قصص السلف

زهده في الخلافة

من ترف الإمارة إلى ثوب مرقّع

عمر بن عبد العزيز تابعي ما بعد الخلافة

📍 دمشق

حين تولّى عمر بن عبد العزيز الخلافة، خلع عن نفسه كل مظاهر الترف، وردّ المظالم إلى أهلها، فعاش زاهداً متقشّفاً، حتى توفّي ولا يجد كفناً لائقاً، فكان حقّاً خامس الراشدين.

نشأ عمر بن عبد العزيز في الترف، فقد كان أبوه عبد العزيز بن مروان والياً على مصر، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فجمع شرف الأم وشرف الأب. ولما تولّى الخلافة سنة 99هـ بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك، تغيّرت حياته كلها في يومها الذي بُويع فيه. أول ما فعل أنه ردّ جميع المظالم التي وقعت من بني أمية قبله، وأرجع الأموال المغتصبة إلى أهلها. ثم خلع عن نفسه ملابس الخلافة الفاخرة ولبس ثوباً عادياً، وباع دواب الخلافة الفارهة وردّ ثمنها إلى بيت المال. ودخل عليه أحد عمّاله ليلاً، فأطفأ شمعة الدولة وأشعل شمعته الخاصة، وقال: «الشمعة الأولى لبيت المال، وما جئت تكلّمني فيه يخصّ بيتي». وكانت زوجته فاطمة بنت عبد الملك تملك جواهر ثمينة جداً ورثتها من أبيها. فلما تولّى الخلافة، قال لها: «اختاري بيني وبين هذه الجواهر، فإني أكره أن تكوني معي في بيت فيه ما لا يحلّ من بيت المال». فاختارته فدفعت بها إلى بيت المال. وعاش حياة شظف لم يعهدها بنو أمية، حتى مرض من سوء الطعام والثياب، فقالت له زوجته: «يا أمير المؤمنين، لقد عرفناك قبل الخلافة في أحسن حال، فما لك الآن؟» فأجابها: «إني فُتنت بأمر هذه الأمة، فأردت أن أصلح ما أفسده غيري قبل أن آكل وأشرب». مات عمر سنة 101هـ بعد سنتين ونصف من الخلافة، فأحدث في تلك المدة القصيرة من الإصلاح ما عجزت عنه دول طويلة. وعندما جمعت تركته بعد موته، لم تكفِ ثمن كفنه إلا بعد أن استدانوا. فاستحقّ بحقّ لقب «خامس الراشدين»، إذ مات وقد عمّ العدل، حتى رُوي أن الصدقات بقيت بلا فقراء يأخذونها لكثرة من اغتنى من الناس في عهده.

الدروس المستفادة
الإصلاح من النفس قبل الناس
بدأ عمر بإصلاح نفسه قبل إصلاح الأمة، فمن أراد الإصلاح فليبدأ بنفسه، فإن من لم يستطع إصلاح نفسه لن يستطيع إصلاح غيره.
السلطة أمانة لا متاع
تعامل عمر مع الخلافة كأمانة ثقيلة، فالمنصب الكبير عبء لا غنيمة، يثقل المخلص ويُفرح المنتفع، والعاقل من رأى فيه التكليف لا التشريف.
العدل ينشر الغنى
في عهد عمر القصير عمّ الرخاء حتى قلّ الفقراء، فالعدل أعظم محرّك للاقتصاد، وحين تستقيم الإدارة تستقيم حياة الناس.
آيات ذات صلة
سورة 5 : 8 ↗
المصادر
  • — البداية والنهاية لابن كثير ج9، ترجمة عمر بن عبد العزيز
  • — سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم كامل الكتاب
  • — سير أعلام النبلاء للذهبي ج5، ترجمة عمر بن عبد العزيز