سورة النجم · الآية 32
ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌۭ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ32
{ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ } أي: يفعلون ما أمرهم الله به من الواجبات، التي يكون تركها من كبائر الذنوب، ويتركون المحرمات الكبار، كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والقتل، ونحو ذلك من الذنوب العظيمة، { إِلَّا اللَّمَمَ } وهي الذنوب الصغار، التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يلم بها العبد، المرة بعد المرة، على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد الإقدام عليها مخرجا للعبد من أن يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شيء، ولهذا قال: { إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ } فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر\" [وقوله:] { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ } أي: هو تعالى أعلم بأحوالكم كلها، وما جبلكم عليه، من الضعف والخور، عن كثير مما أمركم الله به، ومن كثرة الدواعي إلى بعض المحرمات، وكثرة الجواذب إليها، وعدم الموانع القوية، والضعف موجود مشاهد منكم حين أنشاكم الله من الأرض، وإذ كنتم في بطون أمهاتكم، ولم يزل موجودا فيكم، وإن كان الله تعالى قد أوجد فيكم قوة على ما أمركم به، ولكن الضعف لم يزل، فلعلمه تعالى بأحوالكم هذه، ناسبت الحكمة الإلهية والجود الرباني، أن يتغمدكم برحمته ومغفرته وعفوه، ويغمركم بإحسانه، ويزيل عنكم الجرائم والمآثم، خصوصا إذا كان العبد مقصوده مرضاة ربه في جميع الأوقات، وسعيه فيما يقرب إليه في أكثر الآنات، وفراره من الذنوب التي يتمقت بها عند مولاه، ثم تقع منه الفلتة بعد الفلتة، فإن الله تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أرحم بعباده من الوالدة بولدها، فلا بد لمثل هذا أن يكون من مغفرة ربه قريبا وأن يكون الله له في جميع أحواله مجيبا، ولهذا قال تعالى: { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } أي: تخبرون الناس بطهارتها على وجه التمدح { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } [فإن التقوى، محلها القلب، والله هو المطلع عليه، المجازي على ما فيه من بر وتقوى، وأما الناس، فلا يغنون عنكم من الله شيئا].
والله سبحانه وتعالى ملك ما في السموات وما في الأرض؛ ليجزي الذين أساءوا بعقابهم على ما عملوا من السوء، ويجزي الذي أحسنوا بالجنة، وهم الذين يبتعدون عن كبائر الذنوب والفواحش إلا اللمم، وهي الذنوب الصغار التي لا يُصِرُّ صاحبها عليها، أو يلمُّ بها العبد على وجه الندرة، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، يغفرها الله لهم ويسترها عليهم، إن ربك واسع المغفرة، هو أعلم بأحوالكم حين خلق أباكم آدم من تراب، وحين أنتم أجنَّة في بطون أمهاتكم، فلا تزكُّوا أنفسكم فتمدحوها وتَصِفُوها بالتقوى، هو أعلم بمن اتقى عقابه فاجتنب معاصيه من عباده.
فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش أي لا يتعاطون المحرمات الكبائر وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم كما قال في الآية الأخرى "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما". وقال ههنا "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم" وهذا استثناء منقطع لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال. قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمني وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبة" أخرجاه في الصحيحين من حديث عبدالرزاق به وقال ابن جرير حدثنا محمد بن عبدالأعلى أخبرنا ابن ثور حدثنا معمر عن الأعمش عن أبي الضحى أن ابن مسعود قال: زنا العينين النظر وزنا الشفتين التقبيل وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين المشي ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه فإن تقدم بفرجه كان زانيا وإلا فهو اللمم وكذا قال مسروق والشعبي. وقال عبدالرحمن بن نافع الذي يقال له ابن لبابة الطائفي قال سألت أبا هريرة عن قول الله "إلا اللمم" قال القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وهو الزنا وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "إلا اللمم" إلا ما سلف وكذا قال زيد بن أسلم. وقال ابن جرير حدثنا ابن المثنى حدثتا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور عن مجاهد أنه قال في هذه الآية "إلا اللمم" قال الذي يلم بالذنب ثم يدعه قال الشاعر: إن تغفر اللهم تغفر جما أي عبد لك ما ألما وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قول الله تعالى "إلا اللمم" قال الرجل يلم بالذب ثم ينزع عنه قال وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما وقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعا قال ابن جرير حدثني سليمان بن عبدالجبار حدثنا أبو عاصم حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم" قال هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما" وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن عثمان البصري عن أبي عاصم النبيل ثم قال هذا حديث صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق وكذا قال البزار لا نعلمه يروى متصلا إلا من هذا الوجه وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة تنزيل وفي صحته مرفوعا نظر. ثم قال ابن جرير حدثنا محمد بن عبدالله بن بزيع حدثنا يزيد بن زريع حدثنا يونس عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أراه رفعه في "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم" قال "اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود. واللمم من السرقة ثم يتوب ولا يعود واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود قال فذلك الإلمام" وحدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن في قول الله تعالى "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم" قال اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر ثم لا يعود. وحدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن أبي رجاء عن الحسن في قول الله "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم" قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون هو الرجل يصيب اللمة من الزنا واللمة من شرب الخمر فيجتنبها ويتوب منها. وقال ابن جرير عن عطاء عن ابن عباس "إلا اللمم" يلم بها في الحين قلت الزنا؟ قال الزنا ثم يتوب وقال ابن جرير أيضا حدثنا أبو كريب حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال اللمم الذي يلم المرة. وقال السدي قال أبو صالح سئلت عن اللمم فقلت هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب وأخبرت بذلك ابن عباس فقال لقد أعانك عليها ملك كريم حكاه البغوي. وروى ابن جرير من طريق المثنى بن الصباح وهو ضعيف عن عمرو بن شعيب أن عبدالله بن عمرو قال اللمم ما دون الشرك وقال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن عطاء عن ابن الزبير "إلا اللمم" قال ما بين الحدين حد الزنا وعذاب الآخرة وكذا رواه شعبة عن الحكم عن ابن عباس مثله سواء. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله "إلا اللمم" كل شيء بين الحدين حد الدنيا وحد الآخرة تكفره الصلوات فهو اللمم وهو دون كل موجب فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار وأخر عقوبته إلى الآخرة. وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك وقوله تعالى "إن ربك واسع المغفرة" أي رحمته وسعت كل شيء ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها كقوله تعالى "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم "وقوله تعالى "هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض" أي هو بصير بكم عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي ستصدر عنكم وتقع منكم حين أنشأ أباكم آدم من الأرض واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر ثم قسمهم فريقين فريقا للجنة وفريقا للسعير وكذا قوله "وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد؟ قال مكحول كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي ثم كنا مراضيع فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبانا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخا لا أبالك فماذا بعد هذا ننتظر؟ رواه ابن أبي حاتم عنه. وقوله تعالى "فلا تزكوا أنفسكم" أي تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم "هو أعلم بمن اتقى" كما قال تعالى "ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا". وقال مسلم في صحيحه حدثنا عمرو الناقد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن عطاء قال سميت ابنتي برة فقالت لي زينب بنت أبي سلمة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم وسميت برة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البر منكم" فقالوا بم نسميها؟ قال "سموها زينب" وقد ثبت أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا خالد الحذاء عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال مدح رجل رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله "ويلك قطعت عنق صاحبك - مرارا - إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك " ثم رواه عن غندر عن شعبة عن خالد الحذاء به وكذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة من طرق عن خالد الحذاء به. وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع وعبدالرحمن قالا أخبرك سفيان عن منصور عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه قال فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب ورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري عن منصور به.
قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش هذا نعت للمحسنين ; أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك ; لأنه أكبر الآثام . وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ( كبير ) على التوحيد وفسره ابن عباس بالشرك . والفواحش الزنى : وقال مقاتل : كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار والفواحش كل ذنب فيه الحد . وقد مضى في ( النساء ) القول في هذا . ثم استثنى استثناء منقطعا وهيالمسألة الثانية : فقال : إلا اللمم وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه . وقد اختلف في معناها ; فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي : اللمم كل ما دون الزنى . وذكر مقاتل بن سليمان : أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار ; كان له حانوت يبيع فيه تمرا ، فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها : إن داخل الدكان ما هو خير من هذا ، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان ; فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع ; فقال : لعل زوجها غاز فنزلت هذه الآية ، وقد مضى في آخر " هود " وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري [ ص: 99 ] وحذيفة ومسروق : إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة . وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : زنى العينين النظر ، وزنى اليدين البطش ، وزنى الرجلين المشي ، وإنما يصدق ذلك أو يكذبه الفرج ; فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما . وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة ، فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه . والمعنى : أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيره له حظ من الإثم . والله أعلم .وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطى والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه . خرجه مسلم . وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ابن عباس فذكر فيه الأذن واليد والرجل ، وزاد فيه بعد العينين واللسان : وزنى الشفتين القبلة . فهذا قول . وقال ابن عباس أيضا : هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب . قال : ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : إن يغفر الله يغفر جما وأي عبد لك لا ألما رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس . قال النحاس : هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادا . وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله عز وجل إلا اللمم قال : هو أن يلم العبد بالذنب ثم لا يعاوده ; قال الشاعر [ أمية بن أبي الصلت ] : إن تغفر اللهم تغفر جماوأي عبد لك لا ألما وكذا قال مجاهد والحسن : هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده ، ونحوه عن الزهري ، قال : اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود ، وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود . ودليل هذا التأويل قوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم الآية .[ ص: 100 ] ثم قال : أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم فضمن لهم المغفرة ; كما قال عقيب اللمم : إن ربك واسع المغفرة فعلى هذا التأويل يكون إلا اللمم استثناء متصلا . قال عبد الله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك . وقيل : اللمم الذنب بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا ، ولا توعد عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس ؛ قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة . ورواه العوفي والحكم بن عتيبة عن ابن عباس . وقال الكلبي : اللمم على وجهين : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة ; فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش ، والوجه الآخر : هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه . وعن ابن عباس أيضا وأبي هريرة وزيد بن ثابت : هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به . وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت ، وقاله زيد بن أسلم وابنه ; وهو كقوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف . وقيل : اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة ; قاله نفطويه . قال : والعرب تقول ما يأتينا إلا لماما ; أي في الحين بعد الحين . قال : ولا يكون أن يلم ولا يفعل ، لأن العرب لا تقول : ألم بنا إلا إذا فعل الإنسان لا إذا هم ولم يفعله . وفي الصحاح : وألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب ، ويقال : هو مقاربة المعصية من غير مواقعة . وأنشد غير الجوهري :بزينب ألمم قبل أن يرحل الركبوقل إن تملينا فما ملك القلبأي : اقرب .وقال عطاء بن أبي رباح : اللمم عادة النفس الحين بعد الحين . وقال سعيد بن المسيب : هو ما ألم على القلب ; أي خطر . وقال محمد ابن الحنفية : كل ما هممت به من خير أو شر فهو لمم . ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام : إن للشيطان لمة وللملك لمة الحديث . وقد مضى في " البقرة " عند قوله تعالى : الشيطان يعدكم الفقر . وقال أبو إسحاق الزجاج : أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه ; يقال : ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ، ويقال : ما فعلته إلا لمما وإلماما ; أي : الحين بعد الحين . وإنما زيارتك إلمام ، ومنه إلمام الخيال ; قال الأعشى :ألم خيال من قتيلة بعدما وهى حبلها من حبلنا فتصرما[ ص: 101 ] وقيل : إلا بمعنى الواو . وأنكر هذا الفراء وقال : المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب . وقيل : اللمم النظرة التي تكون فجأة .قلت : هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به ; لأنه يقع من غير قصد واختيار ، وقد مضى في " النور " بيانه . واللمم أيضا طرف من الجنون ، ورجل ملموم أي به لمم . ويقال أيضا : أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشيء القليل ; قال الشاعر :فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن إلا كلمة حالم بخيالالثالثة : قوله تعالى : إن ربك واسع المغفرة لمن تاب من ذنبه واستغفر ; قاله ابن عباس . وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود : رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة ، فقلت : لمن هذه ؟ فقالوا : لذي الكلاع وحوشب ، وكانا ممن قتل بعضهم بعضا ، فقلت : وكيف ذلك ؟ فقالوا : إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة . فقال أبو خالد : بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثني عشر ألف بنت .قوله تعالى : هو أعلم بكم من أنفسكم إذ أنشأكم من الأرض يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع . قال الترمذي أبو عبد الله : وليس هو كذلك عندنا ، بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض ، وكنا جميعا في تلك التربة وفي تلك الطينة ، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها ، ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات ; منهم كالدر يتلألأ ، وبعضهم أنور من بعض ، وبعضهم أسود كالحممة ، وبعضهم أشد سوادا من بعض ; فكان الإنشاء واقعا علينا وعليه .حدثنا عيسى بن حماد العسقلاني قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عرض علي الأولون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة فقال قائل : يا رسول الله ، ومن مضى من الخلق ؟ قال : نعم ، عرض علي آدم فمن دونه فهل كان خلق أحد قالوا : ومن في أصلاب الرجال وبطون الأمهات ؟ قال : نعم ، مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء كلها .[ ص: 102 ] قلت : - وقد تقدم في أول ( الأنعام ) - أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي يدفن فيها .وإذ أنتم أجنة جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن ، سمي جنينا لاجتنانه واستتاره . قال عمرو بن كلثوم :هجان اللون لم تقرأ جنيناوقال مكحول : كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا رضعا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك ، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا شيوخا - لا أبا لك ! - فما بعد هذا ننتظر ؟ ! .وروى ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال : كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير : هو صديق ; فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية : هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض إلى آخرها . ونحوه عن عائشة : كان اليهود ، بمثله .فلا تزكوا أنفسكم أي لا تمدحوها ولا تثنوا عليها ، فإنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع .هو أعلم بمن اتقى أي أخلص العمل واتقى عقوبة الله ; عن الحسن وغيره . قال الحسن : قد علم الله سبحانه كل نفس ما هي عاملة ، وما هي صانعة ، وإلى ما هي صائرة . وقد مضى في ( النساء ) الكلام في معنى هذه الآية عند قوله تعالى : ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم فتأمله هناك . وقال ابن عباس : ما من أحد من هذه الأمة أزكيه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم . والله تعالى أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَيقول تعالى ذكره ( وَلِلَّهِ ) مُلك ( مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ ) من شيء. وهو يضلّ من يشاء, وهو أعلم بهم ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا ) يقول: ليجزي الذين عصوه من خلقه, فأساءوا بمعصيتهم إياه, فيثيبهم بها النار ( وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) يقول: وليجزي الذين أطاعوه فأحسنوا بطاعتهم إياه في الدنيا بالحسنى وهي الجنة, فيثيبهم بها.وقيل: عُنِي بذلك أهل الشرك والإيمان.* ذكر من قال ذلك:حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عبد الله بن عياش, قال: قال زيد بن أسلم في قول الله ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا ) المؤمنون.وقوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ ) يقول: الذين يبتعدون عن كبائر &; 22-532 &; الإثم التي نهى الله عنها وحرمها عليهم فلا يقربونها, وذلك الشرك بالله, وما قد بيَّناه في قوله إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ .وقوله ( وَالْفَوَاحِشَ ) وهي الزنا وما أشبهه, مما أوجب الله فيه حدّا.وقوله ( إِلا اللَّمَمَ ) اختلف أهل التأويل في معنى " إلا " في هذا الموضع, فقال بعضهم: هي بمعنى الاستثناء المنقطع, وقالوا: معنى الكلام: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش, إلا اللمم الذي ألمُّوا به من الإثم والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام, فإن الله قد عفا لهم عنه, فلا يؤاخذهم به.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) يقول: إلا ما قد سلف.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: المشركون إنما كانوا بالأمس يعملون معناه, فأنـزل الله عزّ وجلّ( إِلا اللَّمَمَ ) ما كان منهم في الجاهلية. قال: واللمم: الذي ألموا به من تلك الكبائر والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام, وغفرها لهم حين أسلموا.حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن ابن عياش, عن ابن عون, عن محمد, قال: سأل رجل زيد بن ثابت, عن هذه الآية ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) فقال: حرم الله عليك الفواحش ما ظهر منها وما بطن.حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عبد الله بن عياش قال: قال زيد بن أسلم في قول الله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: كبائر الشرك والفواحش: الزنى, تركوا ذلك حين دخلوا في الإسلام, فغفر الله لهم ما كانوا ألموا به وأصابوا من ذلك قبل الإسلام.وكان بعض أهل العلم بكلام العرب ممن يوجه تأويل " إلا " في هذا الموضع إلى هذا الوجه الذي ذكرته عن ابن عباس يقول في تأويل ذلك: لم يؤذن لهم في اللمم, وليس هو من الفواحش, ولا من كبائر الإثم, وقد يُستثنى الشيء من الشيء, وليس منه على ضمير قد كفّ عنه فمجازه, إلا أن يلمَّ بشيء ليس من الفواحش ولا من الكبائر, قال: الشاعر:وَبَلْـــــدَةٍ ليْسَ بِهـــــا أَنِيسُإلا اليَعـــــــــافيرُ وإلا الْعِيسُ (1)واليعافير: الظباء, والعيس: الإبل وليسا من الناس, فكأنه قال: ليس به أنيس, غير أن به ظباء وإبلا. وقال بعضهم: اليعفور من الظباء الأحمر, والأعيس: الأبيض.وقال بنحو هذا القول جماعة من أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الأعمش, عن أبي الضحى, أن ابن مسعود قال: زنى العينين: النظر, وزنى الشفتين: التقبيل, وزنى اليدين: البطش, وزنى الرجلين: المشي, ويصدّق ذلك الفرْج أو يكذّبه, فإن تقدّم بفرجه كان زانيا, وإلا فهو اللمم.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, قال: وأخبرنا ابن طاوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنى أَدْرَكَهُ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنَينِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ".حدثني أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق في قوله ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: إن تقدم كان زنى, وإن تأخر كان لَمَمًا.حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن عُلَية, قال: ثنا منصور بن عبد الرحمن, قال: سألت الشعبيّ, عن قول الله ( يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: هو ما دون الزنى, ثم ذكر لنا عن ابن مسعود, قال: " زنى العينين: ما نظرت إليه, وزنى اليد: ما لمستْ, وزنى الرجل: ما مشتْ والتحقيق بالفرج.حدثني محمد بن معمر, قال: ثنا يعقوب, قال: ثنا وهيب, قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم بن عمرو القاريّ, قال: ثني عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له ابن لُبابة الطائفيّ, قال: سألت أبا هُريرة عن قول الله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: القُبلة, والغمزة, والنظْرة والمباشرة, إذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل, وهو الزنى.وقال آخرون: بل ذلك استثناء صحيح, ومعنى الكلام: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إلا أن يلمّ بها ثم يتوب.* ذكر من قال ذلك:حدثني سليمان بن عبد الجبار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: أخبرنا زكريا بن إسحاق, عن عمرو بن دينار, عن عطاء, عن ابن عباس ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: هو الرجل يلمّ بالفاحشة ثم يتوب; قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إِنْ تَغْفِــرْ اللَّهُــمَّ تَغْفِــرْ جَمَّــاوَأَيُّ عَبْــــدٍ لَـــكَ لا أَلَمَّـــا (2)حدثني ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال ثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد, أنه قال في هذه الآية ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: الذي يلم بالذنب ثم يدعه, وقال الشاعر:إِنْ تَغْفِــرْ اللَّهُــمَّ تَغْفِــرْ جَمَّــاوَأَيُّ عَبْــــدٍ لَـــكَ لا أَلَمَّـــاحدثني محمد بن عبد الله بن بزيع, قال: ثنا يونس, عن الحسن, عن أبي هُريرة, أراه رفعه: ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: اللَّمة من الزنى, ثم يتوب ولا يعود, واللَّمة من السرقة, ثم يتوب ولا يعود; واللَّمة من شرب الخمر, ثم يتوب ولا يعود, قال: فتلك الإلمام.حدثنا ابن بشار, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن عوف, عن الحسن, &; 22-536 &; في قول الله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: اللَّمة من الزنى أو السرقة, أو شرب الخمر, ثم لا يعود.حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن أبي عديّ عن عوف, عن الحسن, في قول الله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: اللمة من الزنى, أو السرقة, أو شرب الخمر ثم لا يعود.حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن أبي رجاء, عن الحسن, في قوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: قد كان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولون: هذا الرجل يصيب اللمة من الزنا, واللَّمة من شرب الخمر, فيخفيها فيتوب منها.حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس ( إِلا اللَّمَمَ ) يلمّ بها فى الحين, قلت الزنى, قال: الزنى ثم يتوب.حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, قال: قال معمر: كان الحسن يقول في اللَّمم: تكون اللَّمة من الرجل: الفاحشة ثم يتوب.حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن إسماعيل, عن أبي صالح, قال: الزنى ثم يتوب.قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن قتادة, عن الحسن ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: أن يقع الوقعة ثم ينتهي.حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن عطاء, عن ابن عباس قال: اللَّمم: الذي تُلِمُّ المرَّةَ.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, قال: أخبرني يحيى بن أيوب, عن المثنى بن الصباح, عن عمرو بن شعيب, أن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: اللمم: ما دون الشرك.حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا مرّة, عن عبد الله بن القاسم, في قوله ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: اللَّمة يلم بها من الذنوب.حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد, في قوله ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: الرجل يلمّ بالذنب ثم ينـزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون:إِنْ تَغْفِــرْ اللَّهُــمَّ تَغْفِــرْ جَمَّــاوَأَيُّ عَبْــــدٍ لَـــكَ لا أَلَمَّـــاوقال آخرون ممن وجه معنى " إلا " إلى الاستثناء المنقطع: اللمم: هو دون حدّ الدنيا وحد الآخرة, قد تجاوز الله عنه.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن جابر, عن عطاء, عن ابن الزبير ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: ما بين الحدّين, حدّ الدنيا, وعذاب الآخرة.حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, عن شعبة, عن الحكم, عن ابن عباس أنه قال: اللمم: ما دون الحدّين: حدّ الدنيا والآخرة.حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن شعبة, عن الحكم وقتادة, عن ابن عباس بمثله, إلا أنه قال: حدّ الدنيا, وحدّ الآخرة.حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: أخبرنا شعبة, عن الحكم بن عُتَيبة, قال: قال ابن عباس: اللمم ما دون الحدين, حد الدنيا وحد الآخرة.حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس قوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: كلّ شيء بين الحدّين, حدّ الدنيا وحدّ الآخرة تكفِّره الصلوات, وهو اللمم, وهو دون كل موجب; فأما حدّ الدنيا فكلّ حدّ فرض الله عقوبته في الدنيا; وأما حدّ الآخرة فكلّ شيء ختمه الله بالنار, وأخَّر عقوبته إلى الآخرة.حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة, في قوله: ( إِلا اللَّمَمَ ) يقول: ما بين الحدين, كل ذنب ليس فيه حدّ في الدنيا ولا عذاب في الآخرة, فهو اللمم.حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) واللمم: ما كان بين الحدّين لم يبلغ حدّ الدنيا ولا حدّ الآخرة موجبة, قد أوجب الله لأهلها النار, أو فاحشة يقام عليه الحدّ في الدنيا.وحدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن قتادة, قال: قال بعضهم: اللمم: ما بين الحدّين: حدّ الدنيا, وحدّ الآخرة.حدثنا أبو كُريب ويعقوب, قالا ثنا إسماعيل بن إبراهيم, قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة عن ابن عباس, قال: اللمم: ما بين الحدّين: حدّ الدنيا, وحدّ الآخرة.حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, قال: قال الضحاك ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: كلّ شيء بين حدّ الدنيا والآخرة فهو اللمم يغفره الله.وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال " إلا " بمعنى الاستثناء المنقطع, ووجّه معنى الكلام إلى ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) بما دون كبائر الإثم, ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا, والعذاب في الآخرة, فإن ذلك معفوّ لهم عنه, وذلك عندي نظير قوله جلّ ثناؤه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا فوعد جلّ ثناؤه باجتناب الكبائر, العفو عما دونها من السيئات, وهو اللمم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الْعَينانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالرِّجلانِ تَزْنِيَانِ، وَيُصَدّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ "، وذلك أنه لا حد فيما دون ولوج الفرج في الفرج, وذلك هو العفو من الله في الدنيا عن عقوبة العبد عليه, والله جلّ ثناؤه أكرم من أن يعود فيما قد عفا عنه, كما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم واللمم في كلام العرب: المقاربة للشيء, ذكر الفرّاء أنه سمع العرب تقول: ضربه ما لمم القتل (3) يريدون ضربا مقاربا للقتل. قال: وسمعت من آخر: ألمّ يفعل في معنى: كاد يفعل.-------------------الهوامش :(1) البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( الورقة 231 ) قال عند قوله تعالى : ( يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) : لم يؤذن لهم في اللمم ، وليس هو من الفواحش ولا من كبائر الإثم ، وقد يستثنى الشيء من الشيء وليس منه على ضمير قد كف عنه ، فمجازه : إلا أن يلم ملم بشيء ، ليس من الفواحش والكبائر قال : " وبلد ليس بها أنيس ... البيتين " . واليعافير الظباء ، والعيس : الإبل ، وليسا من الناس ، فكأنه قال : ليس بها أنيس غير أن بها ظباء وإبلا . وقال بعضهم : اليعفور من الظباء : الأحمر ، والأعيس : الأبيض من الظباء أ . هـ . وقال العيني في فرائد القلائد : قاله جران العود النميري ، واسمه عامر بن الحارث . والشاهد في " إلا اليعافير " فإنه استثناء من قوله أنيس ، على الإبدال ، مع أنه منقطع ، على لغة بني تميم ، وأهل الحجاز يوجبون النصب " أي في الاستثناء المنقطع " . وهو جمع يعفور ، وهو ولد البقرة الوحشية ، والعيس جمع عيساء ، وهي الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة أ . هـ . وقال الفراء في معاني القرآن ( الورقة 316 ) قوله " إلا اللمم " : يقول : إلا المتقارب من صغير الذنوب . قال وسمعت من بعض العرب : ألم يفعل : في معنى كاد يفعل ، وذكر الكلبي بإسناده أنها النظرة في غير تعمد ، فهي لمم ، وهي مغفورة ، فإن أعاد النظر فليس بلمم ، هو ذنب أ . هـ .(2) البيت لأمية بن أبي الصلت ( اللسان : لمم ) قال : والإلمام واللمم : مقاربة الذنب . وقيل : اللمم : ما دون الكبائر من الذنوب . وفي التنزيل العزيز: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم " . وألم الرجل ، من اللمم ، وهو صغار الذنوب . وقال أمية : " إن تغفر اللهم ... البيتين " . ويقال : هو مقاربة المعصية من غير مواقعة . وقال الأخفش : اللمم : المقارب من الذنوب . وقال : ابن بري : الشعر لأمية بن أبي الصلت ، قال : وذكر عبد الرحمن ( ابن أخي الأصمعي ) عن عمه ، عن يعقوب ( ابن السكيت ) عن مسلم بن أبي طرفة الهذلي قال : مر أبو خراش ( الهذلي الشاعر ) يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول :لا هــم هــذا خــامس إن تمــاأتمـــه اللـــه وقـــد أتمـــاإن تغفــر اللهــم تغفــر جمــاوأي عبــــد لـــك لا ألمــــا(3) هذه العبارة مما رواه الفراء عن العرب ، قال في معاني القرآن : وسمعت العرب ... إلخ ، وما صلته ، يريد ضربا مقاربا للقتل .