سورة الدخان · الآية 15
إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ15
وأن قوله تعالى: { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } أن هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا نزلت هذه الآيات على هذين المعنيين لم تجد في اللفظ ما يمنع من ذلك.بل تجدها مطابقة لهما أتم المطابقة وهذا الذي يظهر عندي ويترجح والله أعلم.
سنرفع عنكم العذاب قليلا، وسترون أنكم تعودون إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلال والتكذيب، وأننا سنعاقبكم على ذلك.
قوله تعالى "إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون" يحتمل معنين "أحدهما" أنه يقول تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب كقوله تعالى "ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون" وكقوله جلت عظمته "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون" "والثاني" أن يكون المراد إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا بعد أنعقاد أسبابه ووصوله إليكم وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم كقوله تعالى "إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين" ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم بل كان قد انعقد سببه عليهم ولا يلزم أيضا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه قال الله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه حين قالوا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وشعيب عليه السلام لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم وقال قتادة إنكم عائدون إلى عذاب الله.
قوله تعالى : إنا كاشفوا العذاب قليلا أي وقتا قليلا ، وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلا ، أي : في زمان قليل ليعلم أنهم لا يفون بقولهم ، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه ، قاله ابن مسعود . فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم عادوا إلى تكذيبه . [ ص: 124 ] ومن قال : إن الدخان منتظر قال : أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية وآية من آيات قيام الساعة . ثم من قضي عليه بالكفر يستمر على كفره . ومن قال هذا في القيامة قال : أي : لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى الكفر . وقيل : معنى إنكم عائدون إلينا ، أي : مبعوثون بعد الموت . وقيل : المعنى إنكم عائدون إلى نار جهنم إن لم تؤمنوا .
وقوله ( إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ) يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين الذين أخبر عنهم أنهم يستغيثون به من الدخان النازل والعذاب الحالّ بهم من الجهد, وأخبر عنهم أنهم يعاهدونه أنه ( إن كشف العذاب عنهم آمنوا ) إنا كاشفوا العذاب : يعني الضرّ النازل بهم بالخصب الذي نحدثه لهم ( قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ) يقول: إنكم أيها المشركون إذا كَشَفْتُ عنكم ما بكم من ضرّ لم تفوا بما تعدون وتعاهدون عليه ربكم من الإيمان, ولكنكم تعودون في ضلالتكم وغيكم, وما كنتم قبل أن يكشف عنكم.وكان قتادة يقول: معناه: إنكم عائدون في عذاب الله.حدثنا بذلك ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر عنه. وأما الذين قالوا: عنى بقوله: يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ الدخان نفسه, فإنهم قالوا في هذا الموضع: عنى بالعذاب الذي قال ( إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ ) : الدخان.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا ) يعني الدخان.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا ) قال: قد فعل, كشف الدخان حين كان.قوله ( إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ) قال: كُشِف عنهم فعادوا.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ) إلى عذاب الله.