سورة الشعراء · الآية 195
بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّۢ مُّبِينٍۢ195
(بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ) وهو أفضل الألسنة, بلغة من بعث إليهم, وباشر دعوتهم أصلا اللسان البين الواضح. وتأمل كيف اجتمعت هذه الفضائل الفاخرة في هذا الكتاب الكريم، فإنه أفضل الكتب, نزل به أفضل الملائكة, على أفضل الخلق, على أفضل بضعة فيه وهي قلبه، على أفضل أمة أخرجت للناس, بأفضل الألسنة وأفصحها, وأوسعها, وهو: اللسان العربي المبين.
وإن هذا القرآن الذي ذُكِرَتْ فيه هذه القصص الصادقة، لَمنزَّل مِن خالق الخلق، ومالك الأمر كله، نزل به جبريل الأمين، فتلاه عليك - أيها الرسول - حتى وعيته بقلبك حفظًا وفهمًا؛ لتكون مِن رسل الله الذين يخوِّفون قومهم عقاب الله، فتنذر بهذا التنزيل الإنس والجن أجمعين. نزل به جبريل عليك بلغة عربية واضحة المعنى، ظاهرة الدلالة، فيما يحتاجون إليه في إصلاح شؤون دينهم ودنياهم.
وقوله تعالى: "بلسان عربي مبين" أي هذا القرآن الذي أنزلناه إليك أنزلناه باللسان العربي الفصيح الكامل الشامل ليكون بينا واضحا ظاهرا قاطعا للعذر مقيما للحجة دليلا إلى المحجة قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن أبي بكر العتكي حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن موسى بن محمد عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في يوم دجن إذ قال لهم "كيف ترون بواسقها؟" قالوا ما أحسنها وأشد تراكمها قال: "فكيف ترون قواعدها؟" قالوا ما أحسنها وأشد تمكنها قال "فكيف ترون جريها" ؟ قالوا ما أحسنه وأشد سواده قال "فكيف ترون رحاها استدارت ؟" قالوا ما أحسنها وأشد استدارتها قال: "فكيف ترون برقها أو ميض أم خفق أم يشق شقا؟" قالوا بل يشق شقا ؟ قال: "الحياء الحياء إن شاء الله" قال فقال رجل يا رسول الله بأبي وأمي ما أفصحك ما رأيت الذي هو أعرب منك قال فقال: حق لي وإنما أنزل القرآن بلساني والله يقول:"بلسان عربي مبين" وقال سفيان الثوري لم ينزل وحي إلا بالعربية ثم ترجم كل نبي لقومه واللسان يوم القيامة بالسريانية فمن دخل الجنة تكلم بالعربية رواه ابن أبي حاتم.
أي لئلا يقولوا لسنا نفهم ما تقول .
وقوله: ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) يقول: لتنذر قومك بلسان عربي مبين, يبين لمن سمعه أنه عربي, وبلسان العرب نـزل, والباء من قوله ( بلسان ) من صلة قوله: ( نـزلَ ), وإنما ذكر تعالى ذكره أنه نـزل هذا القرآن بلسان عربي مبين في هذا الموضع, إعلاما منه مشركي قريش أنه أنـزله كذلك, لئلا يقولوا إنه نـزل بغير لساننا, فنحن إنما نعرض عنه ولا نسمعه, لأنا لا نفهمه, وإنما هذا تقريع لهم, وذلك أنه تعالى ذكره قال: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ . ثم قال: لم يعرضوا عنه لأنهم لا يفهمون معانيه, بل يفهمونها, لأنه تنـزيل رب العالمين نـزل به الروح الأمين بلسانهم العربيّ, ولكنهم أعرضوا عنه تكذيبا به واستكبارا فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . كما أتى هذه الأمم التي قصصنا نبأها في هذه السورة حين كذّبت رسلها أنباء ما كانوا به يكذّبون.