سورة التوبة · الآية 16

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ16

الجزء 10 الصفحة 189
تفسير السعدي
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد ما أمرهم بالجهاد‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا‏}‏ من دون ابتلاء وامتحان، وأمر بما يبين به الصادق والكاذب‏.‏ ‏{‏وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ علما يظهر مما في القوة إلى الخارج، ليترتب عليه الثواب والعقاب، فيعلم الذين يجاهدون في سبيله‏:‏ لإعلاء كلمته ‏{‏وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً‏}‏ أي‏:‏ وليا من الكافرين، بل يتخذون اللّه ورسوله والمؤمنين أولياء‏.‏ فشرع اللّه الجهاد ليحصل به هذا المقصود الأعظم، وهو أن يتميز الصادقون الذين لا يتحيزون إلا لدين اللّه، من الكاذبين الذين يزعمون الإيمان وهم يتخذون الولائج والأولياء من دون اللّه ولا رسوله ولا المؤمنين‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ يعلم ما يصير منكم ويصدر، فيبتليكم بما يظهر به حقيقة ما أنتم عليه، ويجازيكم على أعمالكم خيرها وشرها‏.‏

التفسير الميسر
نخبة من العلماء

مِن سنة الله الابتلاء، فلا تظنوا يا معشر المؤمنين أن يترككم الله دون اختبار؛ ليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق الذين أخلصوا في جهادهم، ولم يتخذوا غير الله ورسوله والمؤمنين بطانة وأولياء. والله خبير بجميع أعمالكم ومجازيكم بها.

تفسير ابن كثير
إسماعيل بن عمر بن كثير

يقول تعالى: " أم حسبتم " أيها المؤمنين أن نترككم مهملين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب ولهذا قال " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة " أي بطانة ودخيلة بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر كما قال الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " وقال تعالى " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة؟ الآية وقال تعالى " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه " الآية والحاصل أنه تعالى لما شرع لعباده الجهاد بين أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه وهو تعالى العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا راد لما قدره وأمضاه.

تفسير القرطبي
محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملونقوله تعالى أم حسبتم خروج من شيء إلى شيء . أن تتركوا في موضع المفعولين على قول سيبويه . وعند المبرد أنه قد حذف الثاني . ومعنى الكلام : أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب . وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع .ولما يعلم جزم بلما وإن كانت ما زائدة ، فإنها تكون عند سيبويه جوابا لقولك : قد فعل كما تقدم . وكسرت الميم لالتقاء الساكنين . وليجة بطانة ومداخلة من الولوج وهو الدخول ومنه سمي الكناس الذي تلج فيه الوحوش تولجا . ولج يلج ولوجا إذا دخل والمعنى : دخيلة مودة من دون الله ورسوله وقال أبو عبيدة : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة ، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة ، وقال ابن زيد : الوليجة الدخيلة والولجاء الدخلاء ، فوليجة الرجل من يختص بدخلة أمره دون [ ص: 26 ] الناس . تقول : هو وليجتي وهم وليجتي الواحد والجمع فيه سواء قال أبان بن تغلب رحمه الله :فبئس الوليجة للهاربين والمعتدين وأهل الريب وقيل : وليجة بطانة ، والمعنى واحد ، نظيره لا تتخذوا بطانة من دونكم . وقال الفراء : وليجة بطانة من المشركين يتخذونهم ويفشون إليهم أسرارهم ويعلمونهم أمورهم .

تفسير الطبري
محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين الذين أمرهم بقتال هؤلاء المشركين, الذين نقضوا عهدهم الذي بينهم وبينه بقوله: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ، الآية, حاضًّا على جهادهم: (أم حسبتم)، أيها المؤمنون (9) = أن يترككم الله بغير محنة يمتحنكم بها، وبغير اختبار يختبركم به, فيعرف الصادقَ منكم في دينه من الكاذب فيه =(ولما يعلم الله الذين جاهدوا)، يقول: أحسبتم أن تتركوا بغير اختبار يعرف به أهل ولايته المجاهدين منكم في سبيله, من المضيِّعين أمرَ الله في ذلك المفرِّطين (10) =(ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله)، يقول: ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم, والذين لم يتخذوا من دون الله ولا من دون رسوله ولا من دون المؤمنين =(وليجة).* * *= هو الشيء يدخل في آخر غيره, يقالُ منه: " ولج فلان في كذا يلجِه، فهو وليجة ". (11)* * *وإنما عنى بها في هذا الموضع: البطانة من المشركين. نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من عدوهم من المشركين أولياء، يفشون إليهم أسرارهم =(والله خبير بما تعملون)، يقول: والله ذو خبرة بما تعملون، (12) من اتخاذكم من دون الله ودون رسوله والمؤمنين به أولياءَ وبطانةً، بعد ما قد نهاكم عنه, لا يخفى ذلك عليه، ولا غيره من أعمالكم, والله مجازيكم على ذلك، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.* * *وبنحو الذي قلت في معنى " الوليجة "، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:16548- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا المؤمنين وليجة)، يتولّجها من الولاية للمشركين.16549- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن أبي جعفر, عن الربيع: (وليجة)، قال: دَخَلا.16550- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: (أم حسبتم أن تتركوا)، إلى قوله: (وليجة)، قال: أبي أن يدعهم دون التمحيص. وقرأ: ( " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ "، وقرأ: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ )، [سورة آل عمران : 142] ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، الآيات كلها, (13) [سورة البقرة 214] أخبرهم أن لا يتركهم حتى يمحِّصهم ويختبرهم. وقرأ: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، لا يختبرون وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ، [سورة العنكبوت: 1 - 3]، أبى الله إلا أن يمَحِّص.16551- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (وليجة)، قال: هو الكفر والنفاق = أو قال أحدَهما.* * *وقيل: (أم حسبتم)، ولم يقل: " أحسبتم ", لأنه من الاستفهام المعترض في وسط الكلام, فأدخلت فيه " أم " ليفرَّق بينه وبين الاستفهام المبتدأ. وقد بينت نظائر ذلك في غير موضع من الكتاب. (14)-----------------الهوامش :(9) انظر تفسير " حسب " فيما سلف 12 : 388 ، تعليق 3 : والمراجع هناك .(10) انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف ص : 77 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .(11) في المخطوطة : " ولج في فلان كذا " ، والذي في المطبوعة أجود .(12) انظر تفسير " خبير " فيما سلف من فهارس اللغة ( خبر ) .(13) صدر هذه الآية ، لم يكن في المخطوطة ولا المطبوعة ، كان بدؤها " ولم يأتكم . . . " .(14) انظر ما سلف في تفسير " أم " 2 : 492 - 494 / 3 : 97 / 4 : 287 ، 288 ، ثم انظر معاني القرآن للفراء 1 : 426 .

→ الآية السابقة الآية التالية ←