سورة طه · الآية 71
قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ71
فصارت بينة ورحمة للمؤمنين، وحجة على المعاندين فـ { قَالَ } فرعون للسحرة: { آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } أي: كيف أقدمتم على الإيمان من دون مراجعة مني ولا إذن؟ استغرب ذلك منهم، لأدبهم معه، وذلهم، وانقيادهم له في كل أمر من أمورهم، وجعل هذا من ذاك. ثم استلج فرعون في كفره وطغيانه بعد هذا البرهان، واستخف عقول قومه، وأظهر لهم أن هذه الغلبة من موسى للسحرة، ليس لأن الذي معه الحق، بل لأنه تمالأ هو والسحرة، ومكروا، ودبروا أن يخرجوا فرعون وقومه من بلادهم، فقبل قومه هذا المكر منه، وظنوه صدقا { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } مع أن هذه المقالة التي قالها، لا تدخل عقل من له أدنى مسكة من عقل ومعرفة بالواقع، فإن موسى أتى من مدين وحيدا، وحين أتى لم يجتمع بأحد من السحرة ولا غيرهم، بل بادر إلى دعوة فرعون وقومه، وأراهم الآيات، فأراد فرعون أن يعارض ما جاء به موسى فسعى ما أمكنه، وأرسل في مدائنه من يجمع له كل ساحر عليم. فجاءوا إليه، ووعدهم الأجر والمنزلة عند الغلبة، وهم حرصوا غاية الحرص، وكادوا أشد الكيد، على غلبتهم لموسى، وكان منهم ما كان، فهل يمكن أن يتصور مع هذا أن يكونوا دبروا هم وموسى واتفقوا على ما صدر؟ هذا من أمحل المحال، ثم توعد فرعون السحرة فقال: { فلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ } كما يفعل بالمحارب الساعي بالفساد، يقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى، { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } أي: لأجل أن تشتهروا وتختزوا، { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى } يعني بزعمه هو أو الله، وأنه أشد عذابا من الله وأبقى، قلبا للحقائق، وترهيبا لمن لا عقل له.
قال فرعون للسحرة: أصدَّقتم بموسى، واتبعتموه، وأقررتم له قبل أن آذن لكم بذلك؟ إن موسى لَعظيمكم الذي عَلَّمكم السحر؛ فلذلك تابعتموه، فلأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم مخالفًا بينها، يدًا من جهة ورِجْلا من الجهة الأخرى، ولأصلبنَّكم - بربط أجسادكم - على جذوع النخل، ولتعلمنَّ أيها السحرة أينا: أنا أو رب موسى أشد عذابًا من الآخر، وأدوم له؟
يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم وغلب كل الغلب شرع في المكابرة والبهت وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة فتهددهم وتوعدهم وقال آمنتم له أي صدقتموه قبل أن آذن لكم أي وما أمرتكم بذلك وافيتم علي في ذلك وقال قولا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب "إنه لكبيركم الذي علمكم السحر" أي أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى رعيتي لتظهروه كما قال تعالى في الآية الأخرى إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ثم أخذ يهددهم فقال لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل أي لأجعلنكم مثلة ولأقتلنكم ولأشهرنكم قال ابن عباس فكان أول من فعل ذلك رواه ابن أبي حاتم وقوله ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى أي أنتم تقولون إني وقومي على ضلالة وأنتم مع موسى وقومه على الهدى فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل.
قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنكار منه عليهم ؛ أي تعديتم وفعلتم ما لم آمركم به . إنه لكبيركم الذي علمكم السحر أي رئيسكم في التعليم ، وإنما غلبكم لأنه أحذق به منكم . وإنما أراد فرعون بقوله هذا ليشبه على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم ، وإلا فقد علم فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى ، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته . فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل أي على جذوع النخل . قال سويد بن أبي كاهل :هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعافقطع وصلب حتى ماتوا رحمهم الله تعالى . وقرأ ابن محيصن هنا وفي الأعراف فلأقطعن ولأصلبنكم بفتح الألف والتخفيف من قطع وصلب . ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى يعني أنا أم رب موسى .
القول في تأويل قوله تعالى : فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)وفي هذا الكلام متروك قد استغنى بدلالة ما ترك عليه وهو: فألقى موسى عصاه، فتلقفت ما صنعوا( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ) وذكر أن موسى لما ألقى ما في يده تحوّل ثعبانا، فالتقم كلّ ما كانت السحرة ألقته من الحبال والعصي.* ذكر الرواية عمن قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: لما اجتمعوا وألقوا ما في أيديهم من السحر، يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، قال: فتحت فما لها مثل الدحل، ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخر، ثم استوعبت كل شيء ألقوه من السحر، ثم جاء إليها فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرّ السحرة سجدا(قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ) قال: فكان أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون ( وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) قال: فكان أول من صلب في جذوع النخل فرعون.حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى فأوحى الله إليه لا تَخَفْ ( وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا يَأْفِكُونَ ) فألقى عصاه فأكلت كل حية لهم، فلما رأوا ذلك سجدوا و ( قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ).حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى لما رأى ما ألقوا من الحبال والعصيّ وخيل إليه أنها تسعى، وقال: والله إن كانت لعصيا في أيديهم، ولقد عادت حيات، وما تعدو عصاي هذه، أو كما حدّث نفسه، فأوحى الله إليه أن وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى وفرح موسى فألقى عصاه من يده، فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى، فجعلت تلقفها، تبتلعها حية حية، حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجدا، قالوا: آمنا برب هارون وموسى، لو كان هذا سحر ما غلبنا.