سورة الرحمن · الآية 36

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ36

الجزء 27 الصفحة 532
تفسير السعدي
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما كان تخويفه لعباده نعمة منه عليهم، وسوطا يسوقهم به إلى أعلى المطالب وأشرف المواهب، امتن عليهم فقال: { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }

التفسير الميسر
نخبة من العلماء

يُرْسَل عليكم لهب من نار، ونحاس مذاب يُصَبُّ على رؤوسكم، فلا ينصر بعضكم بعضًا يا معشر الجن والإنس. فبأي نِعَم ربكما- أيها الثقلان- تكذِّبان؟

تفسير ابن كثير
إسماعيل بن عمر بن كثير

أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس الجن تكذبان؟ قاله مجاهد وغير واحد ويدل عليه السياق بعده أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون "فبأي آلاء ربكما تكذبان".

تفسير القرطبي
محمد بن أحمد القرطبي

خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " [ ص : 32 ] .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

تفسير الطبري
محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ (35)يقول تعالى ذكره ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا ) أيها الثقلان يوم القيامة ( شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ )، وهو لهبها من حيث تشتعل وتؤجَّج بغير دخان كان فيه ومنه قول رُؤْبة بن العجَّاج:إنَّ لَهُــمْ مِــنْ وَقْعِنــا أقْياظــاونــارُ حَــرْب تُسْــعِرُ الشُّـوَاظا (3)وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ )، يقول: لَهَب النار.حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ) يقول: لهب النار.حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ) قال: لهب النار.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبيري، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ) قال: اللهب المتقطع. (4)حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن منصور، عن مجاهد ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ) قال: الشُّواظ: الأخضر المتقطع من النار.قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ) قال: الشواظ : هذا اللهب الأخضر المتقطع من النار.قال: ثنا مهران، عن سفيان، في قوله: ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ) قال: الشواظ: اللهب الأخضر المتقطع من النار.قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الضحاك: ( الشُّوََاظُ ): اللهب.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ) : أي لهب من نار.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ) قال: لهب من نار.وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ) قال: الشواظ: اللهب، وأما النحاس فالله أعلم بما أراد به.ذكر من قال ذلك:وقال آخرون : الشُّواظ : هو الدخان الذي يخرج من اللهب.* ذكر من قال ذلك:حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ): الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب.واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( شُوَاظٌ ) ، فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة والبصرة، غير ابن أبي إسحاق (شُوَاظٌ ) بضم الشين، وقرأ ذلك ابن أبي إسحاق، وعبد الله بن كثير ( شِوَاظٌ مِنْ نارٍ ) بكسر الشين، وهما لغتان، مثل الصوار من البقر، والصّوار بكسر الصاد وضمها. وأعجب القراءتين إليّ ضمّ الشين، لأنها اللغة المعروفة، وهي مع ذلك قراءة القرّاء من أهل الأمصار.وأما قوله: ( ونُحاسٌ )، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به، فقال بعضهم: عُنِي به الدخان.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا موسى بن عمير، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله: ( وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ ) قال: النحاس: الدخان.حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( ونُحاسٌ ): دخان النار.حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ( ونُحاسٌ ): قال: دخان.وقال آخرون : عني بالنحاس في هذا الموضع: الصُّفر.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( ونُحاسٌ ) قال: النحاس: الصفر يعذّبون به.حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( ونُحاسٌ ) قال: يذاب الصفر من فوق رءوسهم.قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد ( ونُحاسٌ ) قال: يذاب الصفر فيصبّ على رأسه.حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، ( ونُحاسٌ ): يذاب الصفر فيصبّ على رءوسهم.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ( ونُحاسٌ ) قال: توعدهما بالصُّفر كما تسمعون أن يعذّبهما به.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ ) قال: يخوّفهم بالنار وبالنحاس.وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُنِي بالنحاس: الدخان، وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر أنه يرسل على هذين الحيَّين شواظ من نار، وهو النار المحضة التي لا يخلطها دخان. والذي هو أولى بالكلام أنه توعدهم بنار هذه صفتها أن يُتبع ذلك الوعد بما هو خلافها من نوعها من العذاب، دون ما هو من غير جنسها، وذلك هو الدخان، والعرب تسمي الدخان نُحاسا بضم النون، ونحاسا بكسرها، والقرّاء مجمعة على ضمها، ومن النُّحاس بمعنى الدخان، قول نابغة بني ذُبيان:يَضُــوءُ كَضَــوْء سِـرَاج السَّـليط لْــم يجْــعَل اللــهُ فيـهِ نُحاسـا (5)يعني : دخانا.وقوله: ( فَلا تَنْتَصِرَانِ ) يقول تعالى ذكره: فلا تنتصران أيها الجنّ والإنس منه، إذا هو عاقبكما هذه العقوبة، ولا تُستنقذان منه.كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فَلا تَنْتَصِرَانِ ) قال: يعني الجنّ والإنس.--------------------الهوامش :(3) البيتان في ديوان العجاج ( طبع ليبسج 81 )، وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة ( الورقة 173 ) ولم يظهر اسم الشاعر، قال عند قوله تعالى ( يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ) : شواظ ( بضم أوله ) وشواظ ( بكسر أوله ) ( ضبط قلم ) : واحد .وهو النار التي تأجج لا دخان فيها .قال : " إن لهم من وقعنا " ... البيتين، وفي ( اللسان : شوظ ) والشواظ والشوظ ( بضم الأول وكسر الثاني ) : اللهب الذي لا دخان فيه . وقال رؤبة: " إن لهم ... البيتين " . وفي التنزيل العزيز: ( يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ) . قال الفراء : أكثر القراء قرءوا شواظ (بالضم) وكسر الحسن الشين ، كما قالوا لجماعة البقر صوار صوار . ا هـ .(4) المتقطع : كذا في الأصل . وهو كذلك بالشوكاني ( 5 : 134 ) .(5) البيت لنابغة بني جعدة مجاز القرآن ( الورقة 173 - ب ) وحرف الناسخ اسمه، فقال كنابغة بني ذبيان في تفسير المؤلف هذا . قال أبو عبيدة عند قوله تعالى : " ونحاس " : نحاس ونحاس ( بضم أوله وكسره، ضبط قلم ) والنحاس: الدخان، قال نابغة بني جعدة " تضيء كضوء .... البيت " وفي أوله : تضيء بالياء، لا بالواو، كما كتبه ناسخ التفسير . (وفي اللسان ضوأ) ضاء السراج يضوء، وأضاء يضيء. قال: واللغة الثانية هي المختارة . ا ه.

→ الآية السابقة الآية التالية ←