سورة ابراهيم · الآية 13

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ13

الجزء 13 الصفحة 257
تفسير السعدي
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر دعوة الرسل لقومهم ودوامهم على ذلك وعدم مللهم، ذكر منتهى ما وصلت بهم الحال مع قومهم فقال: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ } متوعدين لهم { لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } وهذا أبلغ ما يكون من الرد، وليس بعد هذا فيهم مطمع، لأنه ما كفاهم أن أعرضوا عن الهدى بل توعدوهم بالإخراج من ديارهم ونسبوها إلى أنفسهم وزعموا أن الرسل لا حق لهم فيها، وهذا من أعظم الظلم، فإن الله أخرج عباده إلى الأرض، وأمرهم بعبادته، وسخر لهم الأرض وما عليها يستعينون بها على عبادته. فمن استعان بذلك على عبادة الله حل له ذلك وخرج من التبعة، ومن استعان بذلك على الكفر وأنواع المعاصي، لم يكن ذلك خالصا له، ولم يحل له، فعلم أن أعداء الرسل في الحقيقة ليس لهم شيء من الأرض التي توعدوا الرسل بإخراجهم منها. وإن رجعنا إلى مجرد العادة فإن الرسل من جملة أهل بلادهم، وأفراد منهم، فلأي شيء يمنعونهم حقا لهم صريحا واضحا؟! هل هذا إلا من عدم الدين والمروءة بالكلية؟ ولهذا لما انتهى مكرهم بالرسل إلى هذه الحال ما بقي حينئذ إلا أن يمضي الله أمره، وينصر أولياءه، { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ } بأنواع العقوبات.

التفسير الميسر
نخبة من العلماء

وضاقت صدور الكفار مما قاله الرسل فقالوا لهم: لنطردنكم من بلادنا حتى تعودوا إلى ديننا، فأوحى الله إلى رسله أنه سيهلك الجاحدين الذين كفروا به وبرسله.

تفسير ابن كثير
إسماعيل بن عمر بن كثير

يخبر تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم من الإخراج من أرضهم والنفي من بين أظهرهم كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به " لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا " الآية وكما قال قوم لوط " أخرجوا آل لوط من قريتكم " الآية ; وقال تعالى إخبارا عن مشركي قريش " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا " وقال تعالى " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " وكان من صنعه تعالى أنه أظهر رسوله ونصره وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارا وأعوانا وجندا يقاتلون في سبيل الله تعالى ولم يزل يرقيه تعالى من شيء إلى شيء حتى فتح له مكة التي أخرجته ومكن له فيها وأرغم أنوف أعدائه منهم ومن سائر أهل الأرض حتى دخل الناس في دين الله أفواجا وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان ولهذا قال تعالى " فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم " وكما قال " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون " وقال تعالى " كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز " وقال تعالى " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر " الآية " وقال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " وقال تعالى " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون.

تفسير القرطبي
محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا اللام لام قسم ; أي والله لنخرجنكم .أو لتعودن أي حتى تعودوا أو إلا أن تعودوا ; قاله الطبري وغيره . قال ابن العربي : وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير ; فإن " أو " على بابها من التخيير ; خير الكفار الرسل بين أن يعودوا في ملتهم أو يخرجوهم من أرضهم ; وهذه سيرة الله تعالى في رسله وعباده ; ألا ترى إلى قوله : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا وقد تقدم هذا المعنى في " الأعراف " وغيرها . في ملتنا أي إلى ديننا ، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين

تفسير الطبري
محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر : يقول عزّ ذكره: وقال الذين كفروا بالله لرسلهم الذين أرسلوا إليهم ، حين دعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له ، وفراق عبادة الآلهة والأوثان ( لنخرجنَّكم من أرضنا ) ، يعنون: من بلادنا فنطردكم عنها ( أو لتعودن في مِلّتنا ) ، يعنون: إلا أن تَعُودوا في دِيننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام. (9)* * *وأدخلت في قوله: ( لتعودُنَّ ) " لام " ، وهو في معنى شرطٍ ، كأنه جواب لليَمين ، وإنما معنى الكلام: لنخرجَنكم من أرضنا ، أو تعودون في ملتنا . (10)* * *ومعنى " أو " ههنا معنى " إلا " أو معنى " حتى " كما يقال في الكلام: " لأضربنك أوْ تُقِرَّ لي" ، فمن العرب من يجعل ما بعد " أو " في مثل هذا الموضع عطفًا على ما قبله ، إن كان ما قبله جزمًا جزموه ، وإن كان نصبًا نصبوه ، وإن كان فيه " لام " جعلوا فيه " لاما " ، (11) إذ كانت " أو " حرف نَسق. ومنهم من ينصب " ما " بعد " أو " بكل حالٍ ، ليُعْلَم بنصبه أنه عن الأول منقطع عما قبله ، كما قال امرؤ القيس:بَكَـى صَـاحِبِي لَمَّـا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُوَأَيْقَــنَ أَنَّـــا لاحِقَــانِ بِقَيْصَـرَافَقُلْــتُ لَـهُ: لا تَبْــكِ عَيْنُـكَ إِنَّمَـانُحَــاوِلُ مُلْكًــا أَوْ نَمُـوتَ فَنُعْـذَرَا (12)فنصب " نموت فنعذرا " وقد رفع " نحاول " ، لأنه أراد معنى: إلا أن نموتَ ،أو حتى نموتَ ، ومنه قول الآخر: (13)لا أَسْــتَطِيعُ نزوعًـا عَـنْ مَوَدَّتِهَـاأَوْ يَصْنَـعَ الْحُـبُّ بِي غَيْرَ الَّذِي صَنَعَا (14)وقوله: ( فأوحَى إليهم ربُّهم لنُهلكنَّ الظالمين ) ، الذين ظلموا أنفسهم ، (15) فأوجبوا لها عقاب الله بكفرهم. وقد يجوز أن يكون قيل لهم: " الظالمون " لعبادتهم من لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهة ، (16) فيكون بوضعهم العبادةَ في غير موضعها ، إذ كان ظلمًا ، سُمُّوا بذلك. (17)------------------------الهوامش :(9) انظر تفسير " الملة " فيما سلف : 101 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك ، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 336 .(10) في المطبوعة : " أو تعودن " ، والصواب من المخطوطة .(11) في المطبوعة : " إن كان فيه لامًا " ، ، خطأ ، صوابه في المخطوطة .(12) ديوانه : 65 من قصيدته الغالية التي قالها في مسيرة إلى قيصر مستنصرًا به بعد قتل أبيه . وصاحبه الذي ذكره ، هو عمرو بن قميئة اليشكري الذي استصحبه إلى قيصر ، و " الدرب " . ما بين طرسوس وبلاد الروم .(13) هو الأحوص بن محمد الأنصاري ، وينسب أحيانًا للمجنون .(14) الأغاني 4 : 299 ، وديوان المجنون : 200 ، وخرج أبيات الأحوص ، ولدنا الأستاذ عادل سليمان ، فيما جمعه من شعر لأحوص ، ولم يطبع بعد .(15) انظر تفسير : " أوحى " فيما سلف 6 : 405/9 : 399 / 11 : 217 ، 290 ، 371 ، 533 .(16) انظر تفسير " الظلم " فيما سلف 1 : 523 ، 524 / 2 : 369 ، 519 / 4 : 584 / 5 : 384 ، وغيرها في فهارس اللغة .(17) في المطبوعة كتب : " سموا بذلك ظالمين " ، زاد ما لا محصل له ، إذ لم يألف عبارة أبي جعفر ، فأظلمت عليه .

→ الآية السابقة الآية التالية ←