سورة البقرة · الآية 152

فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ152

الجزء 2 الصفحة 23
تفسير السعدي
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: إن إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة وإتمامها بالشرائع والنعم المتممة, ليس ذلك ببدع من إحساننا, ولا بأوله, بل أنعمنا عليكم بأصول النعم ومتمماتها, فأبلغها إرسالنا إليكم هذا الرسول الكريم منكم, تعرفون نسبه وصدقه, وأمانته وكماله ونصحه. { يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا } وهذا يعم الآيات القرآنية وغيرها، فهو يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل, والهدى من الضلال, التي دلتكم أولا, على توحيد الله وكماله, ثم على صدق رسوله, ووجوب الإيمان به, ثم على جميع ما أخبر به من المعاد والغيوب, حتى حصل لكم الهداية التامة, والعلم اليقيني. { وَيُزَكِّيكُمْ } أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم, بتربيتها على الأخلاق الجميلة, وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة, وذلك كتزكيتكم من الشرك, إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص, ومن الكذب إلى الصدق, ومن الخيانة إلى الأمانة, ومن الكبر إلى التواضع, ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق, ومن التباغض والتهاجر والتقاطع, إلى التحاب والتواصل والتوادد, وغير ذلك من أنواع التزكية. { وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ } أي: القرآن, ألفاظه ومعانيه، { وَالْحِكْمَةَ } قيل: هي السنة, وقيل: الحكمة, معرفة أسرار الشريعة والفقه فيها, وتنزيل الأمور منازلها. فيكون - على هذا - تعليم السنة داخلا في تعليم الكتاب, لأن السنة, تبين القرآن وتفسره, وتعبر عنه، { وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } لأنهم كانوا قبل بعثته, في ضلال مبين, لا علم ولا عمل، فكل علم أو عمل, نالته هذه الأمة فعلى يده صلى الله عليه وسلم, وبسببه كان، فهذه النعم هي أصول النعم على الإطلاق, ولهي أكبر نعم ينعم بها على عباده، فوظيفتهم شكر الله عليها والقيام بها؛ فلهذا قال تعالى: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } فأمر تعالى بذكره, ووعد عليه أفضل جزاء, وهو ذكره لمن ذكره, كما قال تعالى على لسان رسوله: { من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم } وذكر الله تعالى, أفضله, ما تواطأ عليه القلب واللسان, وهو الذكر الذي يثمر معرفة الله ومحبته, وكثرة ثوابه، والذكر هو رأس الشكر, فلهذا أمر به خصوصا, ثم من بعده أمر بالشكر عموما فقال: { وَاشْكُرُوا لِي } أي: على ما أنعمت عليكم بهذه النعم، ودفعت عنكم صنوف النقم، والشكر يكون بالقلب, إقرارا بالنعم, واعترافا, وباللسان, ذكرا وثناء, وبالجوارح, طاعة لله وانقيادا لأمره, واجتنابا لنهيه, فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة, وزيادة في النعم المفقودة، قال تعالى: { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ } وفي الإتيان بالأمر بالشكر بعد النعم الدينية, من العلم وتزكية الأخلاق والتوفيق للأعمال, بيان أنها أكبر النعم, بل هي النعم الحقيقية؟ التي تدوم, إذا زال غيرها وأنه ينبغي لمن وفقوا لعلم أو عمل, أن يشكروا الله على ذلك, ليزيدهم من فضله, وليندفع عنهم الإعجاب, فيشتغلوا بالشكر. ولما كان الشكر ضده الكفر, نهى عن ضده فقال: { وَلَا تَكْفُرُونِ } المراد بالكفر هاهنا ما يقابل الشكر, فهو كفر النعم وجحدها, وعدم القيام بها، ويحتمل أن يكون المعنى عاما, فيكون الكفر أنواعا كثيرة, أعظمه الكفر بالله, ثم أنواع المعاصي, على اختلاف أنواعها وأجناسها, من الشرك, فما دونه.

التفسير الميسر
نخبة من العلماء

أمر تعالى المؤمنين بذكره، ووعد عليه أفضل الجزاء، وهو الثناء في الملأ الأعلى على مَنْ ذكره، وخصوني -أيها المؤمنون- بالشكر قولا وعملا ولا تجحدوا نعمي عليكم.

تفسير ابن كثير
إسماعيل بن عمر بن كثير

قال مجاهد في قوله "كما أرسلنا فيكم رسولا منكم" يقول كما فعلت فاذكروني قال عبدالله بن وهب عن هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام قال يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: تذكرني ولا تنساني فإذا ذكرتني فقد شكرتني وإذا نسيتني فقد كفرتني قال الحسن البصري وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس إن الله يذكر من ذكره ويزيد من شكره ويعذب من كفره وقال بعض السلف في قوله تعالى "اتقوا الله حق تقاته" قال هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح أخبرنا يزيد بن هرون أخبرنا عمارة الصيدلاني أخبرنا مكحول الأزدي قال: قلت لابن عمر أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والسارق والزاني يذكر الله وقد قال الله تعالى "فاذكروني أذكركم" قال إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت وقال الحسن البصري في قوله "فاذكروني أذكركم" قال اذكروني فيما أوجبت لكم على نفسي وعن سعيد بن جبير اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي وفي رواية برحمتي وعن ابن عباس في قوله اذكروني أذكركم قال ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه وفي الحديث الصحيح "يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه" قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال الله عز وجل يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي وإن ذكرتني في ملإ ذكرتك في ملإ من الملائكة - أو قال في ملإ خير منه - وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة" صحيح الإسناد أخرجه البخاري من حديث قتادة وعنده قال قتادة الله أقرب بالرحمة: وقوله "واشكروا لي ولا تكفرون" أمر الله تعالى بشكره ووعد على شكره بمزيد الخير فقال "وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد" وقال الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة - رجل من قيس - حدثنا أبو رجاء العطاردي قال خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه" وقال روح مرة: على عبده.

تفسير القرطبي
محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرينقوله تعالى : فاذكروني أذكركم أمر وجوابه ، وفيه معنى المجازاة فلذلك جزم . وأصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له . وسمي الذكر باللسان ذكرا لأنه دلالة على الذكر القلبي ، غير أنه لما كثر إطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم .ومعنى الآية : اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة ، قاله سعيد بن جبير . وقال أيضا : الذكر طاعة الله ، فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : من أطاع الله فقد ذكر الله وإن أقل صلاته وصومه وصنيعه للخير ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثر صلاته وصومه وصنيعه للخير ، ذكره أبو عبد الله محمد بن خويز منداد في " أحكام القرآن " له . وقال أبو عثمان النهدي : إني لأعلم الساعة التي يذكرنا الله فيها ، قيل له : ومن أين تعلمها ؟ قال يقول الله عز وجل : فاذكروني أذكركم . وقال السدي : ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله عز وجل ، لا يذكره مؤمن إلا ذكره الله برحمته ، ولا يذكره كافر إلا ذكره الله بعذاب . وسئل أبو عثمان فقيل له : نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة ؟ فقال : احمدوا الله تعالى على أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته . وقال ذو النون المصري رحمه الله : من ذكر الله تعالى ذكرا على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيء ، حفظ الله عليه كل شيء ، وكان له عوضا من كل شيء . وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله . والأحاديث في فضل الذكر وثوابه كثيرة خرجها الأئمة . روى ابن ماجه عن عبد الله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن شرائع الإسلام قد [ ص: 161 ] كثرت علي فأنبئني منها بشيء أتشبث به ، قال : لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل . وخرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله عز وجل يقول أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان عند قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وأن المراد ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات .قوله تعالى : واشكروا لي ولا تكفرون قال الفراء يقال : شكرتك وشكرت لك ، ونصحتك ونصحت لك ، والفصيح الأول . والشكر معرفة الإحسان والتحدث به ، وأصله في اللغة الظهور ، وقد تقدم . فشكر العبد لله تعالى ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه ، وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته له ، إلا أن شكر العبد نطق باللسان وإقرار بالقلب بإنعام الرب مع الطاعات .قوله تعالى : ولا تكفرون نهي ، ولذلك حذفت منه نون الجماعة ، وهذه نون المتكلم . وحذفت الياء لأنها رأس آية ، وإثباتها أحسن في غير القرآن ، أي لا تكفروا نعمتي وأيادي . فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب . وقد مضى القول في الكفر لغة ، ومضى القول في معنى الاستعانة بالصبر والصلاة ، فلا معنى للإعادة .

تفسير الطبري
محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه, أذكرْكم برحمتي إياكم ومغفرَتي لكم، كما:-2312- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن ابن لهيعة, عن عطاء بن دينار, عن سعيد بن جبير: " فاذكروني أذكركم " قال، اذكروني بطاعتي, أذكركم بمغفرتي.* * *وقد كان بعضهم يتأوّل ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح.* ذكر من قال ذلك:1313- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون "، إن الله ذاكرُ من ذكره, وزَائدُ من شكره, ومعذِّبُ من كفَره.2314- حدثني موسى قال، حدثني عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " اذكروني أذكركم " قال، ليس من عبد يَذكر الله إلا ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلا ذكره برَحمةٍ, ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام، والهداية للدين الذي شرعته لأنبيائي وأصفيائي،" ولا تكفرون "، يقول: ولا تجحدوا إحساني إليكم, فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم, ولكن اشكروا لي عليها, وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم, وأهديكم لما هديت له من رَضيت عنه من عبادي, فإنّي وعدت خلقي أنّ من شكر لي زدته, ومن كفرني حَرمته وسلبته ما أعطيتُه.* * *والعرب تقول: " نَصحتُ لك وشكرتُ لك ", ولا تكاد تقول: " نصحتك ", وربما قالت: " شكرتك ونصحتك ", من ذلك قول الشاعر: (57)هُـمُ جَـمَعُوا بُؤْسَـى ونُعْمَـى عَلَيْكُـمُفَهَــلا شَـكَرْتَ القَـوْمَ إذْ لَــمْ تُقَـاتِلِ (58)وقال النابغة في" نصحتك ":نَصَحْـتُ بَنِـي عَـوَفٍ فَلَـمْ يَتَقَبَّلُـوارَسُـولِي ولَـمْ تَنْجَـحْ لَـدَيْهِمْ وسَـائِلِي (59)* * *وقد دللنا على أن معنى " الشكر "، الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة, وأن معنى " الكفر " تغطية الشيء, فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا. (60)------------------الهوامش :(57) نسبه أبو حيان في تفسيره 1 : 447 لعمر بن لجأ ، ولم أجد الشعر في مكان .(58) معاني القرآن للفراء : 1 : 92 . وكان في المطبوعة : "إن لم تقاتل" ، وأثبت ما في الفراء والبؤسى والبأساء : البؤس . والنعمى والنعماء : النعمة .(59) ديوانه : 89 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 92 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 362 ، وهي في غزو عمرو بن الحارث الأصغر لبني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان . ورواية ديوانه : "فلم يتقبلوا وصاتي" . الوصاة : الوصية . وقوله : "رسولي" . الرسول : الرسالة . والوسائل جمع وسيلة : وهي ما يتقرب به المرء إلى غيره من حرمة أو آصرة .(60) معنى"الشكر" 1 : 135-138 وتفسير معنى"الكفر" فيما سلف 1 : 255 ، 382 ، 522 ، ومواضع كثيرة . اطلبها في فهرس اللغة .

→ الآية السابقة الآية التالية ←