سورة النجم · الآية 9

فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ9

الجزء 27 الصفحة 526
تفسير السعدي
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَكَانَ } في قربه منه { قَابَ قَوْسَيْنِ } أي: قدر قوسين، والقوس معروف، { أَوْ أَدْنَى } أي: أقرب من القوسين، وهذا يدل على كمال المباشرة للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وأنه لا واسطة بينه وبين جبريل عليه السلام.

التفسير الميسر
نخبة من العلماء

علَّم محمدًا صلى الله عليه وسلم مَلَك شديد القوة، ذو منظر حسن، وهو جبريل عليه السلام، الذي ظهر واستوى على صورته الحقيقية للرسول صلى الله عليه وسلم في الأفق الأعلى، وهو أفق الشمس عند مطلعها، ثم دنا جبريل من الرسول صلى الله عليه وسلم، فزاد في القرب، فكان دنوُّه مقدار قوسين أو أقرب من ذلك. فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى بواسطة جبريل عليه السلام. ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه بصره.

تفسير ابن كثير
إسماعيل بن عمر بن كثير

أي فاقترب جبريل إلى محمد لما هبط عليه إلى الأرض حتى كان بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم قاب قوسين أي بقدرهما إذا مدا قاله مجاهد وقتادة. وقد قيل إن المراد بذلك بعد ما بين وتر القوس إلى كبدها. وقوله تعالى "أو أدنى" قد تقدم أن هذه الصيغة تستعمل في اللغة لاثبات المخبر عنه ونفي ما زاد عليه كقوله تعالى "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة" أي ما هي بألين من الحجارة بل هي مثلها أو تزيد عليها في الشدة والقسوة وكذا قوله "يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية" وقوله "وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون" أي ليسوا أقل منها بل هم مائة ألف حقيقة أو يزيدون عليها فهذا تحقيق للمخبر به لا شك ولا تردد فإن هذا ممتنع ههنا وهكذا هذه الآية "فكان قاب قوسين أو أدنى" وهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب الداني الذي صار بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم إنما هو جبريل عليه السلام وهو قول أم المؤمنين عائشة وابن مسعود وأبي ذر وأبي هريرة كما سنورد أحاديثهم قريبا إن شاء الله تعالى. وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فجعل هذه إحداهما وجاء في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس في حديث الإسراء ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى ولهذا قد تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية وذكروا أشياء فيها من الغرابة فإن صح فهو محمول على وقت آخر وقصة أخرى لا أنها تفسير لهذه الآية فإن هذه كانت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض لا ليلة الإسراء ولهذا قال بعده "ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى" فهذه هي ليلة الإسراء والأولى كانت في الأرض. وقد قال ابن جرير حدثنا محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب حدثنا عبدالواحد بن زياد حدثنا سليمان الشيباني حدثنا زر بن حبيش قال: قال عبدالله بن مسعود في هذه الآية "فكان قاب قوسين أو أدنى" قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأيت جبريل له ستمائة جناح". وقال ابن وهب حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان أول شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى في منامه جبريل بأجياد ثم إنه خرج ليقضي حاجته فصرخ به جبريل يا محمد يا محمد فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا وشمالا فلم ير أحدا ثلاثا ثم رفع بصره فإذا هو ثاني إحدى رجليه مع الأخرى على أفق السماء فقال يا محمد جبريل جبريل يسكنه فهرب النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل في الناس فنظر فلم ير شيئا ثم خرج من الناس ثم نظر فرآه فدخل في الناس فلم ير شيئا ثم خرج فنظر فرآه فذلك قول الله عز وجل "والنجم إذا هوى - إلى قوله ثم دنا فتدلى" يعني جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام "فكاد قاب قوسين أو أدنى" ويقولون: القاب نصف أصبع وقال بعضهم ذراعين كان بينهما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث ابن وهب به وفي حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر شاهدا لهذا. وروى البخاري عن طلق بن غنام عن زائدة عن الشيباني قال سألت زرا عن قوله "فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى" قال حدثنا عبدالله أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائه جناح. وقال ابن جرير حدثني ابن بزيع البغدادي حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبدالله "ما كذب الفؤاد ما رأى" قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض.

تفسير القرطبي
محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فكان قاب قوسين أو أدنى أي ( كان ) محمد من ربه أو من جبريل ( قاب قوسين ) أي قدر قوسين عربيتين ؛ قاله ابن عباس وعطاء والفراء . الزمخشري : فإن قلت كيف تقدير قوله : فكان قاب قوسين قلت : تقديره : فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين ، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله :وقد جعلتني من حزيمة إصبعاأي ذا مقدار مسافة إصبع أو أدنى أي على تقديركم ; كقوله تعالى : أو يزيدون . وفي الصحاح : وتقول بينهما قاب قوس ، وقيب قوس وقاد قوس ، وقيد قوس ; أي قدر قوس . وقرأ زيد بن علي " قاد " وقرئ " قيد " و " قدر " . ذكره الزمخشري . والقاب ما بين المقبض والسية . ولكل قوس قابان . وقال بعضهم في قوله تعالى : قاب قوسين أراد قابي قوس فقلبه . وفي الحديث : ولقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها والقد السوط . وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها . وإنما ضرب المثل [ ص: 84 ] بالقوس ، لأنها لا تختلف في القاب . والله أعلم . قال القاضي عياض : اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى ، وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه وقربه منه - إبانة عظيم منزلته ، وتشريف رتبته ، وإشراق أنوار معرفته ، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته . ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام .ويتأول في قوله عليه السلام : ينزل ربنا إلى سماء الدنيا على أحد الوجوه : نزول إجمال وقبول وإحسان . قال القاضي : وقوله : فكان قاب قوسين أو أدنى فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب ، ولطف المحل ، وإيضاح المعرفة ، والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم ، وعبارة عن إجابة الرغبة ، وقضاء المطالب ، وإظهار التحفي ، وإنافة المنزلة والقرب من الله ; ويتأول فيه ما يتأول في قوله عليه السلام : من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة قرب بالإجابة والقبول ، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول . وقد قيل : ثم دنا جبريل من ربه فكان قاب قوسين أو أدنى ؛ قاله مجاهد . ويدل عليه ما روي في الحديث : إن أقرب الملائكة من الله جبريل عليه السلام . وقيل : أو بمعنى الواو أي : قاب قوسين وأدنى . وقيل : بمعنى بل أي بل أدنى . وقال سعيد بن المسيب : القاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه ، ولكل قوس قاب واحد . فأخبر أن جبريل قرب من محمد صلى الله عليه وسلم كقرب قاب قوسين . وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهمداني وأبو وائل شقيق بن سلمة : فكان قاب قوسين أي قدر ذراعين ، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء ، وهي لغة بعض الحجازيين . وقيل : هي لغة أزد شنوءة أيضا . وقال الكسائي : قوله : فكان قاب قوسين أو أدنى أراد قوسا واحدا ; كقول الشاعر : [ ص: 85 ]ومهمهين قذفين مرتين قطعته بالسمت لا بالسمتينأراد مهمها واحدا . والقوس تذكر وتؤنث فمن أنث قال في تصغيرها قويسة ومن ذكر قال قويس ; وفي المثل هو من خير قويس سهما . والجمع قسي قسي وأقواس وقياس ; وأنشد أبو عبيدة :ووتر الأساور القياسا والقوس أيضا بقية التمرفي الجلة أي : الوعاء . والقوس برج في السماء . فأما " القوس " بالضم فصومعة الراهب ; قال الشاعر جرير وذكر امرأة :لاستفتنتني وذا المسحين في القوس

تفسير الطبري
محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8)يقول تعالى ذكره: ثم دنا جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى إليه, وهذا من المؤخِّر الذي معناه القديم, وإنما هو: ثم تدلى فدنا, ولكنه حسن تقديم قوله ( دَنَا ) , إذ كان الدنوّ يدلّ على التدلي والتدلي على الدنوّ, كما يقال: زارني فلان فأحسن, وأحسن إليّ فزارني وشتمني فأساء, وأساء فشتمني لأن الإساءة هي الشتم: والشتم هو الإساءة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الحسن ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) قال: جبريل عليه السلام .حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) يعني: جبريل.حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) قال: هو جبريل عليه السلام .وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم دنا الربّ من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى.* ذكر من قال ذلك:حدثنا يحيى بن الأمويّ, قال: ثنا أبي, قال: ثنا محمد بن عمرو, عن أبي سَلَمة, عن ابن عباس ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) قال: دنا ربه فتدلّى.حدثنا الربيع, قال: ثنا ابن وهب, عن سليمان بن بلال, عن شريك بن أبي نمر, قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة المسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه عرج جبرائيل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة, ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله, حتى جاء سدرة المنتهى, ودنا الجبار ربّ العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى, فأوحى الله إليه ما شاء, فأوحى الله إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كلّ يوم وليلة, وذكر الحديث " .

→ الآية السابقة الآية التالية ←