سورة الشعراء · الآية 77
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّۭ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ77
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي فليضروني بأدنى شيء من الضرر, وليكيدوني, فلا يقدرون. إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ
قال إبراهيم: أفأبصرتم بتدبر ما كنتم تعبدون من الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، أنتم وآباؤكم الأقدمون من قبلكم؟ فإن ما تعبدونهم من دون الله أعداء لي، لكن رب العالمين ومالك أمرهم هو وحده الذي أعبده. هو الذي خلقني في أحسن صورة فهو يرشدني إلى مصالح الدنيا والآخرة، وهو الذي ينعم عليَّ بالطعام والشراب، وإذا أصابني مرض فهو الذي يَشْفيني ويعافيني منه، وهو الذي يميتني في الدينا بقبض روحي، ثم يحييني يوم القيامة، لا يقدر على ذلك أحد سواه، والذي أطمع أن يتجاوز عن ذنبي يوم الجزاء.
"أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين" أي إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير وتقدر فلتخلص إلي بالمساءة فإني عدو لها لا أبالي بها ولا أفكر فيها وهذا كما قال تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام "فأجمعوا أمركم وشركاءكم" الآية وقال هود عليه السلام "إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال "وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله" الآية وقال تعالى: "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم" - إلى قوله - "حتى تؤمنوا بالله وحده" وقال تعالى: "وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة" يعني لا إله إلا الله.
فإنهم عدو لي واحد يؤدي عن جماعة ، وكذلك يقال للمرأة هي عدو الله وعدوة الله ؟ حكاهما الفراء . قال علي بن سليمان : من قال عدوة الله وأثبت الهاء قال هي بمعنى معادية ، ومن قال " عدو " للمؤنث والجمع جعله بمعنى النسب . ووصف الجماد بالعداوة بمعنى أنهم عدو لي إن عبدتهم يوم القيامة ; كما قال : كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا . وقال الفراء : هو من المقلوب ; مجازه فإني عدو لهم لأن من عاديته عاداك . ثم قال : إلا رب العالمين قال الكلبي : أي إلا من عبد رب العالمين ; إلا عابد رب العالمين ; فحذف المضاف . قال أبو إسحاق الزجاج : قال النحويون هو استئناء ليس من الأول ; وأجاز أبو إسحاق أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله عز وجل ويعبدون معه الأصنام ، فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله . وتأوله الفراء على الأصنام وحدها والمعنى عنده : فإنهم لو عبدتهم عدو لي يوم القيامة ; على ما ذكرنا . وقال الجرجاني : تقديره : أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب العالمين فإنهم عدو لي . و " إلا " بمعنى " دون وسوى " كقوله : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى أي دون الموتة الأولى .
( فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ). يقول قائل: وكيف يوصف الخشب والحديد والنحاس بعداوة ابن آدم؟ فإن معنى ذلك: فإنهم عدوّ لي لو عبدتهم يوم القيامة, كما قال جلّ ثناؤه وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا .وقوله: ( إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) نصبا على الاستثناء, والعدوّ بمعنى الجمع, ووحد لأنه أخرج مخرج المصدر, مثل القعود والجلوس.ومعنى الكلام: أفرأيتم كل معبود لكم ولآبائكم, فإني منه بريء لا أعبده, إلا رب العالمين.