العقيدة

أركان الإيمان الستة

الأصول التي يقوم عليها الإيمان

أركان الإيمان الستة هي الأصول التي قام عليها الدين، وعلى تصديقها يدور إيمان العبد. جاءت في حديث جبريل عليه السلام المشهور، إذ أتى النبي ﷺ في صورة رجل ليُعلّم الناس دينهم، فلما سأله عن الإيمان قال ﷺ: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». هذه الستة لا يكتمل إيمان العبد إلا بها مجتمعة، فمن أنكر واحداً منها لم يكن مؤمناً. وفي هذه الوحدة بيان لكل ركن منها على وجه التأصيل، يصلح مدخلاً لفهم بقية مباحث العقيدة المفصّلة.

1
حديث جبريل وأركان الإيمان الستة
الأصل الجامع لأركان الإيمان

حديث جبريل عليه السلام أصل عظيم في الدين، فيه بيان مراتب الدين الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، وبيان أركان الإيمان الستة التي يدور عليها صحة إيمان العبد.

روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً». قال: صدقت. فعجبنا له، يسأله ويُصدّقه! قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ثم ذكر السائل علامات الساعة، ثم انصرف. فلبث النبي ﷺ ملياً ثم قال: «يا عمر، أتدري من السائل؟»، قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل، أتاكم يُعلّمكم دينكم». فهذا الحديث جمع أصول الدين كله في حديث واحد، فبيّن مراتبه الثلاث، وأظهر أن الإيمان مقامه قبل الإحسان وبعد الإسلام. وفصّل أركان الإيمان الستة التي إذا تخلّف منها واحد لم يكن العبد مؤمناً. والأصل في وجوب الإيمان بهذه الأركان قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾، فذكر منها أربعة، وقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾، فأضاف اليوم الآخر، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، فأثبت ركن القدر. والإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية: قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح. وليس الإيمان مجرد التصديق بالقلب كما تقوله طوائف من المبتدعة، بل يجب أن يقترن التصديق بالعمل، وإلا فالنفاق العملي قد يأتي على إيمان العبد فينتزعه. ومدار صحة الإيمان على أصلين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله ﷺ.
أقوال أهل العلم
حديث جبريل من أعظم أحاديث الدين، وقد ألّف العلماء فيه شروحاً مفردة، منها: «جامع العلوم والحكم» لابن رجب، وشرحه ضمن الأربعين النووية. قال ابن رجب: «هذا الحديث قد اشتمل على شرح الدين كله، ولهذا قال النبي ﷺ في آخره: هذا جبريل أتاكم يُعلّمكم دينكم، فجعل ذلك كله من الدين». وقد ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن أركان الإيمان وإن كانت ستة في الحديث، إلا أن أصلها يرجع إلى ثلاثة: الإيمان بالله (ويدخل فيه الإيمان بالملائكة والكتب والرسل لأن الإيمان بهم ركن تابع للإيمان به سبحانه)، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر.
الأدلة
«حديث جبريل عليه السلام في تعليم الناس دينهم»
أصل في تعداد أركان الإيمان
«﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾»
نص قرآني في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله
«﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾»
إضافة الإيمان باليوم الآخر
«﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾»
أصل في إثبات القدر
2
الإيمان بالله
أعظم أركان الإيمان وأساس الدين كله

الإيمان بالله هو الركن الأعظم من أركان الإيمان، وعليه تنبني سائر الأركان. ويتضمن تصديق وجوده، وإفراده بالربوبية، وإفراده بالألوهية، وإثبات ما له من الأسماء والصفات على ما يليق بجلاله سبحانه.

الإيمان بالله ركن قسّمه العلماء إلى أربعة أمور لا بد منها مجتمعة: أولاً: الإيمان بوجوده سبحانه. ووجود الله ثابت بالفطرة والعقل والشرع والحس. أما الفطرة فقد فطر الله الخلق على الإيمان به، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. وأما العقل فإن هذه المخلوقات لا بد لها من خالق، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. وأما الشرع فإن جميع الكتب السماوية جاءت بإثباته. وأما الحس فبإجابة الدعاء وحدوث الكرامات. ثانياً: الإيمان بربوبيته. وهو إفراد الله بالخلق والملك والتدبير، بأن يعتقد أن الله وحده هو الخالق المالك المدبر لكل شيء. قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وكان مشركو قريش يقرون بهذا التوحيد، فقد قال الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ومع ذلك لم يكونوا مؤمنين، لأنهم لم يحققوا التوحيد الثاني. ثالثاً: الإيمان بألوهيته. وهو إفراد الله بالعبادة، فلا يُعبد إلا هو، ولا يُدعى إلا هو، ولا يُذبح إلا له، ولا يُنذر إلا له، ولا يُتوكل إلا عليه. وهو معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله. وهذا هو التوحيد الذي بُعث به جميع الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. ومن خالف في هذا التوحيد فقد أشرك بالله، والشرك أعظم الذنوب. رابعاً: الإيمان بأسمائه وصفاته. وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فجمعت الآية بين التنزيه (ليس كمثله شيء) وإثبات الصفات (السميع البصير). فمن وقع في التشبيه فقد عبد صنماً، ومن نفى الصفات فقد عبد عدماً، والحق ما عليه أهل السنة من إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل.
أقوال أهل العلم
تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام (الربوبية والألوهية والأسماء والصفات) تقسيم اصطلاحي قام به ابن تيمية وغيره من العلماء، استقراءً من نصوص الكتاب والسنة. والأصل عند السلف أن التوحيد كله نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات (وفيه الربوبية والأسماء والصفات)، وتوحيد في الطلب والقصد (وهو الألوهية). والمقصود من كل ذلك إفراد الله بالخالقية والمألوهية والصفات الكاملة. وقد بنى ابن تيمية معظم كتبه على بيان أن الانحراف في باب الإيمان بالله يأتي عادة من جهتين: من جهة تعطيل الصفات (كما عند الجهمية والمعتزلة)، أو من جهة تشبيهها بصفات المخلوقات (كما عند المشبهة). ومنهج أهل السنة هو الطريق الوسط بين الطرفين.
الأدلة
«﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾»
سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، جامعة لأصول التوحيد
«﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾»
أصل في الجمع بين التنزيه وإثبات الصفات
«إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله»
تأكيد على أن الدعوة تبدأ بالتوحيد
3
الإيمان بالملائكة
خلق نوراني لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون

الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، فلا يصح إيمان عبد حتى يصدق بوجودهم وأنهم خلق من خلق الله، خلقهم من نور، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

الملائكة عالم غيبي عظيم، أوجب الله الإيمان بهم على عباده، فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾. ومن أنكر الملائكة فقد كفر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. ويتضمن الإيمان بالملائكة أربعة أمور: أولاً: الإيمان بوجودهم. وأنهم خلق حقيقي من خلق الله، ليسوا مجازاً ولا قوى مجردة كما يقول بعض المعطلة في زماننا. ثانياً: الإيمان بما علمنا من أسمائهم. كجبريل عليه السلام أمين الوحي، وميكائيل الموكل بالقطر والنبات، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح (ولم يُسمَّ في القرآن ولا في السنة الصحيحة بـ«عزرائيل»، إنما هذا اسم لا أصل له)، ومالك خازن النار، ورضوان (وقد جاء ذكره في بعض الأحاديث) خازن الجنة. ومن لم يأتنا اسمه نؤمن به مجملاً. ثالثاً: الإيمان بما علمنا من صفاتهم. خلقهم الله من نور، كما قال النبي ﷺ: «خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وُصف لكم». ولهم أجنحة، قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾. ولجبريل عليه السلام ستمائة جناح كما جاء في الحديث. ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة (وقد ذم الله من زعم أنهم إناث: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا﴾). رابعاً: الإيمان بما علمنا من أعمالهم. وهي كثيرة: منهم حملة العرش، ومنهم الموكلون بالجنة، ومنهم الموكلون بالنار، ومنهم الكتبة الكرام الذين يكتبون أعمال العبد ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، ومنهم الحفظة الذين يحفظون العبد، ومنهم منكر ونكير اللذان يسألان العبد في قبره، ومنهم الموكلون بالأرحام، ومنهم الموكلون بالجبال والبحار والقطر. وعدد الملائكة لا يعلمه إلا الله، وفي حديث المعراج أن النبي ﷺ رأى البيت المعمور وكل يوم يصلي فيه سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه أبداً. وقد عُرف من سيرة الملائكة أنهم خلق مكرم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وحبهم وموالاتهم من تمام الإيمان، وكذلك معرفة حقهم وعدم إيذائهم بالروائح الكريهة (كما نُهي عن قربان المسجد لمن أكل البصل والثوم) أو بالصور والكلاب في البيوت (فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ولا كلب).
أقوال أهل العلم
كثير من المعطلة في العصر الحديث يحاولون تأويل الملائكة بأنهم قوى نفسية أو طبيعية، وهذا قول مردود مخالف لظاهر النصوص ولإجماع المسلمين. الملائكة خلق حقيقي يُرى ويسمع كما رأى النبي ﷺ جبريل عليه السلام مرتين على صورته الحقيقية له ستمائة جناح، وكما رآه أصحاب النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي وفي صورة الأعرابي الذي جاء يسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان. ومن العصمة من تأويل الملائكة: التأمل في النصوص المفصّلة في صفاتهم وأعمالهم. فلو كانوا قوى مجردة لما وصفهم الله بالأجنحة، ولا أمر النبي ﷺ بتقليل قراءة سورة الكهف خوف فرار الملائكة، ولا أخبر أن جبريل عليه السلام نزل بسورة كذا في يوم كذا. فالنصوص في وصفهم وحركتهم كثيرة لا يمكن تأويلها كلها.
الأدلة
«﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾»
وعيد لمن أنكر شيئاً من أركان الإيمان ومنها الملائكة
«﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾»
إثبات أجنحة الملائكة
«﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾»
إثبات عصمتهم من المعصية
«خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وُصف لكم»
بيان أصل خلق الملائكة
4
الإيمان بالكتب
كتب الله المنزلة على رسله، رحمة وهداية للعالمين

الإيمان بالكتب يعني التصديق بأن الله أنزل على أنبيائه كتباً مشتملة على الهدى والنور لإقامة شرعه في الأرض، وأن جميع هذه الكتب من عند الله، وأن القرآن خاتمها والمهيمن عليها.

الإيمان بالكتب ركن من أركان الإيمان، يتضمن أربعة أمور: أولاً: الإيمان بأن نزولها حق من عند الله. فجميع الكتب السماوية وحي من الله إلى رسله، ليست من تأليف البشر ولا من خواطر الأنبياء. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾. ثانياً: الإيمان بما سُمّي منها على وجه التفصيل. وقد ذكر القرآن خمسة كتب: القرآن المنزل على نبينا محمد ﷺ، والتوراة المنزلة على موسى عليه السلام، والإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام، والزبور المنزل على داود عليه السلام، وصحف إبراهيم وموسى عليهما السلام. ثالثاً: الإيمان بما لم يسمَّ منها على وجه الإجمال. فقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، وأنزل مع كثير منهم كتباً لم تُسمَّ لنا. رابعاً: تصديق ما صح من أخبار هذه الكتب، كأخبار القرآن، وما لم يبدّل من أخبار الكتب السابقة. أما ما حُرّف من التوراة والإنجيل وغيرهما فلا يلزمنا تصديقه، بل لا يجوز. وللقرآن الكريم على الكتب السابقة منزلة خاصة لا تشاركه فيها كتاب آخر: الأولى: أنه آخر الكتب نزولاً، خاتم الوحي السماوي. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. الثانية: أنه محفوظ من التحريف بحفظ الله له. وأما الكتب السابقة فقد وُكِل حفظها إلى أهلها فحرّفوها وبدّلوها، قال تعالى عن اليهود: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. الثالثة: أنه مهيمن على الكتب السابقة، شاهد عليها، حاكم عليها بالقبول والرد. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. الرابعة: أنه ناسخ لما قبله من الشرائع. فالعمل بشريعة موسى وعيسى عليهما السلام منسوخ بشريعة محمد ﷺ، وكل من بلغته دعوة محمد ﷺ وجب عليه اتباع شريعته. قال النبي ﷺ: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار». الخامسة: أنه عام للناس كافة، ليس خاصاً بقوم دون قوم. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. أما الكتب السابقة فإنها كانت موجهة إلى أقوام معينين في أزمنة معينة.
أقوال أهل العلم
موقف المسلم من الكتب السابقة (التوراة والإنجيل وغيرها): يصدق بما جاء فيها من غير تحريف، ولا يصدق ما تيقن أنه محرّف، ولا يكذب ما لا يعلم. قال النبي ﷺ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أُنزل إلينا»، وذلك لأنه قد يكون فيما يخبرون به حق فلا يحل تكذيبه، وقد يكون فيه باطل فلا يحل تصديقه. أما ما يخبر به أهل الكتاب اليوم من نصوص في كتبهم: فهي ليست هي التوراة والإنجيل الأصليان اللذان نزلا على موسى وعيسى عليهما السلام، بل هي كتب جُمعت بعدهما بقرون، وفيها من التحريف والتبديل ما لا يخفى على من تأمّلها. ولذا لا يجوز اعتمادها مصدراً للعقيدة أو للحكم. ومع ذلك فإن كثيراً من الحقائق الكبرى لا تزال موجودة فيها مما يدل على الأصل السماوي لها.
الأدلة
«﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾»
أصل وجوب الإيمان بالكتب
«﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾»
نص في هيمنة القرآن على الكتب السابقة
«﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾»
تعهد الله بحفظ القرآن دون سائر الكتب
«والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار»
تأكيد على عموم دعوة محمد ﷺ ونسخها لما قبلها
5
الإيمان بالرسل
الذين اصطفاهم الله لإبلاغ شرعه إلى عباده

الإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان، يتضمن التصديق بأن الله بعث رسلاً لكل أمة، وأنهم بشر معصومون فيما يبلّغونه عن الله، وأنهم جميعاً صادقون فيما أخبروا به، وأن نبينا محمداً ﷺ خاتمهم وأفضلهم.

أرسل الله الرسل رحمة بعباده وإقامة للحجة عليهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. الفرق بين النبي والرسول: قال جمهور العلماء: النبي من أوحى الله إليه بشرع ولم يأمره بتبليغه. والرسول من أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه إلى من خالفه. وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً. وقد ذكر الله في القرآن خمسة وعشرين نبياً ورسولاً بالاسم، وهم: آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، يوسف، أيوب، شعيب، موسى، هارون، يونس، داود، سليمان، إلياس، اليسع، ذو الكفل، زكريا، يحيى، عيسى، محمد ﷺ. وأما من سواهم فيكون عددهم كثيراً، فقد قال النبي ﷺ في حديث أبي ذر: «الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، الرسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر»، وفي رواية: «الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر». أولو العزم من الرسل خمسة، وهم أفضل الرسل: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وأفضلهم هو محمد ﷺ ثم إبراهيم ﷺ، وقد ذكر الله أولي العزم في موضعين من القرآن: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. صفات الرسل التي يجب الإيمان بها: أنهم بشر من بني آدم، يأكلون ويشربون ويمرضون ويموتون، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾. وأنهم معصومون فيما يبلّغون عن الله، فلا يكتمون ولا يكذبون. وأن لهم صفات الكمال البشري من الصدق والأمانة والفطنة والذكاء. وأنهم أحياء في قبورهم حياة برزخية لا نعلم كيفيتها. محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين: لا نبي بعده، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ، وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. ومن ادّعى النبوة بعده فهو كذاب دجال، كما حذّر النبي ﷺ من ظهور الكذابين الذين يدّعون النبوة، وقال: «إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي». وقد ظهر منهم في حياته مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي، وفي زماننا ظهر منهم القاديانية الذين زعموا نبوة مرزا غلام أحمد، وقد كفّر العلماء جميع من ادّعى النبوة بعد محمد ﷺ.
أقوال أهل العلم
الإيمان بالرسل يجب فيه التفصيل والإجمال: التفصيل فيمن سُمّوا، والإجمال فيمن لم يُسمَّوا. ومن جحد رسولاً واحداً من الرسل المسمّين فقد كفر بالجميع، قال تعالى عن اليهود: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، فأخبر أن من فعل ذلك فهو كافر حقاً. ومن العقائد المنحرفة في هذا الباب: عقيدة بعض الفرق التي تجعل في الأئمة أو في الأولياء ما هو من خصائص النبوة، كادعاء العصمة لهم أو الاطلاع على الغيب. والمسلم يقتصر بصفات الكمال على الأنبياء والمرسلين فقط، أما من سواهم من الصالحين فلا يبلغ شيء منهم منزلة الأنبياء. وكذلك من الانحراف: الغلو في النبي ﷺ بإعطائه ما هو من خصائص الربوبية، كالاستغاثة به أو النذر له أو دعائه من دون الله. وقد حذّر النبي ﷺ من ذلك فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله».
الأدلة
«﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾»
بيان عموم بعثة الرسل ومضمون رسالتهم
«﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ، وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾»
نص قاطع في ختم النبوة بمحمد ﷺ
«﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾»
وجوب الإيمان بجميع الرسل بلا تفريق
«لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله»
تحذير من الغلو في النبي ﷺ
6
الإيمان باليوم الآخر
اليوم الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء

الإيمان باليوم الآخر هو التصديق بكل ما أخبر به الله ورسوله ﷺ من أمور تكون بعد الموت: من فتنة القبر ونعيمه أو عذابه، والبعث، والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار.

اليوم الآخر هو يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء، وسُمّي «الآخر» لأنه ليس بعده يوم، وإنما هو إما جنة لا نفاد لها وإما نار لا انتهاء لها لمن قُدّر له الخلود فيها. ويتضمن الإيمان باليوم الآخر التصديق بكل ما يكون بعد الموت من المراحل الست الكبرى: أولاً: ما يكون في القبر. ويشمل: فتنة القبر بسؤال الملكين عن الرب والدين والنبي، ونعيم القبر للمؤمنين، وعذاب القبر للكافرين والعصاة. وقد ثبت ذلك بالأحاديث المتواترة، وأمر النبي ﷺ بالاستعاذة من عذاب القبر في كل صلاة. ثانياً: البعث. وهو إعادة الأرواح إلى الأجساد يوم القيامة بعد النفخة الثانية في الصور، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. ثالثاً: الحشر. وهو سوق الناس إلى موقف القيامة، عراة حفاة غرلاً (غير مختونين)، تدنو منهم الشمس قدر ميل، فيكونون في العرق على قدر أعمالهم. رابعاً: الحساب. وفيه يحاسب الله عباده على أعمالهم، فيُعطى المؤمنون كتبهم بأيمانهم، ويُعطى الكفار كتبهم بشمائلهم أو من وراء ظهورهم. ومن المسلمين من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم سبعون ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً. خامساً: الميزان والصراط. الميزان حقيقي توزن فيه أعمال العباد ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. والصراط جسر يُضرب على متن جهنم، يمر عليه الناس على قدر أعمالهم، منهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم كالماشي، ومنهم من يحبو، ومنهم من يخر في النار. وعليه كلاليب تخطف من تشاء بأمر الله. سادساً: الجنة والنار. وهما مخلوقتان موجودتان الآن، باقيتان لا تفنيان. أما الجنة فدار النعيم الأبدي للمؤمنين، فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأما النار فدار العذاب الأليم للكافرين، أعدّها الله للظالمين، ﴿كَلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. وأهل الكبائر من المسلمين الذين ماتوا على كبائرهم تحت مشيئة الله، إن شاء عذّبهم على قدر ذنوبهم ثم أخرجهم بشفاعة من يشفع، وإن شاء عفا عنهم ابتداءً، ولكنهم لا يخلدون في النار خلوداً أبدياً، لأن من في قلبه مثقال ذرة من إيمان يخرج من النار آخر الأمر بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين. وهذا قول أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يُخلدون أهل الكبائر في النار. **ملاحظة:** ستُفصَّل هذه المباحث الستة في وحدة مخصصة تحت عنوان «الإيمان باليوم الآخر»، تتضمن مجموعات منفصلة لأهوال القبر، وعلامات الساعة الصغرى، وأهوال يوم القيامة، وصفة الجنة، وصفة النار.
أقوال أهل العلم
الإيمان باليوم الآخر يحتاج إلى تصديق إجمالي وتصديق تفصيلي. التصديق الإجمالي: بأن هناك يوماً يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء. والتصديق التفصيلي: بكل ما أخبر الله ورسوله ﷺ من تفاصيل ذلك اليوم. ومن أنكر اليوم الآخر بالكلية فقد كفر، وأما من أنكر بعض تفاصيله الثابتة فقد ابتدع، وقد يصل بعض الإنكار إلى الكفر إن جحد ما تواتر من النصوص. ومن أعظم آثار الإيمان باليوم الآخر في حياة العبد: الزهد في الدنيا، والإخلاص في الأعمال، والصبر على المصائب، والحرص على ما عند الله، والخوف من المعاصي. ولذلك ربط الله الإيمان به في كثير من الآيات بالعمل الصالح، فقال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، فجعل العمل الصالح ثمرة طبيعية للإيمان به.
الأدلة
«﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ، ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾»
تسمية يوم القيامة بيوم التغابن
«﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾»
إثبات الميزان يوم القيامة
«أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله»
أصل في الحساب يوم القيامة
«تعوذوا بالله من عذاب القبر»
تأكيد على الإيمان بعذاب القبر
7
الإيمان بالقدر
أن الله علم كل شيء قبل خلقه ودبر كل شيء بحكمته

الإيمان بالقدر هو الإيمان بأن الله علم بكل شيء قبل خلقه، وكتبه في اللوح المحفوظ، وأن كل ما يقع فهو بمشيئته سبحانه وخلقه، خيره وشره، وأن الله سبحانه حكيم عدل في قدره.

الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، وقد قال النبي ﷺ في حديث جبريل: «وتؤمن بالقدر خيره وشره». وقال ابن عمر رضي الله عنهما لمن أنكر القدر: «أخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أُحُد ذهباً فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر». والإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب لا بد من التصديق بها مجتمعة، وهي المعروفة عند أهل العلم بـ «مراتب القدر الأربع»: المرتبة الأولى: العلم. وهو الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل شيء جملةً وتفصيلاً، علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. المرتبة الثانية: الكتابة. وهو الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما قال النبي ﷺ: «إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». فجميع ما يجري للعبد من خير وشر مكتوب عند الله قبل أن يخلقه. المرتبة الثالثة: المشيئة. وهو الإيمان بأن كل ما يقع في الكون من حركة وسكون فإنما يقع بمشيئة الله النافذة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. المرتبة الرابعة: الخلق. وهو الإيمان بأن الله خالق كل شيء، حتى أفعال العباد فإن الله خالقها وإن كان العبد فاعلاً لها حقيقة وكاسباً لها. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. ومسألة دقيقة في باب القدر: العلاقة بين قدر الله وكسب العبد. فالعبد له كسب حقيقي ومشيئة حقيقية بها يُسأل ويُحاسب، لكن كسبه ومشيئته تكون تحت كسب الله ومشيئته، فلا يخرج عن إرادته سبحانه. وعلى ذلك فإن المعصية لا تُنسب إلى الله من حيث إنها قبيحة، بل تُنسب إلى العبد فاعلاً لها مختاراً، وتُنسب إلى الله من حيث إنها لا تكون إلا بمشيئته الكونية. وهذا هو القول الوسط بين الجبرية الذين يجعلون العبد مجبراً على فعله، والقدرية الذين ينفون قدر الله عن أفعال العباد. أخطاء يقع فيها بعض الناس في باب القدر: ١- الاحتجاج بالقدر على المعاصي: كأن يقول العاصي: «أنا مقدور عليّ المعصية»، وهذا احتجاج باطل، فإن العبد يفعل المعصية مختاراً، فلا يُعذر بالقدر في فعله. وقد قال آدم لموسى عليهما السلام حين لامه على أكل الشجرة: «أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني؟»، فحجّ آدمُ موسى، لكن المراد بذلك الاحتجاج بالقدر على المصيبة لا على المعصية، لأن آدم قد تاب من ذنبه ولم يحتج بالقدر إلا بعد ما تاب. ٢- ترك السعي بحجة القدر: كأن يقول: «إن كان الله قد كتب لي الرزق فسأرزق ولو لم أعمل». وهذا قول جاهل، فإن الأسباب من القدر، ومن قدر الله أن ربط الرزق بالكسب، والصحة بالاحتراز، والولد بالنكاح. فمن أهمل الأسباب فقد خالف قدر الله. ٣- الكلام في حكمة الله بالاعتراض: كأن يقول: «لمَ قدّر الله كذا؟». وهذا اعتراض على الله، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.
أقوال أهل العلم
باب القدر من أعظم أبواب الإيمان التي وقع فيها الاختلاف بين الفرق. فظهرت في القرن الأول طائفة سُمّيت «القدرية» نفوا القدر السابق وقالوا: الأمر أُنف (يعني مستأنف)، أي أن الله لم يعلم الأشياء حتى تقع. وقالوا: العبد يخلق فعله بنفسه، فأخرجوا أفعال العباد عن خلق الله. وقد قال النبي ﷺ فيهم: «القدرية مجوس هذه الأمة»، وذلك أن المجوس قالوا بإلهين (إله للخير وإله للشر)، والقدرية أثبتوا خالقاً مع الله (وهو العبد بزعمهم). وفي مقابلهم ظهرت طائفة الجبرية الذين قالوا: العبد مجبور على فعله، لا اختيار له ولا مشيئة، حركاته كحركات الريح في الشجر. وهذا قول باطل أيضاً، لأنه يلزم منه إبطال التكليف ورفع العقاب والثواب. ومذهب أهل السنة الوسط بين الفريقين: أن العبد له مشيئة وكسب حقيقي، ولكن تحت مشيئة الله، ومن قدر الله أن العبد يفعل ما يفعل باختياره، فيكون الفعل من العبد كسباً ومن الله خلقاً.
الأدلة
«﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾»
نص قاطع في إثبات القدر
«﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾»
إثبات مشيئة الله النافذة فوق مشيئة العبد
«إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»
نص في كتابة المقادير
«القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم»
حسّنه الألباني، تشديد على نفاة القدر