سورة القصص · الآية 60
وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍۢ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ60
هذا حض من الله لعباده على الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها، وعلى الرغبة في الأخرى، وجعلها مقصود العبد ومطلوبه، ويخبرهم أن جميع ما أوتيه الخلق، من الذهب، والفضة، والحيوانات والأمتعة، والنساء، والبنين، والمآكل، والمشارب، واللذات، كلها متاع الحياة [الدنيا] وزينتها، أي: يتمتع به وقتا قصيرا، متاعا قاصرا، محشوا بالمنغصات، ممزوجا بالغصص.ويزين به زمانا يسيرا، للفخر والرياء، ثم يزول ذلك سريعا، وينقضي جميعا، ولم يستفد صاحبه منه إلا الحسرة والندم، والخيبة والحرمان.{ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ } من النعيم المقيم، والعيش السليم { خَيْرٌ وَأَبْقَى } أي: أفضل في وصفه وكميته، وهو دائم أبدا، ومستمر سرمدا.{ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } أي: أفلا يكون لكم عقول، بها تزنون أي: الأمور أولى بالإيثار، وأي: الدارين أحق للعمل لها فدل ذلك أنه بحسب عقل العبد، يؤثر الأخرى على الدنيا، وأنه ما آثر أحد الدنيا إلا لنقص في عقله، ولهذا نبه العقول على الموازنة بين عاقبة مؤثر الدنيا ومؤثر الآخرة، فقال: { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ }
وما أُعطيتم -أيها الناس- من شيء من الأموال والأولاد، فإنما هو متاع تتمتعون به في هذه الحياة الدنيا، وزينة يُتزيَّن بها، وما عند الله لأهل طاعته وولايته خير وأبقى؛ لأنه دائم لا نفاد له، أفلا تكون لكم عقول -أيها القوم- تتدبرون بها، فتعرفون الخير من الشر؟
يقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم كما قال تعالى: "ما عندكم ينفد وما عند الله باق" وقال: "وما عند الله خير للأبرار" وقال: "وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع" وقال تعالى: "بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر ماذا يرجع إليه" وقوله تعالى: "أفلا تعقلون" أي أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة.
قوله تعالى : وما أوتيتم من شيء يا أهل مكة فمتاع الحياة الدنيا وزينتها أي تتمتعون بها مدة حياتكم ، أو مدة في حياتكم ، فإما أن تزولوا عنها أو تزول عنكم وما عند الله خير وأبقى أي أفضل وأدوم ، يريد الدار الآخرة وهي الجنة أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني . قرأ أبو عمرو : ( يعقلون ) بالياء ، الباقون بالتاء على الخطاب وهو الاختيار ; لقوله تعالى : وما أوتيتم
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ (60)يقول تعالى ذكره: وما أعطيتم أيها الناس من شيء من الأموال والأولاد, فإنما هو متاع تتمتعون به في هذه الحياة الدنيا, وهو من زينتها التي يتزين به فيها, لا يغني عنكم عند الله شيئا, ولا ينفعكم شيء منه في معادكم، وما عند الله لأهل طاعته وولايته خير مما أوتيتموه أنتم في هذه الدنيا من متاعها وزينتها(وأبقى), يقول: وأبقى لأهله؛ لأنه دائم لا نفاد له.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, في قوله: ( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) قال: خيرٌ ثوابا, وأبقى عندنا.يقول تعالى ذكره (أَفَلا تَعْقِلُونَ): أفلا عقول لكم أيها القوم تتدبرون بها فتعرفون بها الخير من الشرّ, وتختارون لأنفسكم خير المنـزلتين على شرّهما, وتؤثرون الدائم الذي لا نفاد له من النعيم, على الفاني الذي لا بقاء له.