ما أنا إلا بشر أصيب وأخطئ
تواضع الإمام في الفتيا
📍 المدينة المنورة
كان الإمام مالك مرجع المسلمين في عصره، ومع ذلك كان يقول: «إنما أنا بشر، أُصيب وأُخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة»، ضارباً المثل في التواضع العلمي ورفض التقليد الأعمى.
ارتفع الإمام مالك بن أنس في زمنه إلى مقام إمام المدينة، لا يفتي أحد بحضرته، ومضرب المثل في الفقه والحديث. كان الناس يأتونه من كل بلاد المسلمين، يطلبون الفتيا والعلم، حتى قال الإمام الشافعي: «إذا ذُكر العلماء فمالك النجم». وكان مالك مع هذه المنزلة، يجمع بين العلم والتواضع. فكان يقول: «إنما أنا بشر، أُصيب وأُخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وما خالف الكتاب والسنة فاتركوه». وكان يقول: «ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا ويُؤخذ من قوله ويُترك، إلا النبي ﷺ». فقدّم بهذه الكلمات قاعدة جليلة، تمنع الناس من تقديسه أو تقديس أيّ عالم آخر فوق الوحي. وكان مالك إذا سُئل عن مسألة لا يعرفها، قال: «لا أدري»، حتى قال ابن وهب: «لو كتبتُ «لا أدري» من مالك لملأتُ الألواح». وكان يفتي في النصف من المسائل، ويعتذر عن النصف الآخر. وحُكي عنه أنه جاءه ذات يوم رجل من أهل العراق فسأله عن أربعين مسألة، فأجابه في خمس، وقال في خمس وثلاثين: «لا أدري». فقال الرجل: ماذا أُخبر قومي يا أبا عبد الله؟ قال: «قل: سألتُ مالكاً، فقال: لا أدري». ثم إذا أفتى، كان يتحرّى الحقّ بكل ما أوتي من علم، خاشعاً مرتجفاً. وكان يقول: «إنما هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم». فجمع مالك بين قوة العلم وتواضع العالم، وكان مثالاً يُحتذى لكل من جلس في كرسي الفتيا، أن يعرف قدر علمه، ولا يفتي بغير علم، وأن يأمن الناس من أن تكون فتواه ميزاناً مطلقاً، بل ترجع كلها إلى ميزان الكتاب والسنة.
- — ترتيب المدارك للقاضي عياض ج1-2، أخبار الإمام مالك
- — سير أعلام النبلاء للذهبي ج8، ترجمة مالك بن أنس
- — إعلام الموقّعين لابن القيم ج2، أخبار مالك في الفتيا