سورة الحج · الآية 55

وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ55

الجزء 17 الصفحة 338
تفسير السعدي
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حالة الكفار، وأنهم لا يزالون في شك مما جئتهم به يا محمد، لعنادهم، وإعراضهم، وأنهم لا يبرحون مستمرين على هذه الحال { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } أي: مفاجأة { أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } أي: لا خير فيه، وهو يوم القيامة، فإذا جاءتهم الساعة، أو أتاهم ذلك اليوم، علم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، وندموا حيث لا ينفعهم الندم، وأبلسوا وأيسوا من كل خير، وودوا لو آمنوا بالرسول واتخذوا معه سبيلا، ففي هذا تحذيرهم من إقامتهم على مريتهم وفريتهم.

التفسير الميسر
نخبة من العلماء

ولا يزال الكافرون المكذبون في شك مما جئتهم به من القرآن إلى أن تأتيهم الساعة فجأة، وهم على تكذيبهم، أو يأتيهم عذاب يوم لا خير فيه، وهو يوم القيامة.

تفسير ابن كثير
إسماعيل بن عمر بن كثير

يقول تعالى مخبرا عن الكفار أنهم لا يزالون في مرية أي في شك من هذا القرآن قاله ابن جريج واختاره ابن جرير وقال سعيد بن جبير وابن زيد " أي مما ألقى الشيطان " حتى تأتيهم الساعة بغتة " قال مجاهد فجأة وقال قتادة " بغتة " بغت القوم أمر الله وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون وقوله " أو يأتيهم عذاب يوم عقيم " قال مجاهد قال أبي بن كعب هو يوم بدر وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير قال عكرمة ومجاهد في رواية عنهما هو يوم القيامة لا ليل له وكذا قال الضحاك والحسن البصري وهذا القول هو الصحيح وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به لكن هذا هو المراد.

تفسير القرطبي
محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيمقوله تعالى : ولا يزال الذين كفروا في مرية منه يعني في شك من القرآن ؛ قال ابن جريج . وغيره : من الدين ؛ وهو الصراط المستقيم . وقيل : مما ألقى الشيطان على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ويقولون : ما باله ذكر الأصنام بخير ثم ارتد عنها . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ( في مرية ) بضم الميم . والكسر أعرف ؛ ذكره النحاس . حتى تأتيهم الساعة أي القيامة . بغتة أي فجأة . أو يأتيهم عذاب يوم عقيم قال الضحاك : عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة . النحاس : سمي يوم القيامة عقيما لأنه ليس يعقب بعده يوما مثله ؛ وهو معنى قول الضحاك . والعقيم في اللغة عبارة عمن لا يكون له ولد ؛ ولما كان الولد يكون بين الأبوين وكانت الأيام تتوالى قبل وبعد ، جعل الاتباع فيها بالبعدية كهيئة الولادة ، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقيم . وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة : المراد عذاب يوم بدر ، ومعنى عقيم لا مثل له في عظمه ؛ لأن الملائكة قاتلت فيه . ابن جريج : لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل ، بل قتلوا قبل المساء فصار يوما لا ليلة له . وكذلك يكون معنى قول الضحاك أنه يوم القيامة ؛ لأنه لا [ ص: 82 ] ليلة له . وقيل : لأنه لم يكن فيه رأفة ولا رحمة ، وكان عقيما من كل خير ؛ ومنه قوله تعالى : إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم أي التي لا خير فيها ولا تأتي بمطر ولا رحمة .

تفسير الطبري
محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ولا يزال الذين كفرا بالله في شكّ.ثم اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: منه من ذكر ما هي؟ فقال بعضهم: هي من ذكر قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: تلك الغرانيق العلى, وإن شفاعتهن لترتجى.*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جُبير: ( وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ منه) من قوله: تلك الغرانيق العلى, وإن شفاعتهن ترتجى.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) قال: مما جاء به إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة.وقال آخرون: بل هي من ذكر سجود النبيّ صلى الله عليه وسلم في النجم.*ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الصمد, قال: ثنا شعبة, قال: ثنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير: ( وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) قال: في مرية من سجودك.وقال آخرون: بل هي من ذكر القرآن.*ذكر من قال ذلك:- حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج: ( وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) قال: من القرآن.وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب, قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أقرب منه من ذكر قوله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ والهاء من قوله " أنه " من ذكر القرآن, فإلحاق الهاء في قوله: ( فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) بالهاء من قوله: أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أولى من إلحاقها بما التي في قوله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ مع بُعد ما بينهما.وقوله: ( حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ ) يقول: لا يزال هؤلاء الكفار في شك من أمر هذا القرآن إلى أن تأتيهم الساعة (بَغْتَةً) وهي ساعة حشر الناس لموقف الحساب بغتة, يقول: فجأة.واختلف أهل التأويل في هذا اليوم أيّ يوم هو؟ فقال بعضهم: هو يوم القيامة.*ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: ثنا شيخ من أهل خراسان من الأزد يكنى أبا ساسان, قال: سألت الضحاك, عن قوله: ( عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) قال: عذاب يوم لا ليلة بعده.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن عكرمة. أن يوم القيامة لا ليلة له.وقال آخرون: بل عني به يوم بدر. وقالوا: إنما قيل له يوم عقيم, أنهم لم ينظروا إلى الليل, فكان لهم عقيما.*ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن ليث, عن مجاهد, قال: ( عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) يوم بدر.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج: ( أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) قال ابن جريج: يوم ليس فيه ليلة, لم يناظروا إلى الليل. قال مجاهد: عذاب يوم عظيم.قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تُمَيلة, عن أبي حمزة, عن جابر, قال: قال مجاهد: يوم بدر.حدثني أبو السائب, قال: ثنا أبو إدريس, قال: أخبرنا الأعمش, عن رجل, عن سعيد بن جُبير, في قوله: ( عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) قال: يوم بدر.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة, قوله: ( عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) قال: هو يوم بدر. ذكره عن أبي بن كعب.حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) قال: هو يوم بدر. عن أبيّ بن كعب.وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية، لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة, أو تأتيهم الساعة; وذلك أن الساعة هي يوم القيامة, فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرّتين باختلاف الألفاظ, وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك, فأولى التأويلين به أصحهما معنى وأشبههما بالمعروف في الخطاب, وهو ما ذكرنا. في معناه.فتأويل الكلام إذن: ولا يزال الذين كفروا في مرية منه, حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب العقيم, أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له، فلا ينظرون فيه إلى الليل ولا يؤخروا فيه إلى المساء, لكنهم يقتلون قبل المساء.

→ الآية السابقة الآية التالية ←