سورة الشعراء · الآية 223
يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ223
( يُلْقُونَ ) عليه ( السَّمْعَ ) الذي يسترقونه من السماء، ( وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) أي: أكثر ما يلقون إليه كذب فيصدق واحدة, ويكذب معها مائة, فيختلط الحق بالباطل, ويضمحل الحق بسبب قلته, وعدم علمه. فهذه صفة الأشخاص الذين تنزل عليهم الشياطين, وهذه صفة وحيهم له. وأما محمد صلى الله عليه وسلم, فحاله مباينة لهذه الأحوال أعظم مباينة, لأنه الصادق الأمين, البار الراشد, الذي جمع بين بر القلب, وصدق اللهجة, ونزاهة الأفعال من المحرم. والوحي الذي ينزل عليه من عند الله, ينزل محروسا محفوظا, مشتملا على الصدق العظيم, الذي لا شك فيه ولا ريب، فهل يستوي - يا أهل العقول - هذا وأولئك؟ وهل يشتبهان, إلا على مجنون, لا يميز, ولا يفرق بين الأشياء؟.
هل أخبركم- أيها الناس- على مَن تنـزَّل الشياطين؟ تتنزل على كل كذَّاب كثير الآثام من الكهنة، يَسْتَرِقُ الشياطين السمع، يتخطفونه من الملأ الأعلى، فيلقونه إلى الكهان، ومَن جرى مجراهم مِنَ الفسقة، وأكثر هؤلاء كاذبون، يَصْدُق أحدهم في كلمة، فيزيد فيها أكثر مِن مائة كذبة.
"يلقون السمع" أي يسترقون السمع من السماء فيسمعون الكلمة من علم الغيب فيزيدون معها مائة كذبة ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس فيحدثون بها فيصدقهم الناس في كل ما قالوه بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء كما صح بذلك الحديث كما رواه البخاري من حديث الزهري أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير أنه سمع عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة رضي الله عنها: سأل ناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال "إنهم ليسوا بشيء" قالوا يا رسول الله فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقا فقال النبي صلى الله عليه وسلم "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاج فيخلطون معها أكثر من مائه كذبة" وروى البخاري أيضا حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال سمعت عكرمة سمعت أبا هريرة يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنها سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقوا السمع ومسترقوا السمع هكذا بعضهم فوق بعض - وصفه سفيان بيده فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائه كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا ؟ فيصدى بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" تفرد به البخاري وروى مسلم من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن رجال من الأنصار قريبا من هذا وسيأتي عند قوله تعالى في سبأ "حتى إذا فزع عن قلوبهم" الآية وقال البخاري وقال الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن أبا الأسود أخبره عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن الملائكة تحدث في العنان - والعنان الغمام - بالأمر في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مائة كذبة" ورواه البخاري في موضع آخر من كتاب بدء الخلق عن سعيد بن أبي زيد عن الليث عن عبدالله بن أبي جعفر عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن عائشة بنحوه.
يلقون السمع وأكثرهم كاذبون تقدم في ( الحجر ) . ف يلقون السمع صفة الشياطين و " أكثرهم " يرجع إلى الكهنة . وقيل : إلى الشياطين .
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) قال: الشياطين ما سمعته ألقته على كلّ أفَّاكٍ كذّاب.حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) الشياطين ما سمعته ألقته (عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ) قال: يلقون السمع, قال: القول.وقوله: ( وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) يقول: وأكثر من تنـزل عليه الشياطين كاذبون فيما يقولون ويخبرون.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهري, في قوله: ( وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) عن عروة, عن عائشة قالت: الشياطين تسترق السمع, فتجيء بكلمة حقّ فيقذفها في أذن وليه; قال: ويزيد فيها أكثر من مائة كذبة.