تعظيمه للحديث في المدينة
لا أحدّث بحديث رسول الله ﷺ إلا على وضوء
📍 المدينة المنورة
كان الإمام مالك لا يُحدّث بحديث رسول الله ﷺ إلا متطيّباً متطهّراً، يلبس أحسن ثيابه، ويجلس في مجلسه بهيبة، تعظيماً لكلام النبي ﷺ، فإذا روى الحديث ارتجف وبكى، حتى كان مجلسه أهيب من مجالس الأمراء.
كان الإمام مالك بن أنس يقدّس حديث رسول الله ﷺ تقديساً عظيماً، يجعله في أعلى منزلة، فلا يحدّث بحديث إلا بطهارة كاملة من حدث، وعلى أعلى ما يكون من الهيبة والوقار. كان إذا أراد أن يحدّث، اغتسل وتطيّب ولبس أحسن ثيابه، وتعمّم بعمامته، ثم جلس على فراش مرتفع في صدر مجلسه، فيقول الحديث بسكينة عظيمة، حتى لا تُسمع همسة في المجلس. قال أحد طلابه: «كنت إذا أتيت مالكاً، أخرج خادم يقول: يقول لكم الشيخ: تريدون حديثاً أم مسائل؟ فإن قلنا مسائل، خرج فأفتانا، وإن قلنا حديثاً، قال: تطيّبوا وادخلوا. ثم يخرج هو متطيّباً، وقد لبس ثيابه الفاخرة، فيجلس في صدر المجلس، ولا يبدأ الحديث إلا بعد أن تستوي القلوب». وكان إذا روى حديثاً ذُكر فيه النبي ﷺ، اصفرّ لونه وانحنى ظهره، حتى يشقّ على جلسائه. وسأله الخليفة أبو جعفر المنصور أن يأتيه فيُحدّثه، فأبى مالك أن يحضر، وقال: «العلم يُؤتى، ولا يأتي». فعلم المنصور كرامة العلم على يديه، فأتى إليه بنفسه. وكان مالك يقول: «لا أُحدّث بحديث رسول الله ﷺ بمكة، فإن النبي ﷺ نهى عن العالم أن يحدّث بحديثه في مكة، حتى لا يتشاغل الناس عن البيت الحرام». وكان أحد العلماء قال: «إن مالكاً تعرّض لضرب من الجلاد في زمن أبي جعفر، فلم يردّ على من ضربه ولا غضب، فلما سُئل عن ذلك قال: «كنت أنفك عن الكلام لأن الكلام ينتقص من هيبة الحديث في مجلسي»». فجمع مالك بين تعظيم الحديث في الظاهر والباطن، فصار مجلسه أهيب من مجلس ملك، يدخله الناس بأدب أعظم من أدبهم في قصور الخلفاء.
- — ترتيب المدارك للقاضي عياض ج1-2، أدب مالك في الحديث
- — سير أعلام النبلاء للذهبي ج8، آداب مالك في التحديث
- — حلية الأولياء لأبي نعيم ج6، ترجمة الإمام مالك