سورة التكوير · الآية 17

وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ17

الجزء 30 الصفحة 586
تفسير السعدي
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } أي: أدبر وقيل: أقبل،

التفسير الميسر
نخبة من العلماء

أقسم الله تعالى بالنجوم المختفية أنوارها نهارًا، الجارية والمستترة في أبراجها، والليل إذا أقبل بظلامه، والصبح إذا ظهر ضياؤه، إن القرآن لَتبليغ رسول كريم- هو جبريل عليه السلام-، ذِي قوة في تنفيذ ما يؤمر به، صاحبِ مكانة رفيعة عند الله، تطيعه الملائكة، مؤتمن على الوحي الذي ينزل به.

تفسير ابن كثير
إسماعيل بن عمر بن كثير

فيه قولان "أحدهما" إقباله بظلامه قال مجاهد أظلم وقال سعيد ابن جبير إذا نشأ وقال الحسن البصري إذا غشي الناس وكذا قال عطية العوفي وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس "إذا عسعس" إذا أدبر وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وكذا قال زيد بن أسلم وابنه عبدالرحمن "إذا عسعس" أي إذا ذهب فتولى وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البحتري سمع أبا عبدالرحمن السلمي قال: خرج علينا علي رضي الله عنه حين ثوب المثوب بصلاة الصبح فقال: أين السائلون عن الوتر "والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس" هذا حين أدبر حسن وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله "إذا عسعس" إذا أدبر قال لقوله "والصبح إذا تنفس" أي أضاء واستشهد بقول الشاعر أيضا: حتي إذا الصبح له تنفسـا وانجاب عنها ليلها وعسعسا أي أدبر وعندي أن المراد بقوله "إذا عسعس" إذا أقبل وإن كان يصح استعماله في الأدبار أيضا لكن الإقبال ههنا أنسب كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل وبالفجر وضيائه إذا أشرق كما قال تعالى "والليل إذا يغشي والنهار إذا تجلى" وقال تعالى "والضحي والليل إذا سجي" وقال تعالى "فالق الإصباح وجعل الليل سكنا" وغير ذلك من الآيات وقال كثير من علماء الأصول إن لفظة عسعس تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما والله أعلم. قال ابن جرير وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن عسعس دنا من أوله وأظلم وقال الفراء كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتا: عسعس حتى لو يشا أدنى كان له من ضوئه مقبس يريد لو يشاء إذ دنا أدغم الذال في الدال قال الفراء وكانوا يزعمون أن هذا البيت مصنوع.

تفسير القرطبي
محمد بن أحمد القرطبي

والليل إذا عسعس قال الفراء : أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر ; حكاه الجوهري . وقال بعض أصحابنا : إنه دنا من أوله وأظلم وكذلك السحاب إذا دنا من الأرض . المهدوي : والليل إذا عسعس أدبر بظلامه ; عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما . وروي عنهما أيضا وعن الحسن وغيره : أقبل بظلامه . زيد بن أسلم : عسعس ذهب . الفراء : العرب تقول عسعس وسعسع إذا لم يبق منه إلا اليسير . الخليل وغيره : عسعس الليل إذا أقبل أو أدبر . المبرد : هو من الأضداد ، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد ، وهو ابتداء الظلام في أوله ، وإدباره في آخره ; وقال علقمة بن قرط :حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعساوقال رؤبة :يا هند ما أسرع ما تسعسعا من بعد ما كان فتى سرعرعاوهذه حجة الفراء . وقال امرؤ القيس :[ ص: 205 ] عسعس حتى لو يشاء ادنا كان لنا من ناره مقبسفهذا يدل على الدنو . وقال الحسن ومجاهد : عسعس : أظلم ، قال الشاعر :حتى إذا ما ليلهن عسعسا ركبن من حد الظلام حندساالماوردي : وأصل العس الامتلاء ; ومنه قيل للقدح الكبير عس لامتلائه بما فيه ، فأطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه ; وأطلق على إدباره لانتهاء امتلائه على ظلامه ; لاستكمال امتلائه به . وأما قول امرئ القيس :ألما على الربع القديم بعسعسا [ كأني أنادي أو أكلم أخرسا ]فموضع بالبادية . وعسعس أيضا اسم رجل ; قال الراجز :وعسعس نعم الفتى تبياهأي تعتمده . ويقال للذئب العسعس والعسعاس والعساس ; لأنه يعس بالليل ويطلب . ويقال للقنافذ العساعس لكثرة ترددها بالليل . قال أبو عمرو : والتعسعس الشم ، وأنشد :كمنخر الذنب إذا تعسعساوالتعسعس أيضا : طلب الصيد بالليل .

تفسير الطبري
محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17)أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالليل إذا عسعس، يقول: وأقسم بالليل إذا عسعس.واختلف أهل التأويل في قوله: ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) فقال بعضهم: عُنِيَ بقوله: ( إِذَا عَسْعَسَ ) إذا أدبر.* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) يقول: إذا أدبر .حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) يعني: إذا أدبر.حدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن رجل عن أبي ظَبيان، قال: كنت أتبع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو خارج نحو المشرق، فاستقبل الفجر، فقرأ هذه الآية: ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ).حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرج عليّ عليه السلام مما يلي باب السوق، وقد طلع الصبح أو الفجر، فقرأ: ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ) أين السائل عن الوتر، نعم ساعة الوتر هذه .ثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) قال: إقباله، ويقال: إدباره .حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) : إذا أدبر .حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( إِذَا عَسْعَسَ ) قال: إذا أدبر .حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( إِذَا عَسْعَسَ ) إذا أدبر .حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مسعر، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرج عليّ عليه السلام بعد ما أذّن المؤذّن بالصبح، فقال: ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ) أين السائل عن الوتر؟ قال: نعم ساعة الوتر هذه .حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) قال: عسعس تولى، وقال: تنفس الصبح من هاهنا، وأشار إلى المشرق طلاع الفجر .وقال آخرون: عُني بقوله: ( إِذَا عَسْعَسَ ) إذا أقبل بظلامه.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) قال: إذا غَشِيَ الناسَ .حدثنا الحسين بن عليّ الصدائي، قال: ثني أبي، عن الفضيل، عن عطية ( وَاللّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) قال: أشار بيده إلى المغرب .وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: إذا أدبر، وذلك لقوله: ( وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ) فدلّ بذلك على أن القسم بالليل مدبرًا، وبالنهار مقبلا والعرب تقول: عسعس الليل، وسَعْسَع الليل: إذا أدبر، ولم يبق منه إلا اليسير؛ ومن ذلك قول رُؤْبة بن العجاج:يـا هِنْـدُ مـا أسْـرَعَ مـا تَسَعْسَـعاوَلَــوْ رَجــا تَبْــعَ الصِّبـا تَتَبَّعـا (9)فهذه لغة من قال: سعسع؛ وأما لغة من قال: عسعس، فقول علقمة بن قُرْط:حــتى إذَا الصُّبْــحُ لَهَــا تَنَفَّسـاوانْجــابَ عَنْهــا لَيْلُهـا وَعَسْعَسـا (10)يعني أدبر. وقد كان بعض أهل المعرفة بكلام العرب، يزعم أن عسعس: دنا من أوّله وأظلم. وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتا:عَسْــعَسَ حــتى لَـوْ يشـاءُ إدَّنـاكــانَ لَــه مِــنْ ضَوْئِــهِ مَقْبَسُ (11)يقول: لو يشاء إذ دنا، ولكنه أدغم الذال في الدال، قال الفراء: فكانوا يرون أن هذا البيت مصنوع.----------------الهوامش :(9) ‌البيتان لرؤبة ديوانه 88 ، واللسان : سعع ( قال : وسعسع الشيخ وغيره وتسعسع : قارب الخطو ، واضطرب من الكبر أو الهرم ) . قال رؤبة يذكر امرأة تخاطب صاحبة لها : " قالت ولم تأل به أن يسمعا " يا هند ... " البيتين . أخبرت صاحبتها عنه أنه قد أدبر وفنى إلا أقله . والسعسعة : الفناء ونحوه . ومنه : تسعسع الشهر : إذا ذهب . ا هـ .(10) البيتان لعلقمة بن قرط . قال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( 185 ) : { والليل إذا عسعسع } قال بعضهم : إذا أفلت ( كذا ) بهاؤه . وقال بعضهم : إذا ولى ، ألا تراه قال : { والصبح إذا تنفس } . وقال علقمة بن قرط : " حتى إذا الصبح ... " البيتين . ا هـ .(11) البيت مما أنشده أبو البلاد النحوي ، وأخذه عنه الفراء في معاني القرآن ( 360 ) قال : وقوله : { والليل إذا عسعس } اجتمع المفسرون على أن معنى عسعس : أدبر . وكان بعض أصحابنا يزعم أن عسعس دنا من أوله وأظلم ، وكان أبو البلاد النحوي ينشد فيه : " عسعس حتى ... " البيت ، يريد : إذ دنا ، ثم يلقي همزة ، ويدغم الذال في الدال . وكانوا يرون أن هذا البيت مصنوع . ا هـ . قلت : وإذا لم تصح رواية البيت ثبت أن عسعس بمعنى : أدبر ، فيكون معناه كمعنى سعسع . وعلى هذا قال المؤلف : إن العرب تقول : عسعس الليل ، وسعسع الليل : إذا أدبر ، ولم يبق منه إلا اليسير . قلت : وهو الصواب . ا هـ .

→ الآية السابقة الآية التالية ←