سورة التكوير · الآية 9

بِأَىِّ ذَنۢبٍۢ قُتِلَتْ9

الجزء 30 الصفحة 586
تفسير السعدي
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فتسأل: { بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ } ومن المعلوم أنها ليس لها ذنب، ففي هذا توبيخ وتقريع لقاتليها .

التفسير الميسر
نخبة من العلماء

إذا الشمس لُفَّت وذهب ضَوْءُها، وإذا النجوم تناثرت، فذهب نورها، وإذا الجبال سيِّرت عن وجه الأرض فصارت هباءً منبثًا، وإذا النوق الحوامل تُركت وأهملت، وإذا الحيوانات الوحشية جُمعت واختلطت؛ ليقتصَّ الله من بعضها لبعض، وإذا البحار أوقدت، فصارت على عِظَمها نارًا تتوقد، وإذا النفوس قُرنت بأمثالها ونظائرها، وإذا الطفلة المدفونة حية سُئلت يوم القيامة سؤالَ تطييب لها وتبكيت لوائدها: بأيِّ ذنب كان دفنها؟ وإذا صحف الأعمال عُرضت، وإذا السماء قُلعت وأزيلت من مكانها، وإذا النار أوقدت فأضرِمت، وإذا الجنة دار النعيم قُرِّبت من أهلها المتقين، إذا وقع ذلك، تيقنتْ ووجدتْ كلُّ نفس ما قدَّمت من خير أو شر.

تفسير ابن كثير
إسماعيل بن عمر بن كثير

فيوم القيامة تسئل الموءودة على أي ذنب قتلت ليكون ذلك تهديدا لقاتلها فإنه إذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذا ؟.

تفسير القرطبي
محمد بن أحمد القرطبي

وقوله تعالى : سئلت سؤال الموؤودة سؤال توبيخ لقاتلها ، كما يقال للطفل إذا ضرب : لم ضربت ؟ وما ذنبك ؟ قال الحسن : أراد الله أن يوبخ قاتلها ; لأنها قتلت بغير ذنب . وقال ابن أسلم : بأي ذنب ضربت ، وكانوا يضربونها . وذكر بعض أهل العلم في قوله تعالى : سئلت قال : طلبت ; كأنه يريد كما يطلب بدم القتيل . قال : وهو كقوله : وكان عهد الله مسئولا أي مطلوبا . فكأنها طلبت منهم ، فقيل أين أولادكم ؟ وقرأ الضحاك وأبو الضحى عن جابر بن زيد وأبي صالح ( وإذا الموؤدة سئلت ) فتتعلق الجارية بأبيها ، فتقول : بأي ذنب قتلتني ؟ ! فلا يكون له عذر ; قاله ابن عباس وكان يقرأ ( وإذا الموؤدة سألت ) وكذلك هو في مصحف أبي .وروى عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقا ولدها بثدييها ، ملطخا بدمائه ، فيقول يا رب ، هذه أمي ، وهذه قتلتني " . والقول الأول عليه الجمهور ، وهو مثل قوله تعالى لعيسى : أأنت قلت للناس ، على جهة التوبيخ والتبكيت لهم ، فكذلك [ ص: 201 ] سؤال الموؤودة توبيخ لوائدها ، وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها ; لأن هذا مما لا يصح إلا بذنب ، فبأي ذنب كان ذلك ، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها ، كان أعظم في البلية وظهور الحجة على قاتلها . والله أعلم . وقرئ ( قتلت ) بالتشديد ، وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يعذبون ، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب .

تفسير الطبري
محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك فقرأه أبو الضحى مسلم بن صبيح ( وَإذَا المَوْءُودَةُ سألَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ ) بمعنى: سألت الموءودة الوائدين: بأي ذنب قتلوها.* ذكر الرواية بذلك:حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، في قوله: ( وَإذَا المَوْءُودَةُ سألَتْ ) قال: طلبت بدمائها .حدثنا سوّار بن عبد الله العنبري، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، قال: قال أبو الضحى ( وَإذَا المَوْءُودَةُ سألَتْ ) قال: سألت قَتَلَتها .ولو قرأ قارئ ممن قرأ ( سألَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ ) كان له وجه، وكان يكون معنى ذلك من قرأ ( بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) غير أنه إذا كان حكاية جاز فيه الوجهان، كما يقال: قال عبد الله: بأيّ ذنْبٍ ضُرب؛ كما قال عنترة:الشَّــاتِمَيْ عِـرْضِي ولـم أشْـتُمْهُماوالنَّـــاذِرَيْنِ إذَا لَقِيتُهُمــا دَمــي (3)وذلك أنهما كانا يقولان: إذا لقينا عنترة لنقتلنَّه، فحكى عنترة قولهما في شعره؛ وكذلك قول الآخر:رَجُــلانِ مِــنْ ضَبَّــةَ أخْبَرَانـاأنَّـــا رأيْنــا رَجُــلا عُرْيانــا (4)بمعنى: أخبرانا أنهما، ولكنه جرى الكلام على مذهب الحكاية. وقرأ ذلك بعض عامة قرّاء الأمصار: ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) بمعنى: سُئلت الموءودة بأيّ ذنب قُتلت، ومعنى قُتلت: قتلت غير أن ذلك ردّ إلى الخبر على وجه الحكاية على نحو القول الماضي قبل، وقد يتوجه معنى ذلك إلى أن يكون: وإذا الموءودة سألت قتلتها ووائديها، بأيّ ذنب قتلوها؟ ثم ردّ ذلك إلى ما لم يسمّ فاعله، فقيل: بأيّ ذنب قتلت.وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ ذلك ( سُئِلَتْ ) بضم السين ( بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) على وجه الخبر، لإجماع الحجة من القراء عليه. والموءودة: المدفونة حية، وكذلك كانت العرب تفعل ببناتها؛ ومنه قول الفرزدق بن غالب:وِمَّنـا الـذي أحْيـا الوَئِيـدَ وَغـائِبوعَمْــروٌ, ومنَّــا حـامِلونَ ودَافـعُ (5)يقال: وأده فهو يئده وأدا، ووأدة.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ) هي في بعض القراءات: ( سأَلَتْ * بِأيّ ذَنْب قُتلَتْ ) لا بذنب، كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاب الله ذلك عليهم .حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية، قال: " فأعْتِقْ عَنْ كُلّ وَاحِدَةٍ بَدَنَةً" .حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خثيم ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) قال: كانت العرب من أفعل الناس لذلك .حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن ربيع بن خيثم بمثله.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ) قال: البنات التي كانت طوائف العرب يقتلونهنّ، وقرأ: ( بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) .--------------------الهوامش :(3) البيت لعنترة ، وهذه الرواية مختلفة عن روايته التي رواها المؤلف في الجزء ( 29 : 208 ) وهي : " والناذرين إذا لم ألقهما دمى " . بنفي الفعل ، وهي كذلك في ( شرحي الزوزني والتبريزي للمعلقات ، ومختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي 380 ) . أما رواية بيت الشاهد في هذا الموضع فمصدرها الفراء في معاني القرآن ( الورقة 359 ) فهكذا أنشد البيت الفراء في تفسير قوله تعالى : { وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت } وقد نقلنا كلامه في توجيهها تحت الشاهد الآتي : " رجلان من ضبة ... " البيتين . ومعنى الروايتين في الحقيقة يؤول إلى شيء واحد وإن اختلف اللفظ بين الإثبات والنفي .(4) البيتان من شواهد الفراء في معاني القرآن ( 359 ) قال بإسناده عن ابن عباس : إنه قرأ : { وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت } وقال : هي التي تسأل ( بفتح التاء ) ولا تسأل ( التاء مضمومة ) . وقد يجوز أن تقرأ : أي ذنب قتلت ؟ ( التاء الأخيرة تاء الفاعل مفتوحة ، والفعل مبني للفاعل ( كما نقول في الكلام ) عبد الله بأي ذنب ضرب، وبأي ذنب ضربت ؟ وقد مر له نظائر من الحكاية ، من ذلك قول عنترة :الشَّــاتِمَيْ عِـرْضِي ولـم أشْـتُمْهُماوالنَّـــاذِرَيْنِ إذَا لَقِيتُهمــا دَمــيوالمعنى : أنهما كانا يقولان : إذا لقينا عنترة لنقتله ، فجرى الكلام في شعره على هذا المعنى ، واللفظ مختلف . وكذلك قوله : " رجلان من ضبة ... " البيتان . والمعنى : أخبرنا أنهما ... إلخ ولكنه جرى على مذهب القول ، كما تقول : قال عبد الله : إنه ذاهب ، وإني ذاهب ، والذهاب له في الوجهين جميعا . ومن قرأ : { وإذا الموءودة سئلت } ففيه وجهان : سئلت هي ، فقيل لها : بأي ذنب قتلت ؟ ثم يجوز قتلت ، كما جاز في المسألة الأولى . ويكون " سئلت " سئل عنها وائدوها ، كأنك قلت : طلبت منهم ، فقيل : أين أولادكم ؟ وكيف قتلتموهم . وكل الوجوه حسن بين ، إلا أن الأكثر " سئلت " فهو أحبها إلي . ا هـ .(5) البيت للفرزدق ( ديوانه طبعة الصاوي 517 ) ولكنه ملفق من البيتين الخامس والسابع في القصيدة ، وهما :5 - ومِنَّـا الـذي أحْيـا الوَئِيدَ وغالِبٌوَعمُــروٌ وَمِنَّـا حـاجِبٌ والأقـارِعُ7 - نَمَـوْنِي فأشْـرَفْتُ الْعَـلايَةَ فَوْقَكُمْبُحُــورٌ ومِنَّــا حــامِلُون وَدَافِـعُوالبيت أورده المؤلف بهذه الصورة شاهدا عند قوله تعالى : { وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت } وأنشد أبو عبيدة عند الآية شاهدا آخر للفرزدق أيضا ، وهو :وَمِنـــا الَّــذِي منــع الْوَائِــدَاتِوأحْيــا الْوَئِيــدَ فَلَــمْ يُــوءَدِقال : وهو صعصعة بن ناجية جده .

→ الآية السابقة الآية التالية ←