سورة النساء · الآية 50
ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا50
{ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } أي: بتزكيتهم أنفسهم، لأن هذا من أعظم الافتراء على الله. لأن مضمون تزكيتهم لأنفسهم الإخبار بأن الله جعل ما هم عليه حقا وما عليه المؤمنون المسلمون باطلا. وهذا أعظم الكذب وقلب الحقائق بجعل الحق باطلا، والباطلِ حقًّا. ولهذا قال: { وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا } أي: ظاهرا بينا موجبا للعقوبة البليغة والعذاب الأليم.
انظر إليهم -أيها الرسول- متعجبًا من أمرهم، كيف يختلقون على الله الكذب، وهو المنزَّه عن كل ما لا يليق به؟ وكفى بهذا الاختلاق ذنبًا كبيرًا كاشفًا عن فساد معتقدهم.
وقوله انظر كيف يفترون على الله الكذب أي في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وقولهم "لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى "وقولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودات واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئا في قوله"تلك أما قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم" الآية ثم قال "وكفى به إثما مبينا" أي وكفى بصنيعهم هذا كذبا وافتراءا ظاهرا وقوله "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت" أما الجبت فقال محمد بن إسحاق عن حسان بن فائد عن عمر بن الخطاب أنه قال: الجبت السحر والطاغوت الشيطان. وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي وعن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن وعطية: الجبت الشيطان. وزاد ابن عباس بالحبشية وعن ابن عباس أيضا: الجبت الشرك. وعنه الجبت الأصنام. وعن الشعبي الجبت الكاهن. وعن ابن عباس الجبت حيي بن أخطب. وعن مجاهد الجبت كعب بن الأشرف. وقال العلامة أبو نصر بن إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث "الطيرة والعيافة والطرق من الجبت" قال وليس هذا من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذو لقي. وهذا الحديث الذي ذكره الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف بن حيان ابن العلاء حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه وهو قبيصة بن مخارق أنه سمع النبي صلى قال الله عليه وسلم "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت" وقال عوف: العيافة زجر الطير والطرق الخط يخط في الأرض والجبت قال الحسن رنة الشيطان وهكذا رواه أبو داود في سننه والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيره من حديث عوف الأعرابي به. وقد تقدم الكلام على الطاغوت في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا إسحاق بن الضيف حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله أنه سئل عن الطواغيت فقال: هم كهان تنزل عليهم الشياطين وقال مجاهد: الطاغوت الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم وقال الإمام مالك: هو كل ما يعبد من دون الله عز وجل وقوله "ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا" أي يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم وقلة دينهم وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم. وقد روى ابن أبى حاتم: حدثنا محمد بن عبدالله بن يزيد المقري حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فاخبرونا عنا وعن محمد فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن ونفك العاني ونسقى الحجيج ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج من غفار فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا.
انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبيناثم عجب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال : انظر كيف يفترون على الله الكذب في قولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه . وقيل : تزكيتهم لأنفسهم ؛ عن ابن جريج . وروي أنهم قالوا : ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أبنائنا يوم تولد . والافتراء الاختلاق ؛ ومنه افترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه . وفريت الشيء قطعته . وكفى به إثما مبينا نصب على البيان . والمعنى تعظيم الذنب وذمه . العرب تستعمل مثل ذلك في المدح والذم .
القول في تأويل قوله : انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: انظر، يا محمد، كيف يفتري هؤلاء الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب = القائلون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، الزاعمون أنه لا ذنوب لهم = الكذبَ والزور من القول، فيختلقونه على الله =" وكفى به "، يقول: وحسبهم بقيلهم ذلك الكذبَ والزورَ على الله =" إثمًا مبينًا "، يعني أنه يبين كذبهم لسامعيه، ويوضح لهم أنهم أفَكَةٌ فجرة، (59) كما:-9763 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ، قال: هم اليهود والنصارى =" انظر كيف يفترون على الله الكذب " (60)--------------------الهوامش :(59) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.(60) انظر تفسير"ألم تر" ، فيما سلف قريبًا: 452 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك = وتفسير"النصيب" فيما سلف: 427 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.