سورة المزمل · الآية 7

إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحًۭا طَوِيلًۭا7

الجزء 29 الصفحة 574
تفسير السعدي
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا } أي: ترددا على حوائجك ومعاشك، يوجب اشتغال القلب وعدم تفرغه التفرغ التام.

التفسير الميسر
نخبة من العلماء

إن لك في النهار تصرفًا وتقلبًا في مصالحك، واشتغالا واسعًا بأمور الرسالة، ففرِّغْ نفسك ليلا لعبادة ربك.

تفسير ابن كثير
إسماعيل بن عمر بن كثير

قال ابن عباس وعكرمة وعطاء بن أبي مسلم الفراغ والنوم وقال أبو العالية ومجاهد وأبن مالك والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس وسفيان الثوري فراغا طويلا وقال قتادة فراغا وبغية ومتقلبا وقال السدي "سبحا طويلا" تطوعا كثيرا وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى "إن لك في النهار سبحا طويلا" قال لحوائجك فأفرغ لدينك الليل قال وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة ثم إن الله تبارك وتعالى من على عباده فخففها ووضعها وقرأ "قم الليل إلا قليلا" إلى آخر الآية ثم قال "إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه - حتى بلغ - فاقرءوا ما تيسر منه" وقال تعالى "ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربى مقاما محمودا" وهذا الذي قاله كما قاله والدليل عليه ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال حدثنا يحيى حدثنا سعيد هو ابن أبي عروبه عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام أنه طلق امرأته ثم ارتحل الى المدينة ليبيع عقارا له بها ويجعله في الكراع والسلاح ثم يجاهد الروم حتى يموت فلقي رهطا من قومه فحدثوه أن رهطا من قومه ستة أرادوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أليس لكم في أسوة حسنة؟" فنهاهم عن ذلك فأشهدهم على رجعتها ثم رجع إلينا فأخبرنا أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم قال أئت عائشة فسلها ثم ارجع إلي فأخبرني بردها عليك قال فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها فقال ما أنا بقاربها إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئا فأبت فيهما إلا مضيا فأقسمت عليه فجاء معي فدخلنا عليها فقالت حكيم وعرفته قال نعم قالت من هذا معك؟ قال سعيد بن هشام قالت من هشام؟ قال ابن عامر قال فترحمت عليه وقالت نعم المرء كان عامر قلت يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول صلى الله عليه وسلم؟ قالت ألست تقرأ القرآن قلت بلى قالت فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن فهممت أن أقوم ثم بدا لى قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا أم المؤمنين أنبئيني عن قيام رسول الله قالت ألست تقرأ هذه السورة "يا أيها المزمل" قلت بلى قالت فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة فهممت أن أقوم ثم بدا لي وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ثم يتوضأ ثم يصلي ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو ثم ينهض وما يسلم ثم يقوم ليصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله وحده ثم يدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع ثم صلى ركعتين وهو جالس بعدما يسلم فتلك تسع يا بني وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ولا أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة حتى أصبح ولا صام شهرا كاملا غير رمضان فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها فقال صدقت أما لو كنت أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني مشافهة هكذا رواه الإمام أحمد بتمامه وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث قتادة بنحوه. "طريق أخرى عن عائشة في هذا المعنى" قال ابن جرير حدثنا ابن وكيع حدثنا زيد بن الحباب وحدثنا ابن حميد حدثنا مهران قالا جميعا واللفظ لابن وكيع عن موسى بن عبيدة حدثني محمد بن طحلاء عن أبي سلمة عن عائشة قالت: كنت أجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيرا يصلى عليه من الليل فتسامع الناس به فاجتمعوا فخرج كالمغضب وكان بهم رحيما فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل فقال "أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل وخير الأعمال ما ديم عليه" ونزل القرآن "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه" حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق فمكثوا بذلك ثمانية أشهر فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل ورواه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف والحديث في الصحيح بدون زيادة نزول هذه السورة وهذا السياق قد يوهم أن نزول هذه السورة بالمدينة وليس كذلك وإنما هي مكية وقوله في هذا السياق إن بين نزول أولها وآخرها ثمانية أشهر غريب فقد تقدم في رواية أحمد أنه كان بينهما سنة وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن مسعر عن سماك الحنفي سمعت ابن عباس يقول: أول ما نزل أول المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي أسامة به وقال الثوري ومحمد بن بشر العبدي كلاهما عن مسعر عن سماك عن ابن عباس كان بينهما سنة وروى ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عاس مثله وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن قيس بن وهب عن أبي عبدالرحمن قال لما نزلت "يا أيها المزمل" قاموا حولا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت "فاقرءوا ما تيسر منه" قال فاستراح الناس وكذا قال الحسن البصري والسدي. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عبيدالله بن عمر القواريري حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام قال: فقلت يعني لعائشة أخبرينا عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألست تقرأ "يا أيها المزمل" قلت بلى قالت فإنها كانت قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم وحبس آخرها في السماء ستة عشر شهرا ثم نزل وقال معمر عن قتادة "قم الليل إلا قليلا" قاموا حولا أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم فأنزل الله تخفيفها بعد في آخر السورة وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب القمي عن جعفر عن سعيد هو ابن جبير قال: لما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم "يا أيها المزمل" قال مكث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه فأنزل الله تعالى عليه بعد عشر سنين "إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك - إلى قوله تعالى - وأقيموا الصلاة" فخفف الله تعالى عنهم بعد عشر سنين ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن رافع عن يعقوب القمي به وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى "قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا" فشق ذلك على المؤمنين ثم خفف الله تعالى عنهم ورحمهم فأنزل بعد هذا "علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله" إلى قوله تعالى "فاقرءوا ما تيسر منه" فوسع الله تعالى وله الحمد ولم يضيق.

تفسير القرطبي
محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن لك في النهار سبحا طويلا قراءة العامة بالحاء غير معجمة ; أي تصرفا في حوائجك ، وإقبالا وإدبارا وذهابا ومجيئا .والسبح : الجري والدوران ، ومنه السابح في الماء ; لتقلبه بيديه ورجليه . وفرس سابح : شديد الجري ; قال امرؤ القيس :مسح إذا ما السابحات على الونى أثرن الغبار بالكديد المركلوقيل : السبح الفراغ ; أي إن لك فراغا للحاجات بالنهار .وقيل : إن لك في النهار سبحا أي نوما ، والتسبح التمدد ; ذكره الخليل .وعن ابن عباس وعطاء : سبحا طويلا يعني فراغا طويلا لنومك وراحتك ، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك ، وقال الزجاج : إن فاتك في الليل شيء فلك في النهار فراغ الاستدراك .وقرأ يحيى بن يعمر وأبو وائل ( سبخا ) بالخاء المعجمة . قال المهدوي : ومعناه النوم ، روي ذلك عن القارئين بهذه القراءة . وقيل : معناه الخفة والسعة والاستراحة ; ومنه قول [ ص: 41 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة وقد دعت على سارق ردائها : " لا تسبخي عنه بدعائك عليه " . أي لا تخففي عنه إثمه ; قال الشاعر :فسبخ عليك الهم واعلم بأنه إذا قدر الرحمن شيئا فكائنالأصمعي : يقال سبخ الله عنك الحمى أي خففها . وسبخ الحر : فتر وخف . والتسبيخ النوم الشديد . والتسبيخ أيضا توسيع القطن والكتان والصوف وتنفيشها ; يقال للمرأة : سبخي قطنك . والسبيخ من القطن ما يسبخ بعد الندف ، أي يلف لتغزله المرأة ، والقطعة منه سبيخة ، وكذلك من الصوف والوبر . ويقال لقطع القطن سبائخ ; قال الأخطل يصف القناص والكلاب :فأرسلوهن يذرين التراب كما يذري سبائخ قطن ندف أوتاروقال ثعلب : السبخ بالخاء التردد والاضطراب ، والسبخ أيضا السكون ; ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : الحمى من فيح جهنم ، فسبخوها بالماء أي سكنوها . وقال أبو عمرو : السبخ : النوم والفراغ .قلت : فعلى هذا يكون من الأضداد وتكون بمعنى السبح ، بالحاء غير المعجمة .

تفسير الطبري
محمد بن جرير الطبري

قوله: ( إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن لك يا محمد في النهار فراغا طويلا تتسع به، وتتقلَّب فيه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( سَبْحًا طَوِيلا ) فراغا طويلا يعني النوم.حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قوله: ( إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا ) قال: متاعا طويلا.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ( سَبْحًا طَوِيلا ) قال: فراغا طويلا.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا ) قال: لحوائجك، فافُرغ لدينك الليل، قالوا: وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة، ثم إن الله منّ على العباد فخفَّفها ووضعها، وقرأ: قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا ... إلى آخر الآية، ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ حتى بلغ قوله: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ الليل نصفه أو ثلثه، ثم جاء أمر أوسع وأفسح، وضع الفريضة عنه وعن أمته، فقال: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا .حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول في قوله: ( إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا ) فراغا طويلا. وكان يحيى بن يعمر يقرأ ذلك بالخاء.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن غالب الليثي، عن يحيى بن يعمر " من جذيلة قيس " أنه كان يقرأ ( سَبْخًا طَوِيلا ) قال: وهو النوم.قال أبو جعفر: والتسبيخ: توسيع القطن والصوف وتنفيشه، يقال للمرأة: سبخي قطنك: أي نفشيه ووسعيه؛ ومنه قول الأخطل:فأرْسَــلُوهُنَّ يُـذْرِينَ الـتَرَابَ كَمَـايُـذْرِي سَـبائخَ قُطْـنٍ نَـدْفُ أوْتـارُ (2)وإنما عني بقوله: ( إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا ) : إن لك في النهار سعة لقضاء حوائجك وقومك. والسبح والسبخ قريبا المعنى في هذا الموضع.------------------------الهوامش:(2) ‌البيت للأخطل يذكر الكلاب (اللسان : سبخ) قال : التسبيخ: التخفيف.ويقال : "اللهم سبخ عني الحمى" أي: خففها وسهلها، ولهذا قيل لقطع القطن إذا ندف: سبائخ، ومنه قول الأخطل يذكر الكلاب: "فأرسلوهن.." البيت. وقال الفراء في معاني القرآن (الورقة 346) وقوله: ( إن لك في النهار سبحا طويلا ) يقول: لك في النهار ما تقضي حوائجك. وقد قرأ بعضهم: سبخا، بالخاء، والتسبيخ: توسعة الصوف والقطن وما أشبهه، يقال: سبخي قطنك. قال أبو العباس (ثعلب): سمعت أبا عبد الله (ابن الأعرابي) يقول: حضر أبو زياد الكلابي مجلس الفراء في هذا اليوم، فسأله الفراء عن هذا الحرف، فقال: أهل باديتنا يقولون: اللهم سبخ عنه للمريض والملسوع ونحوه.

→ الآية السابقة الآية التالية ←