سورة القمر · الآية 26
سَيَعْلَمُونَ غَدًۭا مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلْأَشِرُ26
{ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا } أي: كيف يخصه الله من بيننا وينزل عليه الذكر؟ فأي مزية خصه من بيننا؟ وهذا اعتراض من المكذبين على الله، لم يزالوا يدلون به، ويصولون ويجولون ويردون به دعوة الرسل، وقد أجاب الله عن هذه الشبهة بقول الرسل لأممهم: { قالت رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } فالرسل من الله عليهم بصفات وأخلاق وكمالات، بها صلحوا لرسالات ربهم والاختصاص بوحيه،ومن رحمته وحكمته أن كانوا من البشر، فلو كانوا من الملائكة لم يمكن البشر، أن يتلقوا عنهم، ولو جعلهم من الملائكة لعاجل الله المكذبين لهم بالعقاب العاجل.والمقصود بهذا الكلام الصادر من ثمود لنبيهم صالح، تكذيبه، ولهذا حكموا عليه بهذا الحكم الجائر، فقالوا: { بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } أي: كثير الكذب والشر،فقبحهم الله ما أسفه أحلامهم وأظلمهم، وأشدهم مقابلة للصادقين الناصحين بالخطاب الشنيع، لا جرم عاقبهم الله حين اشتد طغيانهم
أأُنزل عليه الوحي وخُصَّ بالنبوة مِن بيننا، وهو واحد منا؟ بل هو كثير الكذب والتجبر. سَيَرون عند نزول العذاب بهم في الدنيا ويوم القيامة مَنِ الكذاب المتجبر؟
هذا تهديد لهم شديد ووعيد أكيد.
سيعلمون غدا أي سيرون العذاب يوم القيامة ، أو في حال نزول العذاب بهم في الدنيا . وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على أنه من قول صالح لهم على الخطاب . الباقون بالياء ، إخبار من الله تعالى لصالح عنهم . وقوله : غدا على التقريب على عادة الناس في قولهم للعواقب : إن مع اليوم غدا ; قال :للموت فيها سهام غير مخطئة من لم يكن ميتا في اليوم مات غدا[ ص: 128 ] وقال الطرماح :ألا عللاني قبل نوح النوائح وقبل اضطراب النفس بين الجوانحوقبل غد يا لهف نفسي على غد إذا راح أصحابي ولست برائحوإنما أراد وقت الموت ولم يرد غدا بعينه .من الكذاب الأشر وقرأ أبو قلابة " الأشر " بفتح الشين وتشديد الراء جاء به على الأصل . قال أبو حاتم : لا تكاد العرب تتكلم بالأشر والأخير إلا في ضرورة الشعر ; كقول رؤبة :بلال خير الناس وابن الأخيروإنما يقولون هو خير قومه ، وهو شر الناس ; قال الله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس وقال فسيعلمون من هو شر مكانا . وعن أبي حيوة بفتح الشين وتخفيف الراء . وعن مجاهد وسعيد بن جبير ضم الشين والراء والتخفيف ، قال النحاس : وهو معنى " الأشر " ومثله : رجل حذر وحذر .
وقوله ( سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ ) يقول تعالى ذكره: قال الله لهم: ستعلمون غدا في القيامة من الكذّاب الأشر منكم معشر ثمود, ومن رسولنا صالح حين تردون على ربكم, وهذا التأويل تأويل من قرأه ( سَتَعْلَمُونَ ) بالتاء, وهي قراءة عامة أهل الكوفة سوى عاصم والكسائي. أما تأويل ذلك على قراءة من قرأه بالياء, وهي قراءة عامة قراء أهل المدينة والبصرة وعاصم والكسائي, فإنه قال الله ( سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ ) وترك من الكلام ذكر قال الله, استغناء بدلالة الكلام عليه.والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان, قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, لتقارب معنييهما, وصحتهما في الإعراب والتأويل .