سورة النجم · الآية 39
وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ39
وفي تلك الصحف أحكام كثيرة من أهمها ما ذكره الله بقوله: { أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } أي: كل عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له من عمل غيره وسعيهم شيء، ولا يتحمل أحد عن أحد ذنبا
أنه لا تؤخذ نفس بمأثم غيرها، ووزرها لا يحمله عنها أحد، وأنه لا يحصل للإنسان من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه بسعيه.
أي كما لا يحمل عليه وزر غيره كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه ومن وهذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ولو كان خيرا لسبقونا إليه وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما. وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية من بعده أو علم ينتفع به" فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه وقد قال تعالى "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم" الآية والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله وثبت في الصحيح "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا".
قوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى روي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم فيحصل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ، ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء ; يدل على ذلك قوله تعالى : آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا . . وقال أكثر أهل التأويل : هي محكمة ولا ينفع أحدا عمل أحد ، وأجمعوا أن لا يصلي أحد عن أحد . ولم يجز مالك الصيام والحج والصدقة عن الميت ، إلا أنه قال : إن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه . وأجاز الشافعي وغيره الحج التطوع عن الميت . وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه . وروي أن سعد بن عبادة قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمي توفيت أفأتصدق عنها ؟ قال : نعم ، قال : فأي الصدقة أفضل ؟ قال : سقي الماء .وقد مضى جميع هذا مستوفى في ( البقرة ) و ( آل عمران ) و ( الأعراف ) . وقد قيل : إن الله عز وجل إنما قال : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ولام الخفض معناها في العربية الملك والإيجاب فلم يجب للإنسان إلا ما سعى ، فإذا تصدق عنه غيره فليس يجب له شيء إلا أن الله عز وجل يتفضل عليه بما لا يجب له ، كما يتفضل على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل . وقال [ ص: 106 ] الربيع بن أنس : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى يعني الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره .قلت : وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول ، وأن المؤمن يصل إلى ثواب العمل الصالح من غيره ، وقد تقدم كثير منها لمن تأملها ، وليس في الصدقة اختلاف ، كما في صدر كتاب مسلم عن عبد الله بن المبارك . وفي الصحيح : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث وفيه : أو ولد صالح يدعو له وهذا كله تفضل من الله عز وجل ، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه ، كتب لهم بالحسنة الواحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة ; كما قيل لأبي هريرة : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فقال سمعته يقول : إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة فهذا تفضل . وطريق العدل أن ليس للإنسان إلا ما سعى .قلت : ويحتمل أن يكون قوله : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى خاص في السيئة ; بدليل ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة فإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها سيئة واحدة . وقال أبو بكر الوراق : إلا ما سعى إلا ما نوى ; بيانه قوله صلى الله عليه وسلم : يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم .
وقال آخرون: بل وفَّى بما رأى في المنام من ذبح ابنه, وقالوا قوله ( أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) من المؤخر الذي معناه التقديم; وقالوا: معنى الكلام: أم لم ينبأ بما في صحف موسى ألا تزر وازرة وزر أخرى, وبما في صحف إبراهيم الذي وفى.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس في قوله ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) يقول: إبراهيم الذي استكمل الطاعة فيما فعل بابنه حين رأى الرؤيا, والذي في صحف موسى ( أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ... إلى آخر الآية.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني ابن لهيعة, عن أبي صخر, عن القُرَظَيّ, وسُئل عن هذه الآية ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) قال: وفى بذبح ابنه.وقال آخرون بل معنى ذلك: أنه وفى ربه جميع شرائع الإسلام.* ذكر من قال ذلك:حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبَويه, قال: ثنا عليّ بن الحسن, قال: ثنا خارجة بن مُصْعبٍ, عن داود بن أبي هند, عن عكرمة عن ابن عباس قال: الإسلام ثلاثون سهما. وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلا إبراهيم, قال الله ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) فكتب الله له براءة من النار.حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) ما فُرِض عليه.وقال آخرون: وفى بما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذيحدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا رشدين بن سعد, قال: ثني زيان بن فائد, عن سهل بن معاذ, عن أنس, عن أبيه, قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "أَلا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وَفَّى؟ لأنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ حَتَّى خَتَمَ الآيَةَ".وقال آخرون: بل وفى ربه عمل يومه.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا الحسن بن عطية, قال: ثنا إسرائيل, عن جعفر بن الزبير عن القاسم, عن أبي أُمامة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) قال: " أتدرون ما وَفَّى "؟ قالوا الله ورسوله أعلم, قال: وفَّى عَمَل يَوْمِهِ أرْبَعَ رَكعَات في النَّهارِ".وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: وفى جميع شرائع الإسلام وجميع ما أُمر به من الطاعة, لأن الله تعالى ذكره أخبر عنه أنه وفى فعم بالخبر عن توفيته جميع الطاعة, ولم يخصص بعضا دون بعض.فإن قال قائل : فإنه خصّ ذلك بقوله وفي ( أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) فإن ذلك مما أخبر الله جل ثناؤه أنه في صحف موسى وإبراهيم, لا مما خصّ به الخبر عن أنه وفى. وأما التوفية فإنها على العموم, ولو صحّ الخبران اللذان ذكرناهما أو أحدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم نَعْدُ القول به إلى غيره ولكن في إسنادهما نظر يجب التثبت فيهما من أجله.وقوله ( أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) فإن من قوله ( أَلا تَزِرُ ) على التأويل الذي تأوّلناه في موضع خفض ردّا على " ما " التي في قوله ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ) يعني بقوله ( أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) غيرها, بل كل آثمة فإنما إثمها عليها.وقد بيَّنا تأويل ذلك باختلاف أهل العلم فيه فيما مضى قبل.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن عبيد المحاربيّ , قال: ثنا أبو مالك الجَنْبي, قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي مالك الغفاريّ في قوله ( أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ) إلى قوله مِنَ النُّذُرِ الأُولَى قال: هذا في صحف إبراهيم وموسى.وإنما عُني بقوله ( أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) الذي ضَمِن للوليد بن المغيرة أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة, يقول: ألم يُخْبَرْ قائل هذا القول, وضامن هذا الضمان بالذي في صحف موسى وإبراهيم مكتوب: أن لا تأثم آثمة إثم أخرى غيرها.