سورة الشورى · الآية 26
وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۚ وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ26
أي: يستجيبون لربهم لما دعاهم إليه وينقادون له ويلبون دعوته، لأن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح يحملهم على ذلك، فإذا استجابوا له، شكر الله لهم، وهو الغفور الشكور.وزادهم من فضله توفيقا ونشاطا على العمل، وزادهم مضاعفة في الأجر زيادة عن ما تستحقه أعمالهم من الثواب والفوز العظيم.وأما غير المستجيبين للّه وهم المعاندون الذين كفروا به وبرسله، فـ { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الدنيا والآخرة، ثم ذكر أن من لطفه بعباده، أنه لا يوسع عليهم الدنيا سعة، تضر بأديانهم فقال: { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ }
ويستجيب الذين آمنوا بالله ورسوله لربهم لِمَا دعاهم إليه وينقادون له، ويزيدهم من فضله توفيقًا ومضاعفة في الأجر والثواب. والكافرون بالله ورسوله لهم يوم القيامة عذاب شديد موجع مؤلم.
قال السدي يعني يستجيب لهم وكذا قال ابن جرير معناه يستجيب لهم الدعاء لأنفسهم ولأصحابهم وإخوانهم وحكاه عن بعض النحاة وأنه جعلها كقوله عز وجل "فاستجاب لهم ربهم" ثم روى هو وابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن شقيق بن سلمة عن سلمة بن سبرة قال خطبنا معاذ رضي الله عنه بالشام فقال أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة والله إني لأرجو أن يدخل الله تعالى من تسبون من فارس والروم الجنة وذلك بأن أحدكم إذا عمل له يعني أحدهم عملا قال أحسنت رحمك الله أحسنت بارك الله فيك ثم قرأ "ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله". وحكى ابن جرير من بعض أهل العربية أنه جعل قوله "الذين يستمعون القول" أي هم الذين يستجيبون للحق ويتبعونه كقوله تبارك وتعالى "إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله" والمعنى الأول أظهر لقوله تعالى "ويزيدهم من فضله" أي يسـتجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك. ولهذا قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن المصفى حدثنا بقية حدثنا إسماعيل بن عبدالله الكندي حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى "ويزيدهم من فضله" قال "الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم معروفا في الدنيا" وقال قتادة عن إبراهيم النخعي في قوله عز وجل "ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات" قال يشفعون في إخوانهم "ويزيدهم من فضله" قال يشفعون في إخوان إخوانهم. وقوله عز وجل "والكافرون لهم عذاب شديد" لما ذكر المؤمنين وما لهم من الثواب الجزيل ذكر الكافرين وما لهم عنده يوم القيامة من العذاب الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم.
قوله تعالى : ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد .( الذين ) في موضع نصب ، أي : ويستجيب الله الذين آمنوا ، أي : يقبل عبادة من أخلص له بقلبه وأطاع ببدنه . وقيل : يعطيهم مسألتهم إذا دعوه . وقيل : ويجيب دعاء المؤمنين بعضهم لبعض ، يقال : أجاب واستجاب بمعنى ، وقد مضى في ( البقرة ) وقال ابن عباس : ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات يشفعهم في إخوانهم . ويزيدهم من فضله قال : يشفعهم في إخوان إخوانهم . وقال المبرد : معنى ويستجيب الذين آمنوا وليستدع الذين آمنوا الإجابة ؛ هكذا حقيقة معنى استفعل . ف ( الذين ) في موضع رفع . والكافرون لهم عذاب شديد .
القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26)يقول تعالى ذكره: ويجيب الذين آمنوا بالله ورسوله, وعملوا بما أمرهم الله به, وانتهوا عما نهاهم عنه لبعضهم دعاء بعض.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كريب, قال: ثنا عثام, قال: ثنا الأعمش, عن شقيق بن سلمة, عن سلمة بن سبرة, قال: خطبنا معاذ, فقال: أنتم المؤمنون, وأنتم أهل الجنة, والله إني لأرجو أن من تصيبون من فارس والروم يدخلون الجنة, ذلك بأن أحدهم إذا عمل لأحدكم العمل قال: أحسنت رحمك الله, أحسنت غفر الله لك, ثم قرأ: ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ).وقوله: ( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) يقول تعالى ذكره: ويزيد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع إجابته إياهم دعاءهم, وإعطائه إياهم مسألتهم من فضله على مسألتهم إياه, بأن يعطيهم ما لم يسألوه. وقيل: إن ذلك الفضل الذي ضمن جلّ ثناؤه أن يزيدهموه, هو أن يشفعهم في إخوان إخوانهم إذا هم شفعوا في إخوانهم, فشفعوا فيهم.* ذكر من قال ذلك:حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي, قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة, عن سعيد بن بشير, عن قتادة, عن إبراهيم النخعيّ في قول الله عزّ وجلّ: ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) قال: يُشَفَّعُون في إخوانهم, ويزيدهم من فضله, قال: يشفعون في إخوان إخوانهم.وقوله: ( وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) يقول جلّ ثناؤه: والكافرون بالله لهم يوم القيامة عذاب شديد على كفرهم به.واختلف أهل العربية في معنى قوله ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ) فقال بعضهم: أي استجاب فجعلهم هم الفاعلين, فالذين في قوله رفع والفعل لهم. وتأويل الكلام على هذا المذهب: واستجاب الذين آمنوا وعملوا الصالحات لربهم إلى الإيمان به, والعمل بطاعته إذا دعاهم إلى ذلك.وقال آخر منهم: بل معنى ذلك: ويجيب الذين آمنوا. وهذا القول يحتمل وجهين: أحدهما الرفع، بمعنى ويجيب الله الذين آمنوا. والآخر ما قاله صاحب القول الذي ذكرنا.وقال بعض نحوي الكوفة ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ) يكون " الَّذِينَ" في موضع نصب بمعنى: ويجيب الله الذين آمنوا. وقد جاء في التنـزيل فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ والمعنى: فأجاب لهم ربهم, إلا أنك إذا قلت استجاب, أدخلت اللام في المفعول؛ وإذا قلت أجاب حذفت اللام, ويكون استجابهم بمعنى: استجاب لهم، كما قال جلّ ثناؤه: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ والمعنى والله أعلم: وإذا كالوا لهم, أو وزنوا لهم يُخْسِرُونَ . قال: ويكون " الَّذِينَ" في موضع رفع إن يجعل الفعل لهم, أي الذين آمنوا يستجيبون لله, ويزيدهم على إجابتهم, والتصديق به من فضله. وقد بيَّنا الصواب في ذلك من القول على ما تأوّله معاذ ومن ذكرنا قوله فيه.