
📍 الطائف
لمّا انهزمت هوازن وثقيف في حنين، تحصّن فلّهم في الطائف، فسار إليهم النبي ﷺ فحاصرهم بضع عشرة ليلة، واستعمل المنجنيق، فلم تُفتح. فرفع الحصار ودعا لثقيف بالهداية، فأسلموا بعد ذلك بوفدهم.
بعد هزيمة هوازن وثقيف في حنين، فرّ كثيرٌ منهم وعلى رأسهم مالك بن عوف، فتحصّنوا في مدينة الطائف الحصينة المنيعة ذات الأسوار، وكانوا قد أعدّوا فيها القوت والسلاح لسنة. فسار النبي ﷺ في إثرهم فحاصر الطائف بضعًا وعشرين ليلة (وقيل أقل)، ونصب عليهم المنجنيق والدبّابات، ورماهم بالنبل، فرماه أهل الطائف من فوق الأسوار بالنبل المحمّاة فأصابوا نفرًا من المسلمين. فلمّا رأى النبي ﷺ شدّة تحصّنهم، وكان قد أعلن أن من نزل من عبيدهم فهو حرّ، شاور أصحابه ثم رأى رفع الحصار، فأمر بالرحيل. فقيل له: ادعُ على ثقيف، فقال برحمته: «اللهم اهدِ ثقيفًا وأتِ بهم»، فلم يُفتح الطائف عنوةً، لكن أسلمت ثقيف طوعًا بعد ذلك بنحو عام، إذ قدم وفدها على النبي ﷺ بالمدينة في السنة التاسعة فأسلموا، وهُدمت طاغيتهم اللات.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 439
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 478
توزيع غنائم حنين بالجعرانة
📍 الجعرانة (قرب مكة)
بعد رفع حصار الطائف، رجع النبي ﷺ إلى الجعرانة فقسم غنائم حنين، وأعطى المؤلّفة قلوبهم من صناديد قريش عطايا عظيمة تأليفًا لهم، فوجد بعض الأنصار في أنفسهم، فخطبهم النبي ﷺ خطبةً عظيمة أرضاهم بها.
لمّا رفع النبي ﷺ الحصار عن الطائف، رجع إلى الجعرانة حيث كانت سبايا هوازن وأموالها محبوسة، فأقام بها يقسم الغنائم. وكان قد انتظر قدوم وفد هوازن، فلمّا قدموا مسلمين خيّرهم بين السبي والمال، فاختاروا نساءهم وأبناءهم، فردّ النبي ﷺ السبي عليهم وحضّ المسلمين على ذلك. ثم قسم الأموال، فأعطى «المؤلّفة قلوبهم» من سادة قريش وحديثي العهد بالإسلام عطايا جزيلة، فأعطى أبا سفيان وابنيه، وأعطى صفوان بن أمية ومالك بن عوف والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن مئةً مئةً من الإبل، تأليفًا لقلوبهم وتثبيتًا لإسلامهم. فوجد بعض الأنصار في أنفسهم إذ لم يُعطَوا مثل ذلك، وقالوا: يُعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فبلغ النبيَّ ﷺ ذلك، فجمع الأنصار وخطبهم خطبةً بليغة، ذكّرهم بفضل الله، وقال: «أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ ... الأنصار شعارٌ والناس دثار»، حتى بكوا وقالوا: رضينا برسول الله قَسمًا وحظًّا. ثم اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة ورجع إلى المدينة.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 441
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 489
عام الوفود
📍 المدينة المنورة
بعد فتح مكة ودخول قريش في الإسلام، تتابعت وفود قبائل العرب على النبي ﷺ بالمدينة معلنةً إسلامها، فسُمّي العام التاسع «عام الوفود»، إذ دانت جزيرة العرب للإسلام وأقبل الناس فيه أفواجًا.
كانت العرب تتربّص بإسلامها أمر قريش لمكانتها وولايتها للبيت، فلمّا فُتحت مكة وأسلمت قريش، أدركت القبائل أنه لا طاقة لها بمحاربة النبي ﷺ، وأن الحق ظاهر، فأقبلت وفودها من كل صوبٍ على المدينة في السنة التاسعة معلنةً دخولها في الإسلام، فكان عامًا حافلًا بالوفود حتى سُمّي «عام الوفود»، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا﴾. فمن أشهر هذه الوفود: وفد ثقيف الذين أسلموا وهُدمت اللات، ووفد بني تميم، ووفد عبد القيس، ووفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة، ووفد طيّئ ومعهم عديّ بن حاتم، ووفد نجران من النصارى، ووفد همدان والأزد وكندة وغيرها. وكان النبي ﷺ يكرم الوفود ويعلّمهم الدين ويبعث معهم من يفقّههم، ويكتب لهم الكتب. فبهذه الوفود تمّ للإسلام دخول جزيرة العرب في طاعة الله ورسوله ﷺ.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 466
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 559
- — زاد المعاد لابن القيم
غزوة تبوك
📍 تبوك
في السنة التاسعة بلغ النبيَّ ﷺ أن الروم تجمع لغزو المسلمين، فاستنفر الناس في حرٍّ شديد وعسرةٍ من الزاد، فخرج في نحو ثلاثين ألفًا إلى تبوك. فلم يلقَ الروم قتالًا، لكنه أظهر قوة المسلمين وعقد المعاهدات مع أهل تلك النواحي.
في رجب من السنة التاسعة، بلغ النبيَّ ﷺ أن الروم وحلفاءهم من العرب يحشدون جيشًا عظيمًا لغزو أطراف الجزيرة. فأراد النبي ﷺ أن يبادرهم، فاستنفر المسلمين وجلّى لهم وجهتهم خلافًا لعادته في التورية، لبُعد الشُّقّة وكثرة العدوّ. وكان الخروج في قيظٍ شديد، وحين طابت الثمار وأينعت الظلال، وفي عسرةٍ من المال والظهر، فسُمّي ذلك الجيش «جيش العُسرة». فحضّ النبي ﷺ على البذل، فأنفق أبو بكر ماله كله، وعمر نصف ماله، وجهّز عثمان جيش العسرة بمالٍ عظيم حتى قال النبي ﷺ: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم». وتخلّف المنافقون واعتذروا بالأعذار، وتخلّف ثلاثةٌ من المؤمنين صدقًا. فخرج النبي ﷺ في نحو ثلاثين ألفًا حتى بلغ تبوك، فلم يجد الروم قد زحفوا، فأقام بها أيامًا، وصالح أهل تلك النواحي (أيلة وأذرح ودومة الجندل) على الجزية. ثم رجع، ولم يقع قتال. وكانت تبوك آخر غزوات النبي ﷺ بنفسه، ونزل فيها كثيرٌ من سورة التوبة تكشف المنافقين.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 451
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 515
قصة كعب بن مالك ومن تخلفوا عن تبوك
📍 المدينة المنورة
تخلّف عن تبوك ثلاثةٌ من صادقي الإيمان بلا عذر: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع. فصدقوا النبيَّ ﷺ ولم يعتذروا بالكذب، فهجرهم المسلمون خمسين ليلة، حتى تاب الله عليهم وأنزل في توبتهم قرآنًا.
حين رجع النبي ﷺ من تبوك، جاءه المنافقون يعتذرون بالأعذار الكاذبة فقبل ظاهرهم ووكل سرائرهم إلى الله. وأما كعب بن مالك وصاحباه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع — وكانوا من أهل بدر أو من صالحي المؤمنين — فقد تخلّفوا من غير عذرٍ حقيقي، تثاقلًا وتسويفًا. فلمّا حضروا صدقوا النبيَّ ﷺ ولم يكذبوا، فقال كعب: «والله ما كان لي من عذر». فأمر النبي ﷺ المسلمين بهجرهم، فهجرهم الناس خمسين ليلة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وأُمروا باعتزال نسائهم. فصبروا واحتسبوا، ولم يلتمسوا رخصة المنافقين. حتى أنزل الله توبتهم في قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت... ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾. فبشّرهم النبي ﷺ بتوبة الله عليهم، ففرحوا فرحًا عظيمًا. وكانت قصتهم درسًا في الصدق وعاقبته الحميدة.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 461
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — صحيح مسلم، كتاب التوبة
وفاة عبد الله بن أبي ونزول آيات المنافقين
📍 المدينة المنورة
مات عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين بالمدينة بعد تبوك، فأراد النبي ﷺ الصلاة عليه إكرامًا لابنه المؤمن، فنهاه الله عن الصلاة على المنافقين بقوله: ﴿ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا﴾.
كان عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين بالمدينة، أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وكان وراء كثيرٍ من الفتن: تخذيل ثلث الجيش يوم أُحد، وكلمته في غزوة بني المصطلق ﴿ليُخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ﴾، وإشاعته الإفك. ومع ذلك كان ابنه عبد الله مؤمنًا صالحًا. فلمّا مات ابن أبيّ بعد رجوع النبي ﷺ من تبوك، جاء ابنه يطلب من النبي ﷺ قميصه ليكفّنه فيه، وأن يصلّي عليه، فأعطاه القميص وهمّ بالصلاة عليه رحمةً ووفاءً وتأليفًا لقومه، فجذبه عمر وقال: أتصلّي عليه وقد قال كذا وكذا؟ فقال النبي ﷺ: «إنما خيّرني الله فاخترت». فلمّا صلّى عليه، أنزل الله: ﴿ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾. فلم يصلّ النبي ﷺ على منافقٍ بعدها. وكانت سورة التوبة قد كشفت أحوال المنافقين وفضحت أسرارهم حتى سُمّيت «الفاضحة».
- •
- — الرحيق المختوم
- — صحيح البخاري، كتاب الجنائز
- — تفسير ابن كثير
هدم مسجد الضرار
📍 قباء، المدينة المنورة
بنى المنافقون مسجدًا بقباء أرادوا به الكيد للإسلام والتفريق بين المؤمنين والتجسّس، وطلبوا من النبي ﷺ الصلاة فيه. فأطلعه الله على نيّتهم، فلمّا رجع من تبوك أمر بهدمه وتحريقه، ونزل فيه قرآن.
كان نفرٌ من المنافقين بالمدينة قد بنوا مسجدًا بقرب مسجد قباء، أظهروا أنهم أرادوا التوسعة على الضعفاء وأهل العلّة في الليالي الباردة، وأبطنوا الكيد للإسلام: ضرارًا للمسجد الأول، وكفرًا، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا (ترقّبًا ومأوى) لمن حارب الله ورسوله من قبل (أبي عامر الفاسق الذي ذهب إلى الروم يحرّضهم). فطلبوا من النبي ﷺ — وهو متجهّز لتبوك — أن يصلّي فيه ليُضفي عليه الشرعية، فاعتذر بالسفر ووعدهم عند الرجوع. فلمّا قفل من تبوك ودنا من المدينة، أطلعه الله على حقيقة أمرهم، فأنزل: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل... لا تقم فيه أبدًا﴾. فبعث النبي ﷺ نفرًا أمرهم بهدم المسجد وتحريقه قبل أن يصل المدينة، فهُدم وأُحرق، وجُعل مكانه مزبلة. فكان مسجد الضرار رمزًا لكيد المنافقين الذي ردّه الله في نحورهم.
- — الرحيق المختوم
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 530
- — تفسير ابن كثير
مباهلة نصارى نجران
📍 المدينة المنورة
قدم وفد نصارى نجران على النبي ﷺ يجادلونه في عيسى عليه السلام، فدعاهم إلى الإسلام وبيّن لهم الحق، فأبوا، فدعاهم إلى المباهلة (الملاعنة)، فأحجموا خوفًا، وصالحوه على الجزية، فأقرّهم على دينهم.
قدم على النبي ﷺ وفدٌ من نصارى نجران (جنوبي الجزيرة) في نحو ستين راكبًا فيهم أساقفتهم وعلماؤهم، فأنزلهم النبي ﷺ في مسجده وأكرمهم، وجادلوه في شأن عيسى عليه السلام، وزعموا فيه ما زعموا من البنوّة والألوهية. فبيّن لهم النبي ﷺ الحق، وتلا عليهم ما أنزل الله في صدر سورة آل عمران من قوله: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾، ودعاهم إلى الإسلام. فلمّا أصرّوا على باطلهم، أمره الله أن يدعوهم إلى المباهلة، وهي أن يجتمع الفريقان فيدعوان الله أن تحلّ لعنته على الكاذبين منهما، قال تعالى: ﴿فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم... ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين﴾. فخرج النبي ﷺ للمباهلة ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين. فلمّا رأى النصارى صدقه وجدّه، وعلموا أنهم إن باهلوا هلكوا، أحجموا وأبوا المباهلة، وطلبوا الصلح، فصالحهم النبي ﷺ على الجزية وأقرّهم على دينهم.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 470
- — سيرة ابن هشام، ج1 ص. 573
- — تفسير ابن كثير
حج أبي بكر بالناس سنة 9 هـ
📍 مكة المكرمة
في السنة التاسعة أمّر النبي ﷺ أبا بكر الصديق على الحج ليقيم للناس مناسكهم، ثم أتبعه عليَّ بن أبي طالب ليبلّغ سورة براءة وينادي بأن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
في ذي الحجة من السنة التاسعة، بعث النبي ﷺ أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميرًا على الحج بثلاثمئة من المسلمين، ليقيم للناس مناسكهم ويعلّمهم إياها، إذ لم يكن النبي ﷺ قد حجّ بعد. فلمّا سار أبو بكر، نزلت أوائل سورة براءة (التوبة) بنبذ العهود إلى المشركين، فأرسل النبي ﷺ عليَّ بن أبي طالب في إثره ليبلّغ عن النبي ﷺ، لأن العادة جرت ألا يبلّغ العهود إلا رجلٌ من أهل بيت صاحبها. فأدّى أبو بكر الحج بالناس وعلّمهم المناسك، وأذّن عليٌّ يوم النحر بمنى بما أُمر به: ألا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنة، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فعهده إلى مدّته. فكان هذا الحج إيذانًا بتطهير البيت الحرام من الشرك وأهله، تمهيدًا لحجة الوداع في العام التالي.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 469
- — صحيح البخاري، كتاب التفسير
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 543
نزول سورة التوبة / براءة
📍 المدينة المنورة
نزلت سورة التوبة (براءة) في السنة التاسعة، فأعلنت البراءة من عهود المشركين الناقضين، وكشفت أحوال المنافقين، وفرضت أحكام الجهاد والجزية. وهي السورة الوحيدة التي لم تُفتتح بالبسملة لما فيها من الشدة على الكفر.
نزلت سورة التوبة — وتُسمّى «براءة» و«الفاضحة» و«المُبعثرة» — في أواخر العهد المدني، في السنة التاسعة، وكانت من آخر ما نزل من القرآن. تناولت السورة قضايا كبرى في تلك المرحلة: أعلنت البراءة من المشركين الذين نقضوا عهودهم، وأمهلتهم أربعة أشهر ثم أمرت بقتالهم إن لم يتوبوا، وحرّمت على المشركين قربان المسجد الحرام بعد عامهم، وفرضت الجزية على أهل الكتاب. كما كشفت السورة أحوال المنافقين وفضحت أسرارهم وتخلّفهم عن تبوك واعتذاراتهم الكاذبة وبناءهم مسجد الضرار، حتى قال ابن عباس: «هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنّوا أنها لن تُبقي أحدًا». وعالجت أمر الثلاثة الذين خُلّفوا وتوبتهم. ومن خصائصها أنها السورة الوحيدة التي لم تُفتتح بالبسملة، قيل لأنها نزلت بالسيف ورفع الأمان عن الناقضين، فلم تُناسبها بسملة الرحمة. وختمها الله بآيتين فيهما رأفة النبي ﷺ بأمته: ﴿لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتّم﴾.
- •
- — الرحيق المختوم
- — صحيح البخاري، كتاب التفسير
- — تفسير ابن كثير
تجهيز جيش أسامة بن زيد
📍 المدينة المنورة
في أواخر حياته أمر النبي ﷺ بتجهيز جيشٍ إلى أطراف الشام، وأمّر عليه أسامة بن زيد وهو شابّ، فطعن بعضهم في إمارته، فأكّد النبي ﷺ تأميره. ثم اشتدّ به المرض فتأخّر الجيش، حتى أنفذه أبو بكر بعد وفاته ﷺ.
في أواخر حياة النبي ﷺ، في صفر من السنة الحادية عشرة، أمر بتجهيز جيشٍ عظيم لغزو أطراف الشام (البلقاء والداروم) حيث استُشهد أبوه زيد ومن معه في مؤتة. وأمّر على هذا الجيش أسامة بن زيد بن حارثة، وكان شابًّا حدثًا في نحو الثامنة عشرة، وفي الجيش كبار المهاجرين والأنصار. فتكلّم بعض الناس في إمارة أسامة لحداثة سنّه، فبلغ النبيَّ ﷺ ذلك فغضب وخطب فقال: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة». فخرج الجيش وعسكر بالجُرف على أطراف المدينة. ثم اشتدّ بالنبي ﷺ مرض موته، فتوقّف إنفاذ الجيش انتظارًا لما يكون من أمره ﷺ، وكان النبي ﷺ يحضّ على إنفاذه ويقول: «أنفذوا جيش أسامة». فلمّا توفّي النبي ﷺ وتولّى أبو بكر الخلافة، أصرّ على إنفاذ الجيش رغم ارتداد كثيرٍ من العرب، وقال: «لا أحلّ راية عقدها رسول الله ﷺ»، فأنفذه فكان فيه خيرٌ وبركة.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 477
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 642
حجة الوداع
📍 مكة وعرفة ومنى
في السنة العاشرة حجّ النبي ﷺ حجّته الوحيدة، فخرج معه نحو مئة ألفٍ من المسلمين، فعلّمهم مناسك الحج بفعله وقوله، وأكمل الله به الدين. وكانت توديعًا للأمة، فسُمّيت «حجة الوداع».
بعد أن تمهّدت الجزيرة ودخلت في الإسلام، أراد النبي ﷺ أن يحجّ ويعلّم الناس مناسكهم، فأذّن في الناس بالحج في السنة العاشرة، فاجتمع إليه خلقٌ عظيم قيل نحو مئة ألفٍ أو أكثر. فخرج من المدينة في ذي القعدة، وأحرم من ذي الحليفة بالحج والعمرة معًا (قارنًا)، ولبّى بتلبيته المشهورة: «لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك». فلمّا قدم مكة طاف وسعى، ثم خرج إلى منى فعرفة، فوقف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة على راحلته القصواء، وخطب الناس خطبة الوداع العظيمة. ثم دفع إلى مزدلفة فبات بها، ثم إلى منى فرمى ونحر وحلق وطاف طواف الإفاضة، وعلّم الناس مناسكهم قولًا وفعلًا، وكان يقول: «خذوا عنّي مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحجّ بعد حجّتي هذه». فكانت حجّته الوحيدة بعد الهجرة، وفيها أكمل الله الدين، وودّع النبي ﷺ أمته تلميحًا، فسُمّيت «حجة الوداع» و«حجة البلاغ» و«حجة الإسلام».
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 478
- — صحيح مسلم، كتاب الحج
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 601
خطبة الوداع
📍 عرفة، مكة المكرمة
خطب النبي ﷺ في حجة الوداع يوم عرفة خطبةً جامعة قرّر فيها أصول الإسلام: حرمة الدماء والأموال والأعراض، وإبطال الربا والثأر الجاهلي، والوصية بالنساء، والأخوّة والمساواة، والاعتصام بكتاب الله، وأشهد الله على بلاغه.
في يوم عرفة من حجة الوداع، وقف النبي ﷺ على راحلته في وادٍ بعرفة، فخطب الناس خطبةً جامعةً عظيمة، بلّغها عنه من يردّدها على الجموع. افتتحها بحمد الله، ثم قرّر فيها قواعد الإسلام الكبرى: فأعلن حرمة الدماء والأموال والأعراض: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». وأبطل ربا الجاهلية ووضع أول ربًا يضعه ربا عمّه العباس، وأبطل دماء الجاهلية وبدأ بدم ابن ربيعة. وأوصى بالنساء خيرًا: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله». وقرّر أخوّة المسلمين ومساواتهم: «لا فضل لعربيّ على عجميّ إلا بالتقوى». وحذّر من الشيطان، وأمر بالاعتصام بكتاب الله: «وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله». ثم أشهد الله على أنه بلّغ، فجعل يقول: «ألا هل بلّغت؟»، فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء ويقول: «اللهم اشهد». فكانت خطبةً جامعةً لأصول الدين وحقوق الإنسان، ووثيقةً خالدة.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 480
- — صحيح مسلم، كتاب الحج
- — مسند أحمد
نزول آية «اليوم أكملت لكم دينكم»
📍 عرفة، مكة المكرمة
نزل قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ يوم عرفة في حجة الوداع، إيذانًا بكمال الدين وتمام النعمة. فبكى عمر لمّا سمعها، إذ فهم أنها إيذانٌ بقرب أجل النبي ﷺ.
بينما النبي ﷺ واقفٌ بعرفة يوم الجمعة في حجة الوداع، أنزل الله عليه قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾. فكانت إعلانًا بأن الله قد أكمل للأمة دينها شرعًا وعقيدةً وأحكامًا، وأتمّ عليها نعمته بالهداية والتمكين وفتح مكة وظهور الإسلام، ورضي لها الإسلام دينًا لا يقبل سواه. وقد عرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما وراء هذه الآية من المعنى، فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان»، أي أن كمال الدين وتمام النعمة إيذانٌ بقرب انتهاء مهمة النبي ﷺ ودنوّ أجله. وقد جاء في الحديث أن يهوديًّا قال لعمر: لو علينا نزلت هذه الآية لاتّخذنا يومها عيدًا، فقال عمر: قد نزلت في يوم عيدين: يوم جمعةٍ ويوم عرفة. وتُوفّي النبي ﷺ بعدها بنحو ثمانين يومًا أو أقل، فكانت من آخر ما نزل من الأحكام.
- •
- — الرحيق المختوم
- — صحيح البخاري، كتاب الإيمان
- — تفسير ابن كثير
بداية مرض النبي ﷺ
📍 المدينة المنورة
في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة بدأ بالنبي ﷺ وجع الموت، فاشتكى رأسه وحُمّ، واشتدّ به المرض، فاستأذن أزواجه أن يُمرّض في بيت عائشة فأذنّ له، فمكث فيه أيامًا يعالج سكرات الموت.
بعد رجوع النبي ﷺ من حجة الوداع بأشهر، في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة، بدأت عليه أعراض المرض الذي توفّي فيه. خرج ليلًا إلى البقيع فاستغفر لأهله، ثم رجع فبدأ به الصداع والحمّى الشديدة، حتى كان يُوضع عليه الماء البارد ليُخفّف عنه. واشتدّ به الوجع وهو يدور على بيوت نسائه، فلمّا ثقُل عليه ذلك استأذنهنّ أن يُمرّض في بيت عائشة رضي الله عنها، فأذنّ له. فخرج إليه يُهادى بين رجلين (العباس وعليّ) تخطّ قدماه الأرض من شدة الضعف، حتى دخل بيت عائشة. ومع شدة المرض كان ﷺ يصبر ويحتسب، ويذكّر بقرب أجله، ويوصي بالصلاة وما ملكت الأيمان، ويقول: «إن الله خيّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله»، ففهم أبو بكر أنه يعني نفسه فبكى. وكان من آخر ما أوصى به: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم».
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 488
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
تقديم أبي بكر للصلاة
📍 المسجد النبوي، المدينة المنورة
لمّا اشتدّ المرض بالنبي ﷺ ولم يستطع إمامة الناس، أمر أن يصلّي أبو بكر بالناس، فصلّى بهم أيام مرضه. فكان ذلك إشارةً إلى تقديمه وأهليته للخلافة من بعده، إذ رضيه النبي ﷺ لدينهم.
لمّا ثقُل النبي ﷺ في مرضه وعجز عن الخروج لإمامة الناس في الصلاة، أمر أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يصلّي بالناس، فقال: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس». فراجعته عائشة شفقةً على أبيها من تأثّره ورقّة قلبه ومن أن يتشاءم الناس به، وأشارت بعمر، فأبى النبي ﷺ وأكّد: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس، فإنكنّ صواحب يوسف». فصلّى أبو بكر بالناس بقية أيام مرض النبي ﷺ، نحو سبع عشرة صلاة. وفي بعض الصلوات وجد النبي ﷺ خفّةً فخرج يُهادى بين رجلين، فأراد أبو بكر أن يتأخّر، فأشار إليه النبي ﷺ أن مكانك، وجلس عن يسار أبي بكر يأتمّ به الناس وأبو بكر يأتمّ بالنبي ﷺ ويُسمع الناس التكبير. وقد فهم الصحابة من تقديم النبي ﷺ لأبي بكر في الصلاة — وهي عماد الدين — رضاه به للإمامة الكبرى، فكان ذلك من أقوى ما احتجّوا به على خلافته بعد وفاته ﷺ، وقالوا: «رضيه النبي ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟».
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 490
- — صحيح البخاري، كتاب الأذان
وفاة النبي ﷺ
📍 بيت عائشة، المدينة المنورة
تُوفّي النبي ﷺ يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ضحى، في بيت عائشة رضي الله عنها وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة. فكان آخر كلامه: «بل الرفيق الأعلى». فحزن المسلمون حزنًا عظيمًا، وثبّتهم أبو بكر.
في صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وجد النبي ﷺ خفّةً، فكشف ستر حجرة عائشة ونظر إلى المسلمين يصلّون صفوفًا خلف أبي بكر، فتبسّم وكاد المسلمون يفتنون فرحًا، وأشار إليهم أن أتمّوا صلاتكم. ثم رجع واشتدّ به الوجع في ضحى ذلك اليوم. وكان رأسه الشريف بين سحر عائشة ونحرها، وكان بين يديه قدحٌ فيه ماء يدخل يديه فيمسح وجهه ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». ثم جعل يرفع إصبعه إلى السماء ويقول: «اللهم الرفيق الأعلى»، يكرّرها، حتى قُبضت روحه الشريفة ﷺ وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة. فلمّا شاع الخبر، اضطرب المسلمون اضطرابًا شديدًا، حتى أنكر عمر بن الخطاب الوفاة من شدة الصدمة وقال: لم يمت. فأقبل أبو بكر الصديق فكشف عن وجه النبي ﷺ وقبّله وقال: «طبتَ حيًّا وميتًا»، ثم خرج إلى الناس فثبّتهم بكلمته الخالدة: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت»، وتلا قوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 491
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 649
الغسل والصلاة عليه ودفنه
📍 الحجرة النبوية، المدينة المنورة
غُسّل النبي ﷺ في ثيابه على يد عليّ والعباس وأبنائه، ثم صلّى عليه المسلمون أفرادًا بلا إمام، ودُفن في حجرة عائشة في الموضع الذي قُبض فيه، بعد أن قال أبو بكر إن الأنبياء يُدفنون حيث يموتون.
لمّا ثبتت وفاة النبي ﷺ، تولّى أمر غسله أهل بيته: عليّ بن أبي طالب، والعباس وابناه الفضل وقثم، وأسامة بن زيد وشُقران مولاه، وغسّلوه ﷺ ولم يجرّدوه من ثيابه بل غسّلوه وعليه قميصه، إكرامًا له، ووجدوا منه أطيب الرائحة. ثم كُفّن في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة ليس فيها قميصٌ ولا عمامة. ثم دخل الناس يصلّون عليه أرسالًا (أفرادًا وجماعاتٍ صغيرة) بلا إمامٍ واحد، إجلالًا لمقامه، فصلّى عليه الرجال ثم النساء ثم الصبيان. واختلف الصحابة في موضع دفنه، حتى روى أبو بكر عن النبي ﷺ قوله: «ما قبض الله نبيًّا إلا دُفن حيث يُقبض»، فرفعوا فراشه الذي تُوفّي عليه في حجرة عائشة وحفروا تحته. وكان دفنه ﷺ ليلة الأربعاء (أو الثلاثاء)، تولّى إنزاله في قبره أهل بيته ومواليه. ودُفن في حجرة عائشة، حيث دُفن بعده صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فصار الموضع أشرف بقعةٍ على وجه الأرض.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 493
- — صحيح البخاري، كتاب الجنائز
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 662
موقف أبي بكر بعد الوفاة
📍 المسجد النبوي، المدينة المنورة
لمّا اضطرب المسلمون لوفاة النبي ﷺ وأنكر عمر موته، أقبل أبو بكر فثبّتهم بكلمته العظيمة: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت»، فثاب الناس إلى رشدهم. ثم بُويع بالخلافة في سقيفة بني ساعدة.
كان وقع وفاة النبي ﷺ على المسلمين عظيمًا، فمنهم من دُهش فلم يستطع الكلام، ومنهم من أُقعد، ومنهم من أنكر الوفاة كعمر بن الخطاب الذي قام يقول: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ مات، وإنه والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى. فأقبل أبو بكر الصديق رضي الله عنه — وكان غائبًا في منزله بالسُّنح — فدخل على النبي ﷺ فكشف عن وجهه وقبّله وبكى وقال: «بأبي أنت وأمي، طبتَ حيًّا وميتًا». ثم خرج إلى الناس والمسجد يموج، فقام خطيبًا وثبّتهم، فحمد الله وقال كلمته الفاصلة: «أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت»، ثم تلا: ﴿وما محمد إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم﴾. فلمّا سمعها الناس كأنهم لم يعلموا أنها نزلت حتى تلاها، فتلقّوها منه، وسقطت من يد عمر حتى عرف أن النبي ﷺ قد مات. ثم اجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة وتشاوروا في الخلافة، فبايعوا أبا بكر الصديق خليفةً لرسول الله ﷺ، فاجتمعت عليه الكلمة، وأنفذ جيش أسامة، وقاتل المرتدّين، فحفظ الله به الدين.
- •
- — الرحيق المختوم، ص. 492
- — صحيح البخاري، كتاب المغازي
- — سيرة ابن هشام، ج2 ص. 655